د. حسن القصبى- أستاذ الحديث ووكيل اسلامية الأزهر-:

الطعن فى السنة أو إنكارها.. خروج على الشريعة
القصبي يتحدث مع عقيدتي
القصبي يتحدث مع عقيدتي

فنَّد د. حسن القصبى- أستاذ الحديث ووكيل كلية الدراسات الإسلامية بنين الأزهر، بالقاهرة- كثيرا من  الشبهات التى يثيرها المشكِّكون حول السنة النبوية الشريفة، مؤكدا أنها قضية قديمة متجددة ومنها ما نبَّأ بها النبى صلى الله عليه وسلم، مشيرا إلى أن هؤلاء يأتون بآيات قرآنية ويتركون أخرى، كما أنهم يقرأون الأحاديث دون قراءة الشرح ورد الشبهات.

نافيا وجود تناقض بين الأحاديث النبوية، ومؤكدا أن السنة لا تنفصل عن القرآن الكريم وكل من ينكر السنة يريد التحلل من قيود الشريعة.

"عقيدتى" التقته داخل جامعة الأزهر وطرحت عليه بعض الشبهات المثارة، وفى السطور القادمة نص الحوار  .


إلى أى مدى ترى أن الرسوم المسيئة للنبى وتصريحات الرئيس الفرنسى ضد الاسلام عمل مقصود؟ 

** النبى بالنسبة للمسلمين ليس رسما، بدليل أنه على مر كل هذه القرون التى تزيد عن أربعة عشر قرنا لم نر أحدا من المبدعين ممن انتسبوا للاسلام حاول رسم صورة للنبى مهما بلغ إبداعه وإتقانه، لأنه لا يستطيع أن يأتى بصورة تماثل أو تقارب صورته لأن النبى كامل فى كل شئ حتى فى رائحته، ورد عن  أنس بن مالك- رضى الله عنه-: "ما شممت عنبرا قط ولا مِسكا ولا شيئا أطيب من ريح رسول الله", فمن أراد أن يسيئ لرسم رسول الله، عليه أن يشق قلب ما يقارب من مليار وسبعمائة مليون مسلما، لأنه محفور فى صدورهم بصورته الكاملة، وبالتالى هذه الاساءة التى رأيناها للنبى بها إنتقاء وازدواجية عجيبة, فعندما يتكلم أحد عن اليهود يسمّون هذا معاداة للسامية! وإذا تكلم أحد عن أصحاب البشرة السوداء، قالوا عنصرية! أما اذا تكلموا عن المسلمين قالوا حرية تعبير! فهذا تناقض عجيب وغريب من بلاد تدّعى أنها بلاد النور والحضارة ولعلها لم تر النور بعد! فالنبى كفاه ربُّه "إنا كفيناك المستهزئين"، والتاريخ الاسلامى مليئ بمحالاوت كثيرة للحاقدين الذين حاولوا إيذاء النبى فى حياته وكفاه الله شرهم .

وسائل النصرة

برأيك كيف تكون نُصرة النبى؟ وما واجب كل مسلم تجاه نبيه الكريم فى رد الإساءة عنه؟

** الناس يفهمون نصرة النبى بالتعبير عن محبته بتغيير صورة أو بمشاركة بوست لكن محبة النبى من الإيمان، وليس من النصر، فأصل أصيل لدى كل مسلم أن يحب الله ورسوله, ولابد أن يظهر على كل إنسان محبة الله ورسوله, فأين نحن من رسول الله وأوامره ونواهيه, فأول نُصرة للنبى إتباع أوامره وإجتناب نواهيه والنظر فى سيرته وهذا ما نفتقده مع بعض شباب اليوم! فى حين أنهم يحفظون عن ظهر قلب تاريخ لاعبى الكرة!

كما نستطيع نصرة النبى بمعرفة سيرته والقراءة فيها فأساليب النصرة السلمية كثيرة لأن المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده.

لعل الاسلام ونبيه الكريم مستهدَفين من قِبل الحمقى والحاقدين، فلماذا دائما الاسلام هو من يُهاجم ويوصف بما ليس فيه؟ ويتم التطاول على نبيه العظيم؟ فى حين لا يمس أحد أى مقدسا آخر حتى الديانات الوضعية المنحرفة لا تتعرض لما يتعرض له الاسلام؟!

** أمرتنا شريعتنا بالتأدّب مع الأنبياء جميعا، كما أن إيماننا لا يكتمل إلا بإيماننا بكافة الرسل والأنبياء،: "آمن الرسول بما أُنزل إليه من ربِّه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرّق بين أحد من رسله"، لذا سيغضب المسلمون اذا ما تمت الإساءة الى عيسى أو أى نبى آخر- عليهم جميع السلام- فما نراه ازدواجية غريبة وعداء صريح للاسلام والمسلمين, فالقادة دائما يجمعون ولا يفرِّقون وإن لم يستطع أى قائد فعل هذا فهو بالطبع لا يستحق هذا المكان, كما أننى أتعجب عجبا شديدا من معاداة الاسلام رغم أن المسلمين ما دخلوا مكانا باعتدال إلا وفتحوا القلوب قبل العقول، أما التعويل على الحوادث الفردية لآحاد المسلمين فهذا مبرر غير مقبول لأن الحوادث الفردية موجودة فى كل مكان ولا يبنى عليها ولا ينبغى أن تكون معيارا للحكم على المسلمين, فهذه هى ظاهرة الإنتقاء والتى تعنى عين الرضا وعين الغضب فى آن واحد, فلماذا لا يسلط الضوء على من دخل مسجدا فقتل من قتل ولماذا لا يسلط الضوء على من يستهزئ بمقدساتنا؟! فهذه ليست حرية كما يدّعى البعض لأن قاعدة الحرية التى نعرفها جميعا تقول "أنت حر ما لم تضر".

 البعض يبرر عنصرية الغرب للإسلام أنها خوف من انتشاره، وأن يصبح الدين الرسمى لأوربا؟

** لا نستطيع تأكيد هذا التخوّف بدليل أن هناك بلادا تعيش فى أمان فى ظل تعايش المسلمين مع غيرهم, فألمانيا على سبيل المثال تنعم بالهدوء  والازدهار والرخاء لعوامل كثيرة منها وجود المسلمين بها وتلاؤمهم مع غيرهم من أصحاب الديانات الاخرى وغيرها من الدول الاوربية, فالمسلم المعتدل الذى يفهم دينه فهما صحيحا يألف ويُؤلف ولا يسعى الى سيطرة ولا الحصول على المكاسب إنما يحمل الجميل فى كل مكان مكث فيه، لذا فنظرية الخوف من غلبة الاسلام والمسلمين لا أساس لها من الصحة, فمن يعيش على مخاوف مستقبلية لن يعيش اليوم، ولا يخاف من الاسلام إلا أصحاب القلوب المريضة, أليست الديمقراطية التى ينادى بها الغرب هى إعطاء كل انسان حريته بشرط عدم الإضرار بغيره؟! فالغرب يتباهى بأن بلادهم هى بلاد النور والحضارة ويطلقون على غيرهم بلاد الظلمة والتأخر .

فزَّاعة الإسلام

للأسف الشديد الغرب يستخدم الاسلام دائما كفزَّاعة ويصر على أن ينسب جماعات التطرف والعنف للاسلام، فهو يطلق على داعش على مثلا تنظيم الدولة الاسلامية، فما السبب؟

** هذا صحيح، هم يستخدمون الاسلام كفزَّاعة لكنهم لم يتضرروا فى بلادهم من هذه الجماعات, فالضرر يقع على بلادنا الاسلامية, فهذه الجماعات التى تبرأ منها الاسلام وحكم فيها الازهر وقال إنهم خوارج، وحكم عليهم بحكم أصعب ممن تحكم عليه بالكفر، كما تعلمنا، ولكن الغرب يدعى أنه يتضرر من هذه الجماعات، وهذا غير صحيح، فالضرر كل الضرر فى بلاد المسلمين فهم يتناحرون مع المسلمين ويقتلونهم.

الإعلام الغربى والمسلم

وسائل الاعلام الغربية تصر على تصدير صورة سلبية عن المسلم فتصوّره بالانسان البدائى الذى يسير فى الصحراء ممسكا فى يده جملا، كما تدعى أن الاسلام دين بدائى يتعارض مع الحضارة، وأنه البديل للشيوعية بكل ما تحمله من سوءات، كيف تحلل هذه الصورة النمطية؟

** الكل يعلم أن الحضارة الأوروبية بُنيت على العلوم الشرعية وعلى كثير من علماء المسلمين وعلى العلوم التى سبقوا اليها، ولا يخفى هذا على أحد, فبلادنا كانت بلاد النور وكانت هناك ظلمة ثم أصبحت بفضل علمائنا بلاد النور وتوقفنا نحن قليلا, فالمشكلة ليست فيمن يفعل أمامى, كما أنه لا يوجد عذر لأحد على الاطلاق لعدم معرفته بصحيح الدين وليس بما يصدر من بعض المنتسبين للدين الاسلامى، فالله ينصر الاسلام بالمسلم وغير المسلم, فهذه الهالة الكبيرة من وسائل الاتصال جعلت الاسلام يصل الى بلاد كثيرة كان الدعاة لا يستطيعون الوصول اليها، والباحث عن الحقيقة دائما ما يجد  ضالته, كما أن تلك الصورة النمطية التى يصدِّرها الإعلام الغربى عن المسلم يستطيع أى انسان أن يكشف زيفها ويعرف الصورة الحقيقية للمسلم من خلال وسائل التواصل الاجتماعى، كما يستطيع مخالطة المسلمين ويتعرف على الحقيقة التى يخفيها عنها إعلامهم, فالامر الخطير فى التعرف على الاسلام من أبناء الدول الغربية انهم كانوا يتعرفون على الاسلام من خلال كتب المستشرقين حيث كان يكتب المستشرق بعينه هو ويُظهر الاسلام بعينه وكان يصدِّر صورا سلبية عنه، لكن الأمر تغيّر وأصبح من أراد أن يعرف الحقيقة أمامه أبواب كثيرة, فالمسلمون متواجدون فى كل مكان فى العالم والقراءات عن المسلمين والنقل الصحيح عن المسلمين متاحا، أضف الى ذلك المنصات العالمية للأزهر الشريف ومجمع البحوث الاسلامية ومنصاته الالكترونية العالمية المختلفة التى تستطيع ان تصل لكل مكان وآخرها  المنصة  العالمية التى أعلن شيخ الأزهر عن إطلاقها أثناء الاحتفال بالمولد النبوى الشريف، وهى التعريف بالنبى محمد, كما أن المغزى الأساسى من مرصد الأزهر هو الوصول الى كل الناس لمحو الصورة غير الصحيحة عن الاسلام والمسلمين .

أهم الشُبُهات

هناك الكثير من الشبهات القديمة المتجددة التى تثار حول السنة النبوية، منها إسقاط الحاجة الى السنة بدعوى أن القرآن كاف وشامل لكل شئ فبما ترد على هذه الشبهة؟

** الشبهة قديمة حديثة، حتى قيل بعضها فى عهد النبى فقد جاء فى السنة المطهرة التحذير من رد سنة النبى بحجة الاكتفاء بالقرآن فقال- صلى الله عليه وسلم-: "لا ألقين أحدكم متكئا على أريكته يأتيه الأمرين، أمرى مما أمرت به أو نهيت عنه، فيقول: لا ندرى ما وجدناه فى كتاب الله اتبعناه" رواه أبو داود وأحمد، فهذه الشبهة التى يرددها القرآنيون باطلة لأنه يستحيل عقلا وشرعا أن يستغنى مسلم عن السنة النبوية, فلا نستطيع أن نفهم هذه المسألة إلا إذا فهمنا العلاقة بين القرآن والسنة، فالسنة مؤكِّدة لما جاء بالقرآن الكريم حيث جاءت الأحكام فى القرآن عن إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، وجاءت السنة النبوية وأكدت هذه الأحكام حيث قال صلى الله عليه وسلم: "بُنى الإسلام على خمس...  الى آخر الحديث" كما أن السنة مبيّنة لما جاء بالقرآن الكريم فحينما نزل قول الله تعالى: "الذين آمنوا ولم يلبثوا إيمانهم بظلم" فقال الصحابة: ما منا أحد إلا وظلم نفسه! ففسَّر النبى الآية وقال: "ليس الإيمان المراد به ها هنا الظلم هذا إنما المراد به الكفر" كما فسّر وقيّد  قول الله تعالى فى حد السرقة "السارق والسارقة فاقطعوا أيديهما"  فلولا توضيحه لقُطعت اليد كاملة من أول الكف حتى نهاية الذراع، لكنه حدّد كيف تُقطع, وليس هذا فحسب فالسنة النبوية استقلت بأحكام لم ترد فى القرآن الكريم مثل تحريم الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها، فهذا التحريم لم يرد بالقرآن انما جاء بالسنة النبوية, كما أن الأمر بالصلاة جاء فى القرآن فى آية واحدة: "وأقيموا الصلاة" وجاء النبى ووضَّح لنا كيف نُصلى وعدد ركعات كل صلاة، وقال: "صلّوا كما رأيتمونى أُصلّى"، فمن يأخذ بالقرآن فقط ويترك السنة، كيف يصلّى؟! لذلك هناك حديث رواه عمران بن حصين، ينقل فيه هذه الشبهة حيث يقول: (من قال لى أنه سيأخذ بالقرآن فليأتى بآية من القرآن تقول أن الظهر أربع ركعات، وأن العصر أربعا، وليأتى لى من القرآن بتفاصيل أحكام الزكاة وأحكام الصيام).

إنكار السنة

لماذا يقولون هذا ويصرّون على إنكار السنة وعدم الأخذ بها؟

** كل من ينادى بترك السنة يفعل ذلك من باب التحلل لأن الإنسان إذا أراد التحلل من أى شئ أنكره، فلدينا قاعدة تقول: (الإنسان عدو ما يجهله) فاذا كره شيئا حرّمه، فالعقل يقول أن الذى أجهله أتوقف عنده لأعرفه لكن هؤلاء لا يريدون المعرفة إنما يسعون للإنكار فقط، وقد حسم الله تعالى مسألة الكلام بغير علم، وقال: "ولا تقف ما ليس لك به علم"، والقفاية تعنى عدم الكلام فى  الأمر الذى ليس لك به علم يقينى، والعلم اليقينى يأتى بحاسة من الحواس إما بالرؤية أو السمع أو باقى الحواس، لكن النتائج العقلية ليست يقينا كذلك،  لذا لا يستطيع أحد أن يستغنى بالقرآن عن السنة، ولابد أن يسعى الجميع للعلم والدراسة  ليعلموا لماذا جاءت السنة مع القرآن الكريم ليعلموا أهميتها .

الشرك بالله

  وبم ترد على من يدَّعى أن اتّباع السنة يؤدى الى الشرك بالله، مستندين فى ذلك للآية "إن الحكم إلا لله"؟

** هذا فهم قاصر لتلك الآية من غير متخصص فى العلوم الشرعية، فإذا أردت أن أتكلم فى الطب على سبيل المثال لابد أولا أن أكون من أهله، وكذلك الحال بالنسبة للأحكام الشرعية فمن أراد أن يتكلم فى الآيات القرآنية والأحاديث النبوية عليه أن يحتكم لقواعد أهل هذا العلم، فمن ينكر حديثا عليه ان يكون بالاستناد الى قواعد علم الحديث، حتى يكون الكلام علميا وليس عبثيا، لكن الإنكار لمجرد عدم استيعاب عقل المتحدث  لكلمات وألفاظ الحديث فهذا عبث وليس معيارا علميا, فكيف بإنسان لا يتقن اللغة العربية ويتلعثم فى نطق كلماتها أن يقول هذا الكلام، فهذه الآية "إن الحكم إلا لله" تعنى الحكم بالقرآن والسنة, فالنبى لم يأت بالسنة من عنده، فالسنة لا تنفصل عن الله، ومن يدّعى ذلك فهو يدعى لجهله، لأنه لم يدرس اللغة العربية ولم يدرس علوم القرآن، ولم يتعلم أصول الفقه, فما أسهل الإنكار لكن الصعب هو الفهم فى هذا الزمان, فمن يردد هذا الادعاء يطبق ظاهرة الإنتقاء لانه أخذ الاية وترك الأخرى: "لقد منَّ الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويعلّمهم الكتاب والحكمة"، فالمراد بالكتاب هنا القرآن الكريم، وأجمع المفسّرون على أن الحكمة هى السنة النبوية, كما أن هؤلاء لا يلتفتون للآية: "إن كنتم تحبّون الله فاتّبعونى يحببكم الله".

هناك شبهة أخرى يرددها منكرو السنة وهى أن الله تعالى تعهّد بحفظ القرآن الكريم ولم يتعهد بحفظ السنة؟

** من قال هذا؟! فعلى من يرددون هذا الادعاء  أن يأتوا بآية واحدة تؤيد كلامهم وتؤكده، فهذا غير صحيح على الإطلاق فقول الله تعالى: "إنّا نحن نزَّلنا الذكر وإنّا له لحافظون"، فالذكر هنا تعنى القرآن والسنة بإجماع المفسرين, فبعد ذكر العلاقة الوطيدة بين القرآن والسنة فمن اليقين أن تُحفظ السنة كما حُفظ القرآن الكريم, فإذا كان التفصيل التشريعى للقرآن يوجد فى سنة النبى فكيف لا يحفظها الله؟!

حرق الأحاديث

 لكن ما مدى صحة قيام أبى بكر الصديق- رضى الله عنه- بجمع كل الأحاديث بعد انتقال النبى وحَرَقَها؟

** هذه الواقعة لم تثبت، والقول بأن أبا بكر أحرق الأحاديث النبوية محض كذب وافتراء ولا وجود له فى كتب السنة، فالصديق أقل الصحابة رواية عن رسول فقد روى ما يزيد عن خمسمائة حديث رغم أنه كان ملازما للنبى فقد قلل من رواية الأحاديث لأن الناس كانوا حديثى عهد بالاسلام كما أنه كان مشغولا بأمور الخلافة.

تدوين السنة

تدوين السنة تعد من أكثر الشبهات حيث يقول البعض أن النبى نهى عن الكتابة، فهل توضح لنا ملابسات هذا النهى؟

** هذه القضية من المسائل التى نحتكم فيها الى قواعد أهل الحديث فقد ورد عن النبى: "لا تكتبوا عنى شيئا غير القرآن، ومن كتب عنى شيئا غير القرآن فليمحه"، هذا حديث صحيح، ثم جاء أيضا وأذن بالكتابة حيث قال: "اكتبوا لأبى شاه"، كما كان عبدالله بن عمرو بن العاص يجلس خلف النبى ويكتب كل شئ، وكان يراه النبى وتركه، وهذا إذن بالكتابة, فجاء الصحابة وقالوا: يا عبدالله، إنك تكتب كل شئ والنبى يتكلم فى الرضا والغضب, فاكتب ما يقول فى الرضا واترك ما يقول فى الغضب! فذهب عبدالله الى النبى فقال له: "اكتب، فوالذى نفسى بيده ما خرج من فمى إلا حق", وهذا أمر صريح من النبى بالكتابة.

 لكن نحن هنا أمام أمرين متضادين، نهى بالكتابة، وإذن بعد ذلك، فهل توضح لنا هذا التناقض؟

** كما قلت مسبقا لابد من الاحتكام الى قواعد أهل العلم، فنحن أمام نهى عن الكتابة، ومشاهد أخرى بها إذن بالكتابة، فهذا علم عندنا يسمى "علم مختلف الحديث", فاذا وجد حديثان فى ظاهرهما التعارض ولابد من التأكيد على كلمة فى ظاهرهما، لأنه يستحيل فى الباطن أن تتعارض أحاديث النبى لان المصدر واحد فالخالق إله واحد، فيستحيل أن يحمل كلام النبى تعارضا فى الباطن، فالعلماء وضعوا هذين الحديثين تحت هذه القاعدة "مختلف الحديث"، لأن العمل بالدليلين أولى من العمل بأحدهما وترك الآخر، وقاموا بالجمع بينهما، أى بالبحث عن معناهما، وتوصل العلماء الى أن الصحابة كان بعضهم يكتب القرآن والسنة فى صحيفة واحدة وكانوا يخلطون بين ألفاظ القرآن والسنة، فجاء النهى لهؤلاء، والإذن لمن يكتب القرآن منفصلا عن أحاديث النبى، وهناك تفسير آخر أن النهى لمن لم يتقن التفريق بين آيات القرآن وأحاديث النبى، وأذن لمن يفرِّق بينهما وقويت قريحته، اذا ليس هناك تعارض إطلاقا.

إمام المحدِّثين

بما ترد على تشكيك البعض فى الامام البخارى والقول أن صحيحه به أحاديث تناقض العقل؟

** الإمام البخارى- رحمه الله- منذ كتب "الصحيح" فهناك إجماع من كافة العلماء على أنه أصح الكتب بعد القرآن الكريم، وهذا الاجماع ليس لشخص البخارى، لان العلماء لا يجاملون أحدا، حتى إن كانوا آباؤهم، إنما الإجماع جاء بعد الدراسة المستفيضة للأحاديث التى دوَّنها والأسانيد التى استند اليها، فوجدوا أنها أصح الأحاديث وأقوى الأسانيد, فقد شهد للبخارى علماء عصره، وعلى مرّ الأزمنة وشهدوا له بأنه إمام المحدّثين، ثم يشكك فيه من لا يُحسن علم الحديث! فمن يهاجم صحيح البخارى يأتى بنص الحديث ولا يقرأ شرحه، فهو يأخذ الحديث بهواه ولا يقرأ الردود والشرح!

 





تابع بوابة الجمهورية اون لاين علي

تابع بوابة الجمهورية اون لاين علي جوجل نيوز جوجل نيوز

يمكنك مشاركة الخبر علي صفحات التواصل

اترك تعليق