مصر
  • 29℃ القاهرة, مصر

رئيس مجلس الإدارة

طارق لطفى

رئيس التحرير

أحمد سليمان

تجربة لقصة قصيرة

لست من هذا النوع الذي يصحو من نومه متذكرا أحلامه؛ ليقضي يومه متأثرا بها، وباحثا عن تفسير لها، رغم أن تفاعل الإنسان مع أحلامه عادةً ما يكون ذا أثر في حياته، خاصة إذا كان فنانا، فالفنان بينه وبين عالم أحلامه علاقة خاصة جدا، تكاد تكون هي أساس حياته ونقطة انطلاق نشاطاته العقلية الواعية، فالفنان يتغذى على أحلامه لينتج فنه، أيا كان مجال هذا الفن، وهو أيضا يسكب من روحه في هذه الأحلام، سواء محققا فيها ما لم يحققه في حياته الواعية، أو ليعاني فيها من معايشة ما يبغضه في الواقع؛ ليخرج من هذه المعاناة بتجربة فنية بعيدة عن الواقع عقلا وعاطفة.
 


وبما أني لست ناقدا، ولا عالم نفس؛ لأخوض كثيرا في توضيح أو مناقشة العلاقة بين الفنان وعالم أحلامه، فسأدلف مباشرة لهذا الحلم الذي أرقني، رغم أني –كما ذكرت في بداية كلامي- لست ممن يذكرون أحلامهم بعد أن يستيقظوا، ولا ممن يقضون أوقات يقظتهم في تفسير أحلامهم.
كان قصرا كالقصور التي تظهر في مخيلتنا عند قراءتنا روايات مثل الحرافيش وأولاد حارتنا وقلب الليل، هذا النوع من الروايات التي تصور العلاقة بين عالم الفتوات والمتصوفة ودنيا الفقراء، بما فيها من تناقضات، حيث الفتوات رحماء، والمتصوفة مشتددون، والعامة غارقون في الملذات الرخيصة.
لا أدري من صاحب القصر، ولا سبب ذهابي إليه، ولا حتى رفاق الطريق، بل إني لا أذكر ولا أعرف منهم إلا شكل أقفيتهم، وأصواتهم المتشابكة غير الواضحة، في نداءات أو ترجيات أو لعلها كانت اعتراضات، كان كلامهم غير مفهوم كعدم فهمي لسبب اجتماعي معهم في نفس المكان.
والحقيقة أنني لا أذكر أيضا كيف كان الطريق الذي سلكته للوصول إلى أمام هذا القصر، ولعل هذا لأن الحلم بدأ عند هذه اللحظة حيث أقف وسط هذا الحشد، على سلالم هذا القصر، وهل أنا مع هذا الحشد فعلا، أو مع مجموعة حراس القصر الذين انتشروا بين هذا الجمع ليفرقوه.
مجموعة من الرجال يبدو جليا أنهم من حراس القصر وخدمه، ومن بينهم من يبدو على هيئته أنه كبلطجية العصر الراهن، لا يرتدون زيا موحدا كتلك التي يحرص مخرجو الأفلام والمسلسلات القديمة أن يغطوا بها أجساد مجاميع الخدم والحراس.
كانت تجري أمام الجموع مجموعة من الكلاب، تعرف من أين تبدأ جريها وعند مَن مِن الخدم تتوقف؛ لتعود مرة أخرى حيث بدأت، وهكذا في حلقات ومناورات متشابكة عنكبوتية، لتقوم بحراسة مداخل القصر، وترهب كل من تسول له نفسه الاقتراب من هذه المداخل.
انتهت سريعا تظاهرة الرفاق المجهولين أمام نباح كلاب الحراسة، وتلاطمت أقدامهم سراعا هابطين على السلم مبتعدين عن مداخل القصر، فيما يدل على أنها ليست أولى تظاهراتهم، فهم يعرفون رغم الزحام وسط هذا الزخم من الخطوات ألا يتعثروا في طريقهم.
وحاولت الاندماج معهم في تيار جريهم وهبوطهم على الدرج، لكن رهبة الأماكن العالية أوقفتني مكاني متحيرا خائفا.
نعم، رهبة الأماكن العالية، ففجأة أحسست أن سلم هذا القصر كأنه سلم برج من أبراج المعابد البوذية المتناثرة على جبال التبت، أو كقلعة «ألموت» التي جاء وصفها في تاريخ فرق الحشاشين.
وحدي صرت بعد أن تفرق كل الرفاق من حولي، وظللت مكاني أبحث لنفسي عن طريق آمن للهبوط، وخطوة خطوة بدأت في الهبوط حابيا كطفل صغير حديث العهد بالمشي، ينزل على سلم لأول مرة في حياته.
وكنت كلما نزلت درجة يزداد السلم أمامي ارتفاعا، وتزداد الأرض تباعدا، وكأنني أصعد، لكني متأكد كل التأكد أنني أفعل كل ما من شأنه أن يجعلني أهبط.
وأخذت الكلاب تنبح، وأصوات الحرس تعلو مهددة، وبينما كنت أهبط حبوا نحو آخر درجة من درجات السلم، وبدت الراحة تشرق في نفسي أنني أخيرا سأهبط من فوق هذا السلم المرهق، فجأة اكتشفت أن هذه الدرجة حافة هاوية، وبينها وبين الشارع عشرات الأمتار...
بقلم - أبو معاذ محمد الطايع:





تابع بوابة الجمهورية اون لاين علي

تابع بوابة الجمهورية اون لاين علي جوجل نيوز جوجل نيوز

يمكنك مشاركة الخبر علي صفحات التواصل

اترك تعليق