كان أباً مثالياً في كل شيء.. ببساطة كان "ديمقراطياً.. متسامحاً.. حنوناً.. متواضعاً.. زاهداً" ولم يكن في يوم من الأيام ملحداً لكنه كان يرفض المسلمات ووجد في القرآن الكريم إجابات علي كل تساؤلاته.
بهذه الكلمات تحدثت أمل مصطفي محمود ابنة المفكر والعالم الراحل د. مصطفي محمود في الذكري الـ 11 لرحيله مؤكدة ان انشغاله الدائم بالفقراء والمحتاجين وراء تأسيسه لجمعية ومسجد مصطفي محمود وانه كان يعتبر المرض منحة ومكافأة من الله سبحانه وتعالي.
قالت إنه كان طبيباً ناجحاً لكنه تنازل عن عضوية نقابة الأطباء حباً في الصحافة حيث كان القانون يمنع الجمع بين عضوية أكثر من نقابة.
العديد والعديد من الأسرار ترويها ابنته في حوارها لـ "الجمهورية أون لاين".

* في الذكري الـ 11 لرحيل الكاتب والعالم د. مصطفي محمود ماذا تقولين عنه؟
** بعد مرور هذه السنوات مازلت أشعر بالحنين إليه افتقده كثيراً فدائماً أستحضر حواراته وكلماته لم احتمل في البداية فكرة رحيله وغيابه لقد كنت قريبة منه أغلب الوقت امضيه بجواره حتي في الفترات التي كان يجلس فيها بمفرده داخل صومعته ليقرأ أو يكتب كنت أشعر بأني مسئولة عنه علي الرغم من كونه كان لا يسبب أي إعجاز بالطلبات لمن معه.. وبمرور الوقت وضعت أمام عيني مسئولية الاستمرار في إنجاز كل ما كان يحبه ويمنحه وقته وصحته وهو مساندة الناس وحل مشاكلهم وتقديم ما يحتاجونه من مساعدة سواء من خلال الجمعية أو المستشفي.

التفاصيل الصغيرة
* هل هناك اختلاف بين د. مصطفي محمود الأب والعالم المفكر؟
** علي الرغم من انفصال والدي عن والدتي وأنا في سن صغيرة لكني أتذكر كل التفاصيل الصغيرة التي لمستها في شخصيته فوالدي أب مثالي وديمقراطي معني الكلمة لم تكن كلماته أوامر كسائر الآباء في هذا الوقت امتاز بالهدوء والذوق في كلماته واحساسه والأهم هو الإنجاز والتواضع الذي لمسه كل من اقترب منه حتي أبسط الناس لم يكن والدي يفرق في المعاملة بين الأشخاص فالكل سواء هو يعلي من قيمة الإنسان دون خداع أيضاً كان متسامحاً إلي أبعد حد وزاهدا في مباهج الحياة.. عاشقاً لكل شيء بسيط متواضع في ملابسه وكل شيء حوله حتي طعامه كان قليلا.. بمنتهي الصدق هو أب مثالي إلي أبعد الحدود.
* من الأقرب لشخصه أنت أم شقيقك؟
** كنت أشعر أني المسئولة عنه بحكم إنني فتاة فقد كنت الابنة الكبري لكن في الحقيقة لم يكن يفرق بيني وبين أخي أدهم نفس المعاملة لكني الأكثر تأثرا به وتعلمت منه حب القراءة والتأمل والهدوء وحب السفر فقد كان حريصاً علي اصطحابي وأخي خلال الاجازات للسفر داخل وخارج مصر.
لقد نجح أبي أن يزرع بداخلنا قيم العطاء والتضحية وضرب لنا أروع مثال في حسن التعامل مع الآخر.

* هل كانت له توجيهات محددة في اختيار الكتب؟
** في صغري كان يوجهني لأدب الرحلات وقراءة قصص العقاد ونجيب محفوظ والحكيم وعندما استشعر برغبتي في دراسة الفلسفة لم يشجعني فقد كان يراها تطرح تساؤلات دون ان تعطي إجابات واضحة ومحددة لذلك اتجهت لدراسة اللغة الفرنسية بحض اختياري لأنه دوماً كان حريصا علي أن يترك لنا حرية الاختيار في كل شيء إيماناً وعشقاً لمبدأ الحرية في كل شيء حرية التجربة والاختيار.
* يقال إن د. مصطفي تنازل عن عضوية نقابة الأطباء فهل هذا صحيح؟
** في أوائل الستينيات صدر قانون يمنع الجمع بين عضوية نقابتين فاختار عضوية نقابة الصحفيين بدلاً من الأطباء علي رغم ان أخيه الكبير كان رافضاً لتلك الخطوة لكن عشق والدي لهذه المهنة ولعالم الفكر والثقافة جعله لا يتردد في اتخاذ قراره.

* هل يعني ذلك أنه لم يكن طبيباً ناجحاً؟
** علي العكس أبي كان طبيب أمراض صدرية متفاني وناجح في عمله وتخصصه وفي كلية الطب كان يعشق مادة التشريح ومتفوق فيها واتذكر انه أخبرني أنه وضع "المخ" في مادة فورمالين لمدة سنة كاملة ليشاهد ماذا يحدث له أما في طفولته فكان يقوم بتشريح الحشرات والسبب فكرة كيفية الخلق كان مسيطرة علي وجدانه وعقله.. وخلال عمله كان يؤرقه انتكاس المريض وتوطن بعض الأمراض مما دفعه لعدم التمسك بالاستمرار في عمله فهجر الطب إلي عوالم الفكر والكتابة والصحافة.
والدي كان عاشقا لفنون الثقافة التي تأخذه لعالم التأمل والإبحار والإبداع.
* ماذا عن هواياته؟
** الموسيقي والفنون ففي شبابه كان يعزف علي الناي والعود حبه للأغاني خاصة الفنان محمد عبدالوهاب وتحولت العلاقة بينهما إلي صداقة استمرت حتي وفاة الموسيقار وكان بينهما حوارات حول الفن والدين وهل الفن حرام أم لا وأتذكر ان والدي كان له رأي واضح طالما ان الفن يقدم أعمالاً هادفة وجيدة فلا حرمانية. والدي كانت له علاقات بالعديد من أهل الفن ومنهم من كان يحرص علي مشاورته الرأي والاستماع إلي آرائه وأفكاره.. اتذكر منهم الفنانة الراحلة شادية ونادية لطفي وسعاد حسني.
من الهوايات الأخري اهتمامه بدراسة الظواهر الطبيعية وعلوم الفضاء وكان لديه مجموعة متنوعة من التليسكوبات وقام بوضع أكبرها حجماً في أعلي المبني الذي يعيش فيها ليصعد مساء ويجلس لفترات طويلة يراقب بواسطة مسار الكواكب والأجرام السماوية.
من هواياته أيضاً "الطيران" بخلاف عشقه للسفر كان يشتري الطائرات الورقية ثم اشتري طائرة يتحكم فيها بالريموت كنترول.. فهناك شيء يجذبه للسماء.
هواياته كانت في محراب البحث والتأمل.
تأخر الزواج
* علي الرغم من كل هذه الصفات الإنسانية لكنه لم يستطع الاستمرار في الحياة الزوجية.. لماذا؟
** بالفعل والدي تزوج مرتين ولم تستمر الحياة لسبب بسيط هو عشق والدي للحرية والأبحاث والكتابة وهو ما يتطلب منه وقتاً ومساحة كبيرة من اليوم وهذا كان بالطبع علي حساب الزوجة من هنا شعر انه لن يستطيع الاستمرار ولم يرض أيضاً بظلم لشريكة الحياة لذلك هو تأخر في قرار الزواج فقط ارتبط بوالدتي وعمره 40 سنة وهي 16 سنة.
* ما هي أبرز العوامل التي صنعت شخصيته؟
** شغفه بالعلوم والفنون والقراءة وإحساسه المرهف ومشاعره الصادقة وإخلاصه لأي عمل يقوم به.
روحه الوثابة التي تجعله في حالة بحث وتأمل مستمر.. والأهم انه لا يحب الخداع وصادقاً في أقواله ومشاعره كما انه يتميز بتلقائية في حواره أو كتاباته. أيضاً استمتاعه بالعطاء اللامحدود للجميع بلا استثناء.
* تعرض د. مصطفي لعدة أزمات صحية.. هل أثرت علي عطائه؟
** عام 96 أصيب بنزيف في المخ لكنه تعافي بعد إجراء الجراحة واستمر في مسيرته في عالم الكتابة والبحث وعام 2003 أجري جراحة قلب مفتوح وبعدها تغيير شرايين ومع ذلك لم يتوقف عطاؤه الفكري والإبداعي حتي أصيب بالمرض في معدته وأجري جراحة بعد ذلك ضعف كثيرا لكنه كان يواظب علي القراءة حتي منعه الطبيب حتي لا يحدث إجهاداً للعصب البصري.
التعايش بسلام
* هل كان يشعر بالضيق لما أصابه؟
** علي الإطلاق فقد كان يتعايش بسلام مع ظروفه الصحية ويري أن هذه الأمراض منحة من الله ومكافأة له تدل علي أن الله راضي عنه نفس المنطق عندما كان طالباً في كلية الطب وأصيب بمشاكل صحية تنفسية انقطع بسببها من الدراسة ووجدها فرصة للتركيز في القراءة والاطلاع.. كل محنة مرت به كان يراها منحة كبيرة يستثمرها في تحقيق فوائد كثيرة في عالم المعرفة والقرب من الله.
* هل عرض عليه تولي وزارة الثقافة؟
** بالفعل لقد عرض عليه الرئيس السادات تولي وزارة الثقافة لكنه رفض.. هو لم يكن يسعي لأي منصب علي الإطلاق علي الرغم من انه كان قريباً من الرئيس السادات قبل ان يتولي رئاسة مصر خلال عمله بالصحافة وبعد توليه الحكم كان يرسل له سيارة الرئاسة كي يذهب لمقابلته. حياة والدي كانت دنيا الكتابة والكتب والابتعاد عن كل المظاهر الدنيوية.
* كيف جاءت فكرة تأسيس الجمعية والمسجد؟
** لأنه كان في حالة سعي دائم لإسعاد من حوله ومساعدة الناس لم يبخل علي أي شخص يلجأ إليه بطلب العون أو المساعدة المالية تعمقه في الدين جعله أشد حرصاً علي فعل الخير كما ان فلسفته في الحياة ليست جمع المال علي الإطلاق فقد علمنا ان نحصل فقط علي ما نحتاج ونوجه إمكانياتنا لعمل الخير لذلك كل ما جمعه من عمله من أموال أسس به عام 1975 الجمعية وأي مساعدات كانت تأتي بعد ذلك أنفقها من أجل الخير وعلاج المرضي وقد كان حريصاً علي إرسال قوافل علاجية للصعيد والأماكن النائية في كل مكان.
أيضاً أسس مكتبة وسينما داخل الجمعية ليساهم في نشر الثقافة والعلم بين الناس من أجل إنشاء المشروعات الصغيرة التي تستطيع من خلالها الأسر التكسب والعيش.
بصفة عامة العمل الخيري كان من العلامات الفارقة في حياة والدي فلديه قناعة بأن الدين ليس فقط عبادات بل أعمال يستفيد منها المواطنون.
لقد كان راغباً في لقاء الله تعالي بعمل نافع للبشرية ولم يكتف بنشر العلم فقط بل ترك هذه الأعمال الخيرية لتستمر وتنمو وتعمل وتفيد عموم الناس. حتي في اللحظات الأخيرة من عمره كان دائم الاهتمام بمشاكل ومعاناة الإنسان خاصة الفقراء والمحتاجين.
* ما هي أبرز المحطات في حياته؟
** أعتقد قراره بترك الطب والعمل في الصحافة وقراره بالتعمق في الدين وترك العلمانية وتعرض وقتها لانتقاد شديد من الوسط الصحفي ورجال الدين في آن واحد فقد كانوا يرون انه دخل بالخطأ في الجانب الديني وأتذكر أن بنت الشاطئ نشرت مقالات نقد لاذعة لكتاباته الدينية وعلي الرغم من ذلك لم يكن يرغب الدخول في معارك جانبية فلم يكن لديه الوقت لأن تفكيره في محاولة الفهم العميق للدين والقرآن وكان رده واضحاً أنه ليس من مشايخ الأزهر بل إنسان يسعي للفهم والبحث والدراسة ليفيد الناس. لذلك لم يشغل نفسه أبداً بمحاربة الآخرين أو انتقادهم.
* وماذا عن رحلته من الشك إلي اليقين؟
** هذه الرحلة نتاج القراءة والمعرفة ففي الفترة المبكرة من عمره كانت لديه أسئلة كثيرة لم يجد لها إجابة حتي لدي رجال الدين من هنا كان يرفض المسلمات وبدأت مرحلة الفلسفة وكل هذه الأسئلة التي كانت مثار الشك أوضحها في كتاب حوار مع صديقي الملحد وأحب أن أوضح ان والدي لم يكن ملحدا بالمعني المعروف هو فقط كان يبحث ويتساءل عن كل شيء في الحياة ومرحلة ما بعد الموت وشكل الحياة والبعث والحساب لذلك تعمق في دراسة وقراءة الأديان الأخري.. كل هذا كان في بداية حياته ولم تستمر طويلاً لأنه وجد في القرآن الكريم كل الإجابات علي التساؤلات التي كانت تدور في ذهنه وقد تكونت لديه قناعة أنه لا تناقض بين العلم والدين.
* وماذا عن برنامجه العلم والإيمان؟
** هذا البرنامج بمثابة نقلة كبيرة في حياته فعلي مدار حوالي 400 حلقة أعطي مادة علمية مبسطة من خلال هذا البرنامج العلمي الديني الذي حمل خلاصة فكره ومعرفته الهامة التي تتحدث عن الجسم البشري والأمراض والفيروسات وغيرها من القضايا العلمية المعاصرة في إبداع الخالق.
لقد ارتبط الكثيرون بهذا البرنامج وبكتبه الإيمانية التي تبحث في حقيقة الإيمان والوصول إلي الله. لقد ترك 88 كتاباً في مجالات الفلسفة والسياسة والأدب والعلوم.
اترك تعليق