"كذب المُنجّمون ولو صَدَفوا"

الاطلاع على الأبراج للترفيه والتسلية. وعلم الغيب صفة ألوهية
علم الأبراج
علم الأبراج

مع نهاية كل عام، يلمع نجم خبراء الفلك والأبراج، وتتوارد توقّعات العام الجديد، متأرجحة في مدّ وجزر، بين من ينذر بخطر لا محالة، وآخر يزرع في النفوس الطمأنينة والأمل والسعادة، وآخرين يمسكون العصا من منتصفها، ويلجأ بعض المهوسين بمعرفة "حظك اليوم"، إلى البحث عما سيعيشه خلال العام، والبعض منهم يرتّب أوضاع حياته على مثل هذه التوقّعات، بل يربطون كافة الأحداث بما قاله خبير الأبراج قبل بداية العام!


جاء 2020، ليثبت كذب وافتراء هؤلاء المدّعين، وأصبحوا يخرجون إلينا حاملين معهم الخرافات المعتادة التي اخترقت البيوت وأصبحت تهدّد عقول الشباب، وباتت تستقطب الناس على اختلاف مذاهبهم واعتقاداتهم وتفاوت ثقافاتهم، حاملة معها أفكارًا ومعتقدات طالما حاربها ديننا الحنيف.

استطلعت «عقيدتي»، آراء المتخصصين من الأزهر وعلماء النفس وخبراء الأبراج، الذين أكدوا أن العامل النفسي والتكوينات الشخصية هي التي تؤثّر- سواء سلبًا أو إيجابًا- على حياة الشخص المستقبلية.

تعقيبًا على ما ورد قالت د. أميرة الفيشاوي- أستاذ علم النفس السلوكي-: ظاهرة قراءة المستقبل، ليست بجديدة على الشعوب العربية بشكل خاص، بل تنوعت أشكالها ما بين ضرب الودع وقراءة الفنجان والكف، ثم تطور الأمر إلى أن وصلت لاستطلاع الأبراج وعلوم الفلك.

طبيعة بشرية

أضافت: الطبيعة البشرية بشكل عام يسيطر عليها أفكار الخوف من الموت، ودائمًا ما يتطلعون لأفكار الحياة ما بعد الموت، الأمر الذي يكون له أذرع عدة: منها الخوف من المستقبل والقلق الذي قد يصيب الإنسان بالأمراض النفسية، إذ يلجأ الكثيرون إلى محاولة فك ألغاز ما سوف يحدث غدًا، والبعض منهم يطلقون على أنفسهم انهم أصحاب الحاسّة السادسة التي تؤهّلهم لمعرفة ما يُخبّئه الزمن.

وأشارت أميرة الفيشاوي إلى أن الأساليب التي يلجأ إليها المنجّمون تلعب على وتر الاحتياجات النفسية وخوف الإنسان من المستقبل، فتارة يلعبون على موضوعات إنسانية حسّاسة، وتارة أخرى يؤكدون موت فلان أو مرض علان، ومنهم من يستخدم وتر الحاجة إلى المال ليخبر صاحب النبوءة بتحقيق أموال طائلة.

وأكدت أن علم الغيب صفة ألوهية غير خاضعة للقانون العلمي الذي يتكوّن من أسباب ملموسة ونتائج قابلة للاختبار ومن ثم يأتي القرار بالتصديق أو بالنفي، لذا قد يدخل الكثير من أصحاب الثقافات المتعدّدة هذه الدوامة على أمل قراءة الغيب ومعرفة مصيرهم الذي ينتظرهم في المستقبل، والكثير من المهووسين بقراءة الأبراج يبرّمجون حياتهم على تنبؤات العرّافين وتنجيمهم، حيث يستخدمون خوف الإنسان ورغبته المُلحَّة في معرفة المستقبل.

وأشارت إلى أن الإعلام عليه دور كبير في انتشار هذه الظاهرة، وعليه دور أكبر في تغييب وعي المواطنين، عندما يتعمّدون استضافة هؤلاء في برامجهم للحديث عن تنبؤات العام الجديد وسط حالة من الفانتازيا لتحقيق نسبة مشاهدات عالية ومن ثمّ تحقيق أموال على حساب تفريغ عقول الشباب، والظروف الاقتصادية وما تمر به الشعوب العربية خاصة بعد انتشار جائحة كورونا بالإضافة إلى الظروف الاجتماعية السيئة تعزّز انتشار الظاهرة.

وطالبت أميرة الفيشاوي، أبناء الشعب المصري بعدم الانصياع لهذه الأقاويل التي لم يثبت صحتها علميًا، وحثَّت كافة أطياف المجتمع على مواصلة العمل ووضع خطط حقيقية يمكن من خلالها تحقيق الأحلام التي يتمنّوها من العرافيين.

مُحرَّم دينيا

ومن جانبها أكدت دار الإفتاء المصرية، أن تلك التوقعات ما هي إلا خرافات وتعدّ من المحرّمات في الإسلام، وأضافت الإفتاء، في بيان رسمي لها، أن مقولة «كذب المنجمون ولو صدقوا»، التي نُسبت للرسول صلى الله عليه وسلم، ليست حديثًا نبويًا وإن كان معناها صحيحا.

فقال خالد عمران- أمين الفتوى بدار الإفتاء-: إن المنجم يدّعي علم الغيب ومعرفة ما سيجرى في المستقبل، وهذه الصفة اختص بها الله ذاته، وحال تحقق نبوءة أحد العرافين فهذا لا يثبت صحة حديثه أو علمه بالغيب، بل يعتبر كاذبا في الادعاء بالعلم والمعرفة.

ولفت إلى أن المنجِّم قد يلجأ إلى استراق السمع من السماء مستخدمًا الشياطين التي بإمكانها مزج الأكاذيب بالحقائق، مستدلًا بحديث السيدة عائشة- رضى الله عنها- حين قالت: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ الْكُهَّانَ كَانُوا يُحَدِّثُونَنَا بِالشَّيْءِ فَنَجِدُهُ حَقًّا، قَالَ: «تِلْكَ الْكَلِمَةُ الْحَقُّ، يَخْطَفُهَا الْجِنِّيُّ، فَيَقْذِفُهَا فِي أُذُنِ وَلِيِّهِ، وَيَزِيدُ فِيهَا مِائَةَ كَذْبَةٍ» متفق عليه.

وأكد عمران، أن هناك لغطا دائرا حول مقولة "كذب المنجِّمون ولو صَدَقوا"، والأصح هنا قول "لو صدفوا"، أي تحققت نبوءتهم بمحض الصدفة.

وقال: إن الله ورسوله حرّم مثل هذه التنبؤات، مستدلًا بالحديث الشريف عن النبي قال: "من أتى عرَّافاً فسأله عن شئ لم تُقبل له صلاة أربعين يوماً".

وقول الله عزَّ وجلَّ "قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ ۚ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ".

واستدل أمين الفتوى، بقول الله "وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ"، وقوله "إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ".

ودعا عمران، إلى تجنّب الوقوع في براثن الإثم والبدع، محذّرًا من إنفاق الأموال على هذه الافتراءات والدجل، وأن يؤمن الناس بقول الله "قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا ۚ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ".

علم الفلك

وفي سياق متصل، يوضح علاء منصور- خبير الأبراج- أن علم الفلك من العلوم المتشعبة الواسعة، ولا أحد يقدر على نكرانها، لافتًا إلى أننا لا نتطلع على الغيب أو نتنبأ بالمستقبل ومجرياته، كل ما في الأمر هو البحث عن الصفات الشخصية لكل برج بحسب شهر ميلاده عن طريق حركة الكواكب.

أضاف: بعض الناس يقرأون "حظَّك اليوم"، من باب التسلية والترفيه، والبعض الآخر يؤمن بها ويصدّقها بل تسيطر على حياته، وهذا الأمر مرفوض تمامًا، فكل إنسان معرّض لحدوث الأشياء الإيجابية والنجاحات كما يكون معرَّضا للإخفاقات والحزن مثل كافة الكائنات الحية.

ونحن لا ندّعي العلم بالغيب- حاشا لله- لكن عالم الفلك الجليل عمر الخيام، استطاع أن يضع تقويما جديدا يربط حركة الشمس بالأبراج، وأطلق عليه اسم "النتيجة الجلالية"، ولا تزال تعتمده الكثير من الدول العربية الإسلامية مثل السعودية وإيران وأفغانستان.





تابع بوابة الجمهورية اون لاين علي

تابع بوابة الجمهورية اون لاين علي جوجل نيوز جوجل نيوز

يمكنك مشاركة الخبر علي صفحات التواصل

اترك تعليق