لم تكن تتوقع سماح، البالغة من العمر 24 عامًا أن تكون "فضفضة" الفيس بوك سبب طلاقها!
بداية الأمر بحسب روايتها، مشاجرة زوجية ناتجة عن الغيرة، كأي امرأة تحب زوجها وتطوَّر الأمر سريعًا وتراشق الزوجان بالألفاظ، وترك الزوج المنزل متجهًا إلى عمله تاركًا إياها في حيرة وحرقة وغضب شديد.
أمسكت سماح بهاتفها وراحت تتنقل بين صفحات الفيس بوك، إلى أن وجدت جروبا "للنساء فقط"، يتبادلن فيه خبراتهن العاطفية، فراحت سماح تقص إشكالها وزوجها على الفتيات، وما بين التحذيرات والنصائح والتطاول التي تنوعت بين "اتطلقي، سيبي البيت والعيال وروحي عند أهلك، اهجريه"، فوجئ الزوج المكلوم بأن أسرار بيته أصبحت حديث الساعة في منطقته، وسيرته وزوجته على كل الألسنة بعدما تداول بعض الجيران والأقارب صورًا لمنشور زوجته على الجروب، ما دفع الزوج إلى تطليق زوجته وتشريد أطفاله وخراب البيت!
لم تكن قصة سماح الأولى ولن تكون الأخيرة، إذ أصبحت جروبات البنات وسيلة سهلة لخراب البيوت.
استطلعت "عقيدتي" آراء المتخصصين حول ظاهرة إفشاء الأسرار الزوجية على مواقع التواصل الاجتماعي لمن هم غير أهل للثقة، فأكدوا جميعا أن هذا الفعل من المحرمات، كما أنه يتسبب في فجوة كبيرة في العلاقة الزوجية ويتسبب في تصدّع العلاقات الأسرية.
ومن الناحية الشرعية، أكد مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية، أن الفضفضة الإلكترونية من أكثر أسباب الطلاق، إذ يجد الزوج أصدقاءه يعرفون ما يدور بينه وزوجته، الأمر الذي يزيد من حدة الأزمة وتصاعدها بشكل كبير.
واستدل المرصد في حديثه على حديث النبيُّ ﷺ، حيث أسرَّ إلىٰ زوجته السيدة حفصة- رضي الله عنها- حديثًا، فلما أخبرت به عائشةَ- رضِيَ اللهُ عَنْهَا- وأطلعه اللهُ علىٰ إفشائها سرَّه، أعلم النبيُّ حفصةَ ببعض ما أخبَرت به، وأعرض عن إعلامها بعضه تكرُّمًا، فلما أخبرها بما أفشت من الحديث، قالت: مَن أخبركَ هذا؟ قال: «أخبرني به اللهُ العليمُ الخبيرُ، الذي لا تخفى عليه خافية».
وأشار المرصد إلى أن الله عزَّ وجلَّ حرَّم هذا الفعل من فوق سبع سموات، إذ قال تعالىٰ: {وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَىٰ بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ} [التحريم: 3]، وغضب رسولُ الله، وطلَّق السيدة حفصة، حتىٰ قال له جبريل عليه السلام: «إن الله يُقرئك السلام ويقول لك: راجع حفصة؛ فإنها صوَّامة قوَّامة، وهي زوجتك في الجنة». أخرجه الطبراني في الأوسط.
أمر واجب
وأوضح المرصد أن حفظ أسرار الحياة الزوجية أمر واجب على الزوجين، ولم يختص الله الزوجة بمفردها بهذا الشأن، إلا أن الله أثنى على النساء الصالحات وخصَّهن بقوله تعالى: "فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ".
قنبلة موقوتة
جروبات البنات على وسائل التواصل الاجتماعي قنبلة موقوتة تضرب القيم الأسرية وتنخر في أساسها، بهذه الكلمات بدأت د. سارة عثمان- أستاذة علم الاجتماع والمتخصصة في العلاقات الأسرية- حديثها عن هذه الظاهرة، مؤكدة أن مثل هذه الصفحات تميل أكثر إلى خراب البيوت، حيث يتضمن محتواها موادا تجعل البنت أكثر تمرّدًا على الحياة الزوجية، وتحوّل النعم إلى نقم، ودائمًا ما يتحدثن بصيغة العناد والندّيّة، الأمر الذي نهانا عنه الدين الإسلامي الحنيف.
تضيف: مانحات النصيحة ليس لديهن خبرات كافية تؤهلهن لتوجيه أخريات، وليس منهن من هى على قدرٍ كافٍ من العلم والثقافة التي تجعلهن يعطين إرشادات أسرية قد تقلب البيت رأسًا على عقب.
وأشارت إلى أن الواقع الافتراضي لا يقدم حلولًا جذرية لحل المشاكل الاجتماعية والزوجية، إذ يفقد الطرفان الثقة في أنفسهما وفي الطرف الآخر بمجرد معرفة أن أسرار بيته مفشاة وخصوصيته مخترَقة.
مصدر الطاقة السلبية
وأكدت د. سارة أن هذه الجروبات تزرع داخل نفوس الفتيات ثقافة الانتقام والوعيد بسبب أو بدون، وتقتل تدريجيًا التعاملات الإنسانية والاجتماعية، وأصبحت ملقفا للطاقة السلبية وتفريغا للخبرات السيئة فقط.
وتابعت: أجريت بعض الدراسات والإحصائيات على هذه الجروبات والمتأثرات بها، وكانت النتيجة هي تصدع العلاقات الزوجية وتوتر العلاقات بين المخطوبين، وزيادة معدلات الطلاق بشكل مبالغ فيه، وعزوف الكثير من الفتيات والشباب عن الزواج خوفًا من التجارب "الوهمية" التي تغزو هذه المواقع، ومعظمها مفبرك لجذب القراء والمشاركات ومن ثم تحقيق الأموال من وراء هؤلاء المغيبين.
وطالبت د. سارة المتزوجين من الجنسين، حال حدوث خلاف عميق بينهما اللجوء إلى المتخصصين في العلاقات الأسرية، حتى يكون حياديًا في التعامل مع الأزمة وحلها بالشكل الذي يتماشى مع ثقافة الزوجين، وألا يلجأوا إلى مثل هذه المواقع والصفحات التي تسببت في زيادة معدلات الطلاق والتفسخ الأسري
اترك تعليق