المناهج الأزهرية قاصرة وتحتاج لزيادة الجرعة التنويرية
كشف الدكتور صلاح فضل ـ رئيس مجمع اللغة العربية الجديد عن وجود قانون لحماية اللغة العربية سيتم طرحه على مجلس النواب خلال دورته الجديدة ، موضحا بأن القانون سيكون ملزما بإنذار أى صحيفة تقوم بكتابة مانشيت باللغة العامية ، ومنع لافتات المحلات باللغات الأجنبية . وفي تصريحات مثيرة للجدل أنكر د. فضل في حواره لـ«عقيدتي» علاقة الإسلام بالزي، مشيرا إلى أن تغطية الشعر ليست فريضة وأن فتاوى الحجاب لها طابع سياسى واجتماعى لا علاقة بالدين.. مشددا على أن الحجاب والفصل بين الجنسين فى المدارس هما أحد الأسباب الحقيقية للتحرش ووفقا لما جاء- من وجهة نظره - فى الأبحاث الاجتماعية.
واستنكر رئيس مجمع اللغة العربية أن يكون هناك شئ اسمه ثوابت ، قائلا : كل شيء قابل للتفسير والتأويل ولوجهات النظر، فمثلا ما هو أثبت الثوابت هو القرآن الكريم، فله أكثر من تفسير .
وانتقد د. صلاح فضل التعليم الأزهرى مؤكدا أنه أدى إلى انقسام فى الشخصية وانشطار فى العقل المصرى ، واصفا المناهج الأزهرية بخلوها من الجرعة التنويرية . . مطالبا بإدماج المعاهد الأزهرية بالتعليم الأساسى على أن يكون التخصص بعد الثانوية العامة سواء فى العلوم المدنية أو الدينية .. أما الكليات الدينية – من وجهة نظره - فيدخلها متوسطى التفكير وهنا يخرج رجل ليس بالكفاءة على القدر المأمول ، لأنه من يذهب إلى الكليات الطبية والعلمية هم الفئة الأعلى أما الكليات الدينية يدخلها متوسطى التفكير وهنا يخرج رجل ليس بالكفاءة على القدر المأمول!!.
وأكد د. فضل أن مئات الآلاف الذين يتعلمون تعليم دينى فقط تكون رؤيتهم للأشياء قاصرة جدا ومحدودة جدا، وتفكيرهم غير علمى .. مشددا على أنهم يظنون أنهم يمتلكون الحقيقة وغيرهم لا يعرفون شيئا، وهذا جهل لأن الشعور بإمتلاك الحقيقة الذى يملأ رجال الدين والمتاجرين بهم هو أكبر ذنوبهم ويعميهم وهو الذى يجعلهم متعصبين . . وفيما يلى نص الحوار :
> بداية وبمناسبة اليوم العالمى للغة العربية .. كيف ترى حال اللغة العربية الآن؟
>> درج الناس عادة على أن يطمحون إلى أبعد مما هو متحقق فى الواقع، لكن أنا بطبيعتى لست متشائما لكن عندما ألقى نظرة فاحصة على المراحل التاريخية السابقة، وأقارنها بالمرحلة الحالية التى نحيا فيها أجد أن الإزدهار الحضارى الإنسانى وليس العربى فحسب أتاح للبشرية أن تمر بدرجة من التطورودرجة من الرقى والتواصل المعرفى والتقدم العلمى لم تكن متوفرة فى أى عصر سابق، ولذلك إذا جئنا إلى اللغة العربية، وعندما ألقى نظرة إلى ما كان يحدث فى مصر منذ قرن واحد من الزمان، سنجد أنه لم يكن يتعلم العربية إلا مجموعة من الشباب والصبية الذين يقرأون القرآن الكريم فى الكتاتيب، وكانت المدارس قليلة جدا حينئذ ، أما الآن فلدينا أكثر من 50 جامعة وفى كل جامعة قسم للغة العربية أو قسمان وآلاف الأساتذة وآلاف من الطلاب يدرسون العربية.. صحيح أنهم لا يتقنونها بالقدر الذى نتمناه، فنجدهم يخطئون قليلا.. لدينا وسائل إعلام أكثر بكثير مما كان فى الصحف القليلة، لدينا أيضا محطات تليفزيون ومنصات رقمية، ولدينا من المشتغلين باللغة العربية على الأقل 100 ضعف منذ قرن، .. هذه الكثرة الكمية تفرز جودتها النوعية والكيفية.
> لكن ليس فيهم طه حسين أو نابغة من النوابغ العصور السابقة؟
>> لا .. النوابغ القدامى كانوا أفرادا قليلين، هؤلاء النوابغ مرهونون بالقحط وظروف العصر الذى تعانيه الحياة فى فترة معينة، عندما تبرز شجرة تصبح كأنها واحة وبستان، لكن عندنا تكثر الأشجار ويكثر النوابغ فلا يبرز أحدهم وقامته عالية ويراها الناس من كل الاتجاهات لأن غيره يظلل عليه، فلدينا بلا شك نوابغ كثيرين.
مركب نقص
> لكن الشباب لا يقبلون على اللغة العربية مثل اقبالهم على غيرها من اللغات الأجنبية .. فما رأيكم فى ذلك؟
>> الشباب لا يقبلون عليها لأنها لا تهيئ لهم فرص العمل التى تهيؤها اللغة الأجنبية وهذا شئ يمكن أن نتفاداه، بأن نجعل شبابنا يحبون اللغة العربية ويعشقونها، وكيف يكون تقيمهم للعمل مرتبطا بتحديد مستواهم فى اللغتين العربية والإنجليزية، فأنا لا أريد أن ينصرفوا عن تعلم اللغة الأجنبية، لأن هذا بالتأكيد يفتح لهم باب التواصل على العالم، لكن هذا لا يصرفهم عن إتقان اللغة العربية، وخاصة وأن إتقان لغتهم هو الذى يساعدهم، على إتقان اللغات الأخرى.
> خرجت دعوات عديدة من المبادرات للاهتمام باللغة العربية بمناسبة الاحتفال بيومها العالمى مثل " اتكلم عربي" والتخلص مما يسمى ب " لغة الفرانكوأراب " .. فكيف تابعتم هذه المبادرات ؟
>> أعتقد أنها حملات جيدة ، وكانت فى بدايتها " اتكلم مصري" ، لكنهم صححوها لأننا لا نتكلم نحن اللغة المصرية القديمة، لكننا نتكلم اللغة العربية باللهجة المصرية، أيا كانت اللهجة، لأننى لست من أنصار توسيع الفجوة بين اللغة ولهجاتها، وهذا أشبه بعمل قطيعة بين الأم وبناتها، لأن اللهجات هى بنات الأم اللغة الفصحى البسيطة، ولحسن الحظ أن هذه اللغة متجددة الشباب وليست عجوزة وفى سن بناتها أيضا وتجدد كتابها ومبدعيها ومفكريها ومثقفيها، ولو درسنا اللهجة العامية المصرية سنجد على الأقل أن 80% منها ذات أصول عربية، ثم ابتلعت عناصر من اللغات المصرية القديمة واللغة القبطية واليونانية والتركية ولغات البحرالأبيض المتوسط، وهضمتها وعربتها ووظفتها.
بين العامية والفصحى
> لكن الغالبية تستخدم اللغة العامية .. فما رأيك فى ذلك؟
>> اللغة العامية ليست شرا، ويخطئ من يعتقد أننا ينبغى أن نقضى عليها، لأنها لغة الحياة والحديث، نأكل وننام ونحب ونتألم بها، ولا نستطيع أن نعيش بدونها وهى دائما ملازمة لنا، لكن ما نطمح إليه كمتخصصين فى اللغة العربية ، أن نقرب بينها وبين اللغة العربية، فهناك مستويات للغة العامية، عامية راقية، وعامية مبتذلة، وكلما ابتعدنا عن هذا المستوى المبتذل من اللغة، كلما كان هذا أفضل، وهناك مستويان من اللغة العربية كلغة معاصرة بسيطة وميسورة التى نقرأ بها الصحف ونسمع بها الإذاعات ونتعامل بها فى مواقفنا الرسمية، والفصحى القديمة التى لا نفهم الكثير من مفرادتها التى تجاوزها الزمن، بالطبع هذا شأن المتخصصين ، لكن المتطورة هى التى ينبغى تعميمها وهى سهلة ويسيرة جدا، وكتاباتنا لابد أن تقتصر عليها، لأن اللغة العامية تكون للنطق والحوار وليست للكتابة، وهذا التوزيع البسيط جدا " اكتب بالعربية الفصحى، وتكلم كما شئت فى حياتك العادية بلغتك العامية، وهذا هو قانون الحياة .
> ذكرت الكتاتيب القديمة .. فكيف ترى الفرق بينها وبين الكتاتيب العصرية الآن؟
>> التعلق بالأشكال القديمة كنوع من النوستالجيا والحنين، لا مبرر له والكتاتيب كانت متواضعة جدا وسيئة للغاية، وكان الفقيه أو شيخ الكتاب يتعامل مع تلاميذه بكثير من القسوة والعنف فى بعض الأحيان، وهذا لا يمكن مقارنته بالوسائل التربوية الحديثة فى المدارس، أما حفظ القرآن الكريم فيمكن أن يتم فى المدارس، لقد كانت مهمة هذه الكتاتيب محو الأمية وتحفيظ شيئا من القرآن لكن لم يكن لها صلة بالعلوم الحديثة على الإطلاق ولا التفكير العلمي، وكان تعليم منقوص وقديم وتجاوزه الزمن مع أننى تعلمت فيه.
> لكن الكتاتيب خرجت عمالقة فى زمانهم.. فهل ننكر ذلك؟
>> لا ننكر ولكنها أيضا وأدت آخرين كانوا سيصبحون عمالقة، وأنا أنظر إلى من نجى منهم، لكن ما ضيعته هذه الكتاتيب مائة ضعف من تخرجوا منها، والمدارس بالتأكيد أنضف وأكثر تربويا وأعون على خلق الشخصية الناضجة والفكر المستقيم والنظرة العلمية والوعى بالحياة، وليس هناك مقارنة بين الكتاتيب والمدارس الحالية، ومن يقول هذا إما انه لم يرى الكتاتيب أو يحن إلى شئ من الماضى الذى انقضى عصره، وكان للكتاتيب مساوئ أكثر من محاسنها، ومن لم يدرك التطور المعرفى والتربوى فى أنظمة المدارس الحديثة فهو جاهل.
> باعتبارك رئيسا لمجمع اللغة العربية .. كيف احتفل المجمع هذا العام باليوم العالمى للغة ؟
>> المجمع كان يقيم كل عام احتفالا حاشدا، ولكن نظرا لظروف كورونا قررنا إرجاء الاحتفال باللغة العربية إلى أن تزول هذه الغمة، ونحتفل بها الآن بالوسائل الإلكترونية والتواصل الإجتماعي، وقد شاركت فى العديد من وسائل الإعلام ، وزملائى فعلوا ذلك تفاديا للاحتشاد والزحام وأخذا بالإجراءات الاحترازية.
أمر وانتهى
> بذكر رئاسة المجمع.. توليك للمنصب آثار جدلا فكيف تابعت ذلك؟
>> كان فى وقتها وانتهى الأمر
> اتهمت البعض بأخونة المجمع؟
>> لا داعى لمثل ذلك الآن، لكن كان هناك داعى للتغيير وحدث التغيير وهذا يكفي، وكان ماضيا وعفا الله عما سلف ، وأنا الآن اتعاون معهم وأقدرهم واحترمهم كما كنت دائما ، لكن المجمع لابد أن يمارس شيئا من النقد الذاتى ولابد أن يصلح مساره وقد حدث هذا الأمر.
> وما هى رؤيتك لهيكلة المجمع والمشروعات التى سيتبناها خلال الفترة المقبلة؟
>> لدى مشروعات كثيرة جدا، لكن لن أطرحها الآن قبل أن أُقنع بها زملائي، عندما يوافقون عليها سأتحدث عنها، وهذه سياستى ألا أعمل بمفردى وسيكون العمل جماعيا داخل المجمع وفى ذهنى مشروعات كثيرة لتطوير المجمع لكننى لن أضع أى مشروع موضع التنفيذ إلا إذا حاز بقبول ورضى كل زملائى من الأعضاء، وسأحاول اقناعهم بجدوى تلك المشروعات لأننى ليس لدى أى مصلحة شخصية، وأعمل على المصلحة العامة، فلا أظن أن يعارض الغالبية العامة على هذه المصلحة.
> لكن العامة من الناس لم يلمسوا دور المجمع .. فكيف تصلون إليهم؟
>> بالطبع لأن المجمع مؤسسة علمية، ولا يصل إليهم ذلك بطريقة مباشرة، لكن يصل إليهم بطرق غير مباشرة، فعادة مراكز البحث العلمي، ليست مهمتها أن تجوب الشوارع وتخاطب العوام لكن مهمتها أن يصل إليهم التأثير بوسائط متعددة، فمثلا المشتغلين باللغة العربية والمتخصصين فيها عندما يجدون قواميس ومعاجم كافية إلكترونية وورقية ويجدون حاجتهم التى يستشعرون أنها ضرورية، فيطلعون عليها وبعضهم يعمل بالتدريس فيدرس اللغة العربية بلغة أفضل، وبعضهم يعمل بالإعلام، وكذلك المشتغلون بالعلوم الإنسانية عندما يجدون أن مصطلحات هذه العلوم قد نقلت إليهم ما يسهل عليهم عمليات البحث والإطلاع، فخدماتنا ليست موجهه للشارع، ولا رجل الشارع لكنها تصل إليه عن طريق الوسائط التى تخاطبه، التعليمية والإعلامية والثقافية والدينية.
قانون للحماية
> تقدمتم بقانون لحماية اللغة العربية فما هو مصيره الآن؟
>> القانون فى مجلس النواب، يحتاج أن يخرج للنور، لأننا بحاجة إلى تشريعات لحماية اللغة العربية وسنعيد تقديمه أمام مجلس النواب القادم، بعد أن أراجعه لأتبين إذا كان هناك صعوبات لعدم تقديمه، ولكى يكون أكثر جدارة بالتقبل والتنفيذ.
> وكيف تكون حماية اللغة العربية؟
>> عندما أجد صحيفة تكتب مانشيت بالعامية، فهذا خطأ وسيكون القانون ملزم بأن يوجه المجمع إنذارا للوزير المختص، ومن يملك سلطة تنبيه الصحيفة هو المجلس الأعلى للإعلام ووزير الإعلام مثلا ، فسيكون على المجلس الأعلى للإعلام أن ينذر الصحيفة، وكذلك اللافتات الخاصة بالمحلات مكتوبة بلغة أجنبية، فهذا عدوان على اللغة العربية، فيجب أن تكون تلك اللافتات باللغة العربية وإذا كان هناك لغة أخرى يتم كتابتها فى أسفل اللغة الأجنبية، ففى العالم كله يحترمون لغتهم الأم ويقدمونها على كل شيء، فهل نحن أقل منهم احتراما لأنفسنا ولغتنا؟ .. وهناك أشياء كثيرة لحماية اللغة العربية.
> وكيف ترى عملية تجديد الخطاب الدينى ودعوات التنوير؟
>> كان الإخوان من أشد المعوقين له، فالإخوان والسلفيين أعلنوا حربهم على التربويين كلهم وكفروهم ولازالوا يكفرونهم ، فهم يعوقون حركة التطور الفكرى والنهضة المصرية والعربية ويستغلون الشعور الدينى الطيب لدى الناس لكى يضلونهم ويجعلونهم متعصبين أمثالهم وهذا سيستغرق وقتاً طويل للتخلص منه لأن المصريين بطبيعتهم يتسمون بالتسامح والقدرة على التعايش والمحبة فيما بينهم وقيمة المواطنة لديهم قيمة عظيمة جدا، لكن أصحاب الإسلام السياسى أكثر الناس الذين أشعلوا الفتن الطائفية من أجل السلطة.
ثوابت الدين
> البعض يرى أن هناك نوعا من النقد الهدام .. هذا النوع يريد اللعب فى الثوابت الدينية، .. فما ردكم على ذلك؟
>> لا يوجد شئ اسمه ثوابت كل شيء قابل للتفسير والتأويل ولوجهات النظر، فمثلا ما هو أثبت الثوابت هو القرآن الكريم، فله أكثر من تفسير، فالنحويون يفهمونه بطريقة، الفقهاء يفهمونه بطريقة، والفلاسفة يفهمونه بطريقة، المتصوفون يفهمونه بطريقة، والأدباء والتربويون يفهمونه بطريقة، والعوام لا يفهمونه بأى طريقة .. فهناك ألف تفسير للقرآن.
> إذا أين تكون نقطة التلاقي؟
>> نقطة التلاقى تكمن فى النص، لكن النص هو نفسه لا ينطق، فنحن نقرأه وكل منا على قدر فهمه ووعيه وعمقه يأخذ من النص ما يشاء، والقدماء نفسهم قالوا " خذ من القرآن ما تشاء لما تشاء، فأن أقول أنا أديب مثلا وأقول ليس من حق رجل الفقه أن يقرأوه بطريقة فقهية فهذا خطأ، لماذا تصادر على غيرك، فلهم لا يهدمونه لكنهم يرونه بطريقة مختلفة عني.
> لكن هناك أصحاب هوى يفسرون القرآن حسب أهوائهم، وهذا ما يعترض عليه علماء الدين .. كيف ترى ذلك؟
>> ما يخالفهم يقولون عنهم أنهم أصحاب هوى وهذه نزعة امتلاك الحقيقة، فالعيب الجهورى فى المتعصبين الدينيين، أمران.. الأمر الأول أنهم يظنون أن الله وهبهم سلطة ليتحدثوا باسمه ومن يخالفهم فهو يخالف الله وهذا عيب فادح ونقص خطير .. والأمر الثانى أنهم يظنون أنهم يمتلكون الحقيقة وغيرهم لا يعرفون شيئا، وهذا جهل لأن الشعور بإمتلاك الحقيقة الذى يملأ رجال الدين والمتاجرين بهم هو أكبر ذنوبهم ويعميهم وهو الذى يجعلهم متعصبين لكن لو انفحتوا وتقبلوا الرأى الآخر وحاولوا فهمه سوف يتخلون عن هذا، وهو جهل بالتراث الذى يقدسونه، لأن التراث العربى مليئ بمختلف التوجهات فهناك أكثر من تفسير للقرآن ولا يوجد تفسير يلغى الاخر.
> قلت فى بعض كتاباتك أن طه حسين كان من المجددين ودعاة التنوير.. لماذا؟
>> طبعا .. لأنه أعاد النظر فى التاريخ الإسلامى ويسره للناس، ومدرسة لطفى السيد، وطه حسين وعباس العقاد والآدباء والمثقفين وعلماء الاجتماع وعلماء الاقتصاد والسياسية وكل الحركة العلمية تضخ دماء جديدة فى شرايين الحياة العقلية المصرية، أما أن نصمم أننا لابد أن نقف عند العصور والوسطى وابن تيمية ونجعله إلها فهذا جهل وغباء وتعصب.
> وكيف ترى المستوى الثقافى فى مصر؟
>> نحن بحاجة إلى رفع المستوى الثقافى لدى الشعب، فنحن لدينا مشكلة مثلا كالانفجار السكاني، هى مشكلة عقلية وثقافية بالدرجة الأولى نتيجة لضعف بعض القائمين على الخطاب الدينى وتقديم أن تنظيم النسل حرام، ويشيعون لدى العامة هذا، فالسيدات المتعلمات هن الوحيدات القادرات على تنظيم النسل، فرفع مستوى المرأة التعليمى ورفع الخطاب الدينى هما الوسيلتان لرفع صراع الأرانب الذى نحن فيه الآن، وهى بديهية.
> وماذا عن قضايا التنوير ؟
>> فيما يتصل بقضية التنوير يشيع بين الدول العربية والمصرية أن حركة التنوير انتكست وارتدت وهذا غير صحيح .. فى تقديرى أنه كل فترة تتضح العوائق لم تكن منظورة فى الفترة السابق، فالتنوير كان بادئا بطريقة متصاعدة، لأنه كانت هناك قوى ضاغطة على قوى الإسلام السياسي، فالسياسة تلعب دورا خطيرا فى ذلك فعندما جاء الرئيس السادات أطلق قوى الاسلام السياسى وأخرج الاخوان من السجون واستعان بهم ضد الناصريين واليساريين وبدأوا ينتشرون وبدأت انتكاسة فى حركة التنوير المصرية، وأبعد عدد من المثقفين عن مناصبهم، وكانت حادثة المنصة هى ذروة هذه الأزمة بين الفكر السياسى وحركة التنوير المصرية، وجاء مبارك وأخرج الاخوان من السجون وعمل على حالة من الصلح، وكانت مرحلة توافقية، فترك جماعات الاسلام السياسى تتغلغل فى طبقات الشعب تقيم المصحات والمدارس والجمعيات وتساعد الطلبة فى الجامعات وأن تعمل على اختطاف القاعدة الشعبية، وعندما حدثت ثورة يناير عام 2011 وتكشفت فى أول انتخابات ديمقراطية بفوز هذا التيار بنسبة 70 % وهذا لم نكن نتوقعه على الإطلاق وكنا نظن أن الاسلام السياسى أقصى ما سيصل إليه 25 % ، أما أن يصل إلى هذه النسبة ويسيطر على البرلمان والانتخابات الرئاسية، فكانت كارثة وكان العام الأسود الذى لولا 30 يونيه ووقوف الجيش المصري، لما كنا تخلصنا من هذا الإرهاب، إذا حركة التنوير مرتبطة بالمثقفين والحركة الاجتماعية والسياسية، لأنهم لا يعملون فى الفراغ وإنما يعملون فى المجتمع ويطلق لهم الحركة للتأثير فى المجتمع، فعندما جاء الإخوان المسلمين فماذا كانوا يريدون أن يفعلوا، شنوا حمله على الفنون والآداب، وتحرر المرأة حتى فى ممارسة وظائفها وأخذوا على سن قوانين تجبر المرأة على المكوث فى منزلها ، وأن تعطى نصف راتبها، هذه انتكاسات خطيرة فى حركة التنوير وفى المجتمع.
نكسة الحجاب
> ولماذا قلت إن الحجاب نكسة للتنوير؟
>> طبعا الإسلام لا علاقة له بالزى على الإطلاق والفتاوى التى صدرت والتى تظل السلطات الدينية مصممة عليها حتى الآن هى فتاوى ذات طابع سياسى واجتماعى لأنه لا علاقة للدين بذلك، وكل الحجج التى استخدمها الاخوان المسلمين وأنصار الحركة الوهابية، هى التى أدت إلى نكسة حركة تحرير المرأة فى مصر والعالم العربي، مازلنا نعانى منها حتى الآن، فأنا لست مفتيا ولا رجل دين، لكن رأيى فى الحجاب من الوجه الثقافية، إنما لا شأن لى لكى أصدر فتوى، لكن المسألة فى عشرينيات القرن الماضي، عندما قامت حركة تحرير المرأة بقيادة هدى شعراوى وأصدر كتبه قاسم أمين، وأيده مفتى مصر رأس حركة التنوير الامام محمد عبده، وانتهوا إلى الارتياح إلى السفور، وصدرت صحف ومجلات باسم السفور، فهل نحن الآن أكثر فهما للدين منهم؟ .. بالطبع لا هم اجتهدوا ووجدوا أن أشكال الملابس العثمانية للمرأة بأنها ليست من الدين فى شئ وأن تغطية الشعر ليست فريضة.
الحجاب والتحرش
> لكن الحجاب فريضة.. فكيف تقول إنه ليس فريضة؟
>> هم يقولون إنه فريضة ولكنه ليس فريضة، وأنا اعرف فرائض الإسلام، بنى الإسلام على خمس، منها ستر شعر المرأة لا طبعا، لكن الملبس توائم مع المناخ والحياة والتقاليد المجتمعية، وتطورت فى المجتمع المصرى وقادتها حركة التنوير مصطفى كامل والشيخ محمد عبده وهدى شعراوي، فهل كبار علماء الدين من سنة 1920 إلى 1980، خلال ستين عاما هل نسوا القرآن الكريم هل أهملوا الأحاديث النبوية؟، هل خرجوا من الدين، عندما سمحوا لزوجاتهم وبناتهم بالسفور؟، إطلاقا كانوا يجددون فى الفكر الدينى ويستندون إلى حركة التطور، فالمستوى الأخلاقى كان أرفع مما كان عليه الآن، لأن من نتائج الحجاب التحرش، ومن نتائج فصل الرجال عن النساء فى المعاهد الأزهرية، التحرش.
> معنى كلامك أن الحجاب هو سبب للتحرش؟
>> نعم هو أحد الأسباب الحقيقية للتحرش وهذا جاء فى الأبحاث الاجتماعية، كما أن الفصل بين الجنسين، فعندما توضع فى مدرسة مستقلة كل منهم، فغريزته وبشكل عدوانه ستجعله يتحرش بالفتاة، فما فعلته حركة التنوير لم تكن خلال 60 عاما لم تكن خروجا على الدين، لأن جسد المرأة ليس مشكلة بل المشكلة عقلها وصلابة الدين ليست فى المظهر لأن مشكلة هؤلاء أن المظهر هو كل شئ، بل فى العفة واحترام شخصية المرأة وعدم خروجها على الأعراف الأخلاقية، واعتبار كشف شعر المرأة خروج على الأعراف الأخلاقية جهل، وأوهمونا أن المظهر كل شيء فى الدين، فنجد أن الرجل يطلق لحيته ويلبس قصيرا لكى يكون سلفيا ويغش ويكذب ويتزوج عشرة، دون أن يطعن فى دينه، وكذلك المرأة يجبرونها على أن تغطى شعرها ووجها، كنوع من التدين، فليس هناك واحدة من أمهات المؤمنين غطت وجهها على الإطلاق .
> لكن أمهات المؤمنين استخدموا غطاء الرأس؟
>> لأن التقاليد حينها كانت تلزم المرأة والرجل بغطاء الرأس، وحتى الآن الرجل الخليجى يغطى رأسه لأنه لم تكن هناك أجهزة تكييف وإنما كان الحر الشديد والأتربة، والمحافظة على الشعر مسألة مهمة بالنسبة للأحرار، أما الإيماء كانا يكشفن شعرهن فى صدر الإسلام، فعمر قابل جارية تغطى شعرها، فصربها بالعصا وقال لها أتتشبهين بالحرائر يا لكاعي، لأن القاعدة الاجتماعية، أن الحرة هى التى تغطى شعرها حفاظا على جمالها.
التعليم الأزهري
> كنت أزهريا .. فما هى رؤيتك للتعليم الأزهري؟
>> نعم حتى الثانوية؟؟ فالتعليم الأزهرى كارثة، زمان كان لدينا 5 معاهد أزهرية أما الأن لدينا 20 ألف معهد، وكانت محدودة وكانت مقتصرة على الكليات الدينية فقط.
> وما هو الضرر الواقع من وجهة نظرك على زيادة أعداد المعاهد الأزهرية؟
>> الضرر أنه يحدث انقسام فى الشخصية وانشطار فى العقل المصري، فمئات الآلاف الذين يتعلمون تعليم دينى فقط، رؤيتهم للأشياء قاصرة جدا ومحدودة جدا، وتفكيرهم غير علمي.
> لكن المناهج الأزهرية الآن بها مناهج علمية وليست مقتصرة على الجانب الدينى كما تقول؟
>> لا أدخلوا قشور فقط .. ولا هم قادرين على التعمق فى الدين ولا فى العلم، فهناك أصول للتربية وهى أن تعطى جرعات متساوية من المعارف، كالجرعة الروحية التنويرية لابد منها، وجرعة التفكير العلمى والمهارات الفنية والجمالية وجرعة التفكير العملي، فلابد من إدماج التعليم الأساسي، تدريجيا بين المعاهد الأزهرية والمدارس الأجنبية والعامة، والتخصص لا يأتى إلا بعد الثانوية العامة سواء فى الطب أو الهندسة أو العلوم الدينية، والأزهر كان هو بمثابة الكليات قديما وكان عمودا فى جامع الأزهر وتحولت من 100 سنة فقط لكليات، لكى يكون الطفل نضج نصجا علميا، ولا يجوز أن يكون رجل دين منذ طفولته، ولكن عندما يكبر ويختار يمكن أن يختار ما يشاء وعليهم أن يتوسعوا فى الكليات كما يشاؤوا، وأعلم أن الأزهر مؤسسة محافظة ولكنها عليها أن تتحرر، وكذلك الكنيسة لدينا أكثر كنيسة محافظة وعليها أيضا أن تتحرر، إما أن يخرج الأزهر طبيبا أم شيخا، لكن أن يخرج طبيبا شيخا فهذا سخف هل سيركز فى الطب أم فى الدين، لأن الكليات المدنية والعلمية فى الأزهر تعد خلطا للأدوار، وكارثة لأنه من يذهب إلى الكليات الطبية والعلمية هم الفئة الأعلى أما الكليات الدينية يدخلها متوسطى التفكير وهنا يخرج رجل ليس بالكفاءة على القدر المأمول.
اترك تعليق