أثار طرح لقاح فيروس كورونا، جدلا واسعا بين العلماء وداخل المجامع الفقهية المختلفة، سواء داخل مصر أو خارجها، خاصة في الدول الإسلامية، نظرا لتصنيع هذا اللقاح من مشتقات الخنزير المحرم شرعا أكله والتداوى به.
ولأننا في حالة استثنائية ولا يوجد بديل طاهر عن هذا اللقاح، كما أنه لم يتوصل العلماء إلى غيره من الأمصال ،ولم يظهر مصل مصنع من مادة غير محرَّمة، فماذا قال العلماء؟ خاصة وأن شيخ الأزهر د. أحمد الطيب، اعتبر ما يبذله الأطباء من جهود فى سبيل تقديم لقاح كورونا للعالم عطاء سخيا ومقدَّرا للمحافظة على حياة البشر.
ذهب العلماء إلى جواز التداوى بهذا اللقاح ولا حرج فى ذلك، لكن الكثير من الناس تنتابه حالة من القلق والتوتر بسبب مكونات اللقاح ويعلنون إحجامهم عن تناوله خوفا من الوقوع فى شئ محرّم، لذا اجتمعت المجامع الفقهية في مختلف الدول الإسلامية والعربية وحتى الأوربية وبحثت الموضوع جيدا وأصدرت فتواها لتبصِّر الجميع وتطمئن المسلمين فى شتى بقاع الأرض بضرورة أخذ اللقاح.
فقد أصدر مجمع الفقه الإسلامي الدولي فتاوى أكدت أن الحكم المتعلق بمشتقات الخنزير لا يسرى على اللقاحات والأدوية الضرورية لأنها تدخل في حالة الضرورة وحفظ النفس.
وأكدت دار الإفتاء المصرية، فى فتوى رسمية لها نشرت على موقعها الإلكتروني، أنه لا مانع شرعي من أخذ لقاح فيروس كورونا المستخدم فيه مشتقات من الخنزير، إذا تحوّلت من طبيعتها إلى مادة أخرى .
وأضافت دار الإفتاء: أن ذلك يجوز مادامت هذه المادة المستخدَمة قد تحوّلت طبيعتها ومكوّناتها الخنزيرية إلى مادة أخرى واستحالت إليها بحيث أصبحت مادة أخرى جديدة ،وتحوّل هذه المادة المستخدَمة في اللقاح إلى مادة أخرى أثناء عملية التصنيع حينها لا تسمّى خنزيرا ولا يصدق عليها أنها بهيئتها ومكوّناتها التي تحوّلت إليها جزء من الخنزير ولا مانع حينئذ من استخدامها في اللقاح للتداوى من فيروس كورونا وغيره من الأوبئة والأمراض.
وأشارت دار الإفتاء إلى أن هذا الأمر يسرى حتى لو كانت هذه المادة لا تزال من الناحية الطبية يطلق عليها أنها من مكوّنات الخنزير ،ولكن لم يوجد ما يحل محلها من الطاهرات في سرعة العلاج أو كفاءته، يجوز تصنيعها واستخدامها كذلك، كما أن الفقهاء اتفقوا في الجملة على تحريم التداوى بالنجس، مشيرة إلى أنه من المقرر شرعا أن الخنزير حرام أكله وتناوله وهذا يقتضى حرمة التداوى به، لكنها لفتت إلى انه يجوز التداوى واستخدام اللقاح المستخدم في مواجهة فيروس كورونا إذا تحولت فيه المادة المستخدمة من الخنزير فى تصنيعه إلى مادة أخرى.
ضوابط شرعية
يؤكد د. على منصور- أستاذ الدعوة والثقافة الإسلامية بكلية الدعوة بجامعة الأزهر بالقاهرة- أن الله تعالى حرَّم لحم الخنزير في قول الله تعالى: "إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ ۖ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ"، كما قال الله تعالى أمرا نبيه صلى الله عليه وسلم: "قُل لَّا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَىٰ طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ ۚ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ"، ومع أن الآيات الكريمات ركّزت على لحم الخنزير إلا أن العلماء ألحقوا الشحم وغيره من مكوّنات الخنزير باللحم فى الحرمة .
وشدد د. منصور، على أن كل هذا معلوم في الظروف الطبيعية، أما الظروف الاستثنائية الخطيرة التي يعيشها العالم كله والتي جعلت حياة كثير من الناس في خطر شديد فهي حالة ضرورة ولدينا قاعدة فقهية أصيلة تقول: "الضرورات تبيح المحظورات"، وبناء على ذلك يجوز استخدام هذا اللقاح للحفاظ على الأرواح ،وسلامة الناس من هذا المرض القاتل، ومتى توفر لقاح خال من المواد المحظورة شرعا وجب السعي في تحصيله والتداوى به وترك الأخر .
الحفاظ على الأرواح
توافقه الرأي د. أسماء فتحي- أستاذ الفقه المقارن بجامعة الأزهر بالقاهرة- قائلة: لقد حثَّ الشرع الحكيم على التداوي فقال النبى: "تداووا عباد الله ما جعل الله داء إلا جعل له دواء"، ويعتبر أخذ لقاح كورونا تداوى من المرض ،ولكن إن ثبت علميا احتواء اللقاح على جلاتين الخنزير وقد صرحت الكثير من وسائل الإعلام بذلك فقد أوضح العلماء المتخصصون أن جلاتين الخنزير يعالَج كيميائيا فيحدث له تغيّر كيميائي وهذا التغيّر يخرجه عن حقيقته وهو ما يسمى في الفقه الإسلامي بـ"الاستحالة"، لذا يمكن القول بجواز أخذ اللقاح.
وأوضحت د. أسماء، انه حتى إن لم يحدث لجلاتين الخنزير استحالة "أى يظل على حالته دون أن يتحول لمادة أخرى" ففي هذه الحالة يجوز أيضا التداوى به عملا بالقاعدة الفقهية التي تقول "الضرورات تبيح المحظورات" لأن الله عزَّ وجلَّ أباح الأكل من الميتة عند الاضطرار للحفاظ على الأنفس وذلك في قول الله تعالى: "فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ".
اترك تعليق