تحدثنا في الأسبوع الماضي عن مكفِّرات الذنوب، وقبل أن أستكمل أود أن أوضح أنه لا يوجد شخص في هذه الحياة معصوم عن ارتكاب الخطأ، وليس العيب في ارتكاب الذنب إنما في التمادي به وعدم الرجوع عنه، فتواصل ارتكاب الذنوب يؤدي إلى جعل القلب قاسٍ وبعيد عن الله تعالى، لذا يجب العزم على الإقلاع عن الذنوب والتوبة وعدم الرجوع إليها والأخذ بكل الأسباب التي تؤدي إلى تكفير الذنوب.
ومن هذه الأسباب إسباغ الوضوء فقد قال- صلى الله عليه وسلم-: "مَن توضَّأ فأحسَنَ الوضوءَ، خرجتْ خطاياه من جَسَدِه، حتَّى تخرُجَ من تحت أظفارِه". ومنها أيضا ذكر الله: "من قال خلفَ كلِّ صلاةٍ ثلاثًا وثلاثينَ تَكبيرةً وثلاثًا وثلاثينَ تحميدةً وثلاثًا وثلاثينَ تسبيحةً ويقولُ لا إلهَ إلَّا اللَّهُ وحدَه لا شريكَ لهُ لهُ الملكُ ولهُ الحمدُ وهوَ على كلِّ شيءٍ قديرٌ مرَّةً واحدةً غُفِرَ لهُ خطاياهُ وإن كانَت مثلَ زبَدِ البحرِ". وقال: "مَنْ قَالَ سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ فِي يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ حُطَّتْ خَطَايَاهُ وَإِنْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ". وقال: "مَن قالَ: لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وحْدَهُ لا شَرِيكَ له، له المُلْكُ وله الحَمْدُ، وهو علَى كُلِّ شيءٍ قَدِيرٌ، في يَومٍ مِئَةَ مَرَّةٍ، كانَتْ له عَدْلَ عَشْرِ رِقابٍ، وكُتِبَتْ له مِئَةُ حَسَنَةٍ، ومُحِيَتْ عنْه مِئَةُ سَيِّئَةٍ ...". ومنها: "أَلا أَدُلُّكُمْ عَلَى مَا يَمْحُو اللهَ بِهِ الخَطَايَا، وَيَرْفَعُ بِهِ الدَّرَجَاتِ؟" قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ الله، قَالَ: "إسْبَاغُ الوُضُوءِ عَلَى المكَارِهِ، وَكَثْرَةُ الخُطَا إلَى المسَاجِدِ وَانْتِظَارُ الصَّلاةِ بَعْدَ الصَّلاةِ فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ".
وصلاة ركعتين إذا أذنب ذنباً ؛ قال رسولَ اللهِ: "ما مِن رجلٍ يُذْنِبُ ذنبًا فيتَوضَّأُ فيُحسِنُ الوُضوءَ ثمَّ يُصلِّي رَكعَتينِ فيستغفرُ اللهَ عزَّ وجلَّ إلَّا غفَرَ لهُ".
وكفارة المجلس؛ "مَن جلسَ في مجلِسٍ فَكَثرَ فيهِ لغطُهُ، فقالَ قبلَ أن يقومَ من مجلسِهِ ذلِكَ: سُبحانَكَ اللَّهمَّ وبحمدِكَ، أشهدُ أن لا إلَهَ إلَّا أنتَ أستغفرُكَ وأتوبُ إليكَ، إلَّا غُفِرَ لَهُ ما كانَ في مجلِسِهِ ذلِكَ".
والذِّكر بعدَ الأَذان الَّذِي أَخبَر به النبيُّ فقال: "من قالَ حينَ يسمعُ المؤذِّنَ وأنا أشهدُ أن لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وحدَهُ لا شريكَ لَهُ وأشهدُ أنَّ محمَّدًا عبدُهُ ورسولُهُ رضيتُ باللَّهِ ربًّا وبالإسلامِ دينًا وبمحمَّدٍ نبيًّا غفرَ لَهُ ذنبُهُ".
وكذلك من مكفّرات الذنوب موافقة تأمين المصلّي لتأمين الملائكة؛ "إذا قالَ أحَدُكُمْ: آمِينَ، وقالتِ المَلائِكَةُ في السَّماءِ: آمِينَ، فَوافَقَتْ إحْداهُما الأُخْرَى غُفِرَ له ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ".
ويُعد التسامح والعفو من مكفّرات الذنوب، قال تعالى: {وَإِن تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}.
ومن مكفّرات الذنوب أيضا تفريج كُربة عن مؤمن، وعون الضعيف لها أجر كبير عند الله؛ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: "مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا نَفَّسَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ يَسَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَاللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ، وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ، وَمَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ، إِلَّا نَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ، وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ، وَحَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ، وَذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ، وَمَنْ بَطَّأَ بِهِ عَمَلُهُ لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ".
أما أسباب المغفرة التي تكون في حياة البرزخ فمنها: دُعَاءُ الْمُؤْمِنِينَ لِلْمُؤْمِنِ، قَالَ تعالى: {وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ}.
وكصَلَاةِ المؤمنين عَلَى جِنَازَتِهِ، قال صلى الله عليه وسلم: "مَا مِنْ رَجُلٍ مُسْلِمٍ يَمُوتُ فَيَقُومُ عَلَى جِنَازَتِهِ أَرْبَعُونَ رَجُلًا لَا يُشْرِكُونَ بِاَللَّهِ شَيْئًا إلَّا شَفَّعَهُمْ اللَّهُ فِيهِ".
ومن مكفّرات الذنوب مَا يُعْمَلُ لِلْمَيِّتِ مِنْ أَعْمَالِ الْبِرِّ ويهدى إليه ثوابه، كَالصَّدَقَةِ والعمرة وَالْحَجّ وقراءة القرآن وغيرها من القرب.
وإذا لم يتطهّر العبد من ذنوبه بتلك المكفّرات السالفِ ذكرها، فثمة مكفّراتٌ تكون بعد قيام الساعة إذا بعث الناس من قبورهم. منها الشَفَاعَة في أهل الذنوب يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وأعظمها شفاعة النَّبِيِّ فقد قال: "خُيِّرتُ بين الشفاعةِ أو يدخلَ نصفُ أمتي الجنةَ فاخترتُ الشفاعةَ لأنها أعمُّ وأكفَى أما إنها ليست للمؤمنينَ المتقينَ ولكنها للمُذنبينَ الخاطئينَ المتلوِّثينَ".
وأَهْوَالُ يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَكَرْبُهَا وَشَدَائِدُهَا، وما يجري للعبد في سيره على صراط جهنم من خدش الكلاليب، والقنطرة التي يقتص فيها للعباد بعضهم من بعض، وغيرها، فهذه تكفر عن العباد كثيرا من ذنوبهم، وتخفف عنهم.
ثم أولا وأخيرا تأتي رَحْمَةُ اللَّهِ وَعَفْوُهُ وَمَغْفِرَتُهُ بِلَا سَبَبٍ مِنْ الْعِبَادِ، فهو أرحم الراحمين، وأكرم الأكرمين، ورحمته وسعت كل شئ، وهي قريب من المحسنين.
اترك تعليق