د. مختار غباشي:

لغة القرآن من أهم أدوات القوى الناعمة
د مختار غباشي يتحدث مع عقيدتي
د مختار غباشي يتحدث مع عقيدتي

تصوير: عادل عبدالرحمن :

يعد د. مختار غباشي- نائب رئيس المركز العربي للدراسات والبحوث الإستراتيجية- من الشخصيات المهتمة بمختلف القضايا العربية والدولية ليس في الشئون السياسية فقط بل فيما يتعلق بهوية الأمة العربية التي تتعرض لمحاولات الطمس والتهميش ليس من الخارج فقط بل من الداخل أيضا علي يد التغريبيين، ولهذا التقيناه وطرحنا معه مختلف القضايا المثارة علي الساحة ومطالبته بضرورة وجود إستراتيجية عربية وتطوير جامعة الدول العربية لتكون أكثر فاعلية وتأثيرا واستفادة وإمكانية تعاون الدول المجاورة لمواجهة الاستراتيجيات غير العربية أو الإسلامية.


** باعتباركم نائبا للمركز العربي، ما هي رؤيتكم لأهمية اللغة العربية في المحافظة علي الهوية؟

** اتفق اللغويون بوجه خاص، والمثقفون بوجه عام أن اللغة ببساطة هي: حمالة الأفكار وأداة الالتقاء بالماضي والحاضر، ووسيلة الاتصال بين الشعوب والأفراد، وكل إبداع أو إصلاح أو تجديد إلا وينطلق من اللغة، وتؤكد الشواهد التاريخية أن نجاح الأمم في ثوراتها ضد جميع أصناف التخلف والتدهور، والتبعية ونزع رواسب العقم والجمود، كانت بداياتها نظرة عميقة تراجع بها اللغة وطرائق استخدامها؛ لأن اللغة هي الفكر، والفكر هو اللغة، ويستحيل أن يتغير الفكر بدون تغير اللغة، وكل ما يسود العصر من دعوات روحية أو سياسية تبحث عن اليقين من الخطأ وعن الحقيقة من الزيف، وعن الحق من الباطل، بل عن التوحيد من الشرك وعن الحياة وراء الموت، كل هذا ينطلق من اللغة ويعكس كله طريقة استخدام اللغة، وما يسود العالم في فترة زمنية معينة من أحداث فكرية، إلا وتجد اللغة هي المحرك الأساس لهذا الحدث لأنها هي المتأثر الأول بما يجد من مصطلحات جديدة وتعابير مركبة، تدخلها عن طريق التلاقح والاتصال البشري.

نهضة لغوية

** معنى هذا أن أي نهضة حضارية لابد أن تصاحبها نهضة لغوية؟

** بالتأكيد، لأن النهوض بمفهومه الشامل هو الانتقال من حال إلى حال أحسن منه، ومرحلة التحول هي الواقعة بين الحالتين، والأخطر في النهوض هو مرحلة التحول، ولكي تنجح هذه المرحلة ينبغي أن توفر لها الشروط، ومن هذه الشروط مراعاة الماضي والمحافظة علي التراث الايجابي وتنقيته وتحقيقه، ومعايشة الواقع في آن، وبهذا يمكن أن نستخلص العبر من التجارب، ويستشرف آفاق المستقبل الأفضل بالارتكاز على الماضي والحاضر لأن الحياة الحضارية سلسلة من الحلقات المتواصلة صعودا وهبوطا وتصنع هذا إرادة الشعوب ومدى طموح قياداتها وقدرتها علي القيادة الصحيحة، وفي إطار ها التحول لا يمكن عزل اللغة التي ترتبط بالتقدم والتخلف لأنها أحد أهم الركائز الحقيقية في الحضارة لأنها لغة العلم والتفكير، بل إن حجم اللغة في أي مشروع يجب أن يأخذ حقه الإستراتيجي لأنها الحصن الحصين للأمة تحتمي بها من كل غزو فكري لأنها عنوان شخصية الأمة وهويتها.

نماذج عملية

** هل يمكن أن تذكر لنا نموذجا عمليا لذلك؟

** أتذكر هنا إشادة واعتراف المستشرق الفرنسي الكبير جاك بيرك بدور اللغة العربية الفصحى في دول المغرب العربي وخاصة الجزائر في المحافظة على كيان الشعب ومقاومة الاستعمار، فقال: "إن أقوى القوى التي قاومت الاستعمار الفرنسي في المغرب هي اللغة العربية، بل اللغة العربية الكلاسيكية الفصحى بالذات، فهي التي حالت دون ذوبان الجزائر في فرنسا، إن الكلاسيكية العربية هي التي بلورت الأصالة الجزائرية، وقد كانت هذه الكلاسيكية العربية عاملاً قويًّا في بقاء الشعوب العربية، ووصل الأمر إلي أن جمعية لحماية اللغة العربية كان في الجزائر في 1958" .ورغم سياسات اللورد كرومر أول معتمد بريطاني في مصر، وقضى فيها ما لا يقل عن ربع قرن (1882م-1906م، وكان هدفه تثبيت دعائم الحضارة الغربية، ومحاربة الاسلام واللغة العربية بشكل غير مباشر فقام بتعيين القسيس دانلوب مستشارًا لوزارة المعارف، وأعطاه سلطات التصرف في جميع القرارات الخاصة بالتعليم، فحارب التعليم الأزهري وشجع التعليم المدني الدنيوي التي يتخرج طلابها بعد أربع سنوات فقط ويعينوا في دواوين الحكومة براتب أربع جنيهات،

أما خريج الأزهر فلا يجد عملًا إلا في المسجد براتب 120 قرشًا، مما جعل الأهالي يقبلون على مدارس كرومر- دانلوب، وتحولت المكانة الاجتماعية لخريجيها بدلا من الأزهر، فما أشبه اليوم بالبارحة حيث يتم حاليا الإقبال علي المدارس والجامعات الأجنبية للعمل والوجاهة الاجتماعية، وهؤلاء يجيدون اللغات الأجنبية ويجهلون بل أصبح معلم اللغة العربية مادة للسخرية والاستهزاء في الإعلام والفن! مع الزعم بأن اللغة العربية لا تصلح إلا للدين وليس للعلوم، وهكذا تبدلت مكانة اللغة العربية وسقطت هيبتها أمام اللغات الأجنبية، وضاعت مكانة حصة اللغة العربية والدبن حيث تعمد دانلوب وضعها في نهاية الجدول الدراسي حيث يستقبلها التلاميذ في حالة من الملل والتعب والضجر، وكان المنهج طويلا ومملا لتنفير الطلاب منه.

تعاون لا صراع

 * تضم القارة الأفريقية عددا كبيرا من الدول العربية، كيف ترى العلاقات العربية مع دول الجوار؟

 **  لي رؤية أحيانا تُغضب بعض الناس رغم أنها تتفق مع رأي آخريين وعلي رأسهم السيد عمرو موسى- الأمين  العام السابق لجامعة الدول العربية- وهذه الرؤية تنطلق من أنه ليس من مصلحة الدول العربية وتركيا وإيران أن يتم خلق حالة عداء وصراع بينها لأن هذا ليس من مصلحة الجميع بل إنه في مصلحة أعداء العروبة والاسلام، وبالتالي فإن من مصلحة الجميع أن هناك نوعا من التعاون والتفاهم علي الملفات والمصالح المشتركة باعتبارها دولا إسلامية بصرف النظر عن الاختلاف المذهبي، في علم السياسة من لا تستطيع تُنهيه فالأفضل لك أن تحيّده وتأمن شره، وليس لنا كعرب مصلحة أن ندخل في حالة عداء دول الجوار، وفي نفس الوقت أن يتم العمل علي إصلاح البيت العربي من الداخل وإزالة الألغام.

وللأسف نحن كعرب نفتقد إلي عناصر أساسية وآلية لإجماع عربي ورؤية لحفظ الأمن القومي ونفتقد إلي آلية للتعامل مع القوى الإقليمية والدولية!

لعبة المصالح

*"لعبة المصالح المشتركة" يجب أن تكون العمود الفقري للإستراتيجية المصرية والعربية في القارة الأفريقية، لماذا يجهل العرب هذا الرؤية الصحيحة في التعامل مع العالم؟

** يجب أن نعلم أن عدد الدول الأفريقية 55 دولة، وبدأ اهتمام العالم كله بالقارة الأفريقية لأنها بكر وغنية بكل الثروات الطبيعية وأيدي عاملة رخيصة تحتاج إلي التدريب للاستفادة منها وتستطيع أن تضخ استثمارات هائلة فيها، ولهذا هناك تنافس دولي وإقليمي عليها حتى الاتحاد الأوروبي بكل ثقله دخل في المنافسة علي "التورتة الأفريقية" وفي 2017 عقد الاتحاد الأوروبي قمة مع الدول الأفريقية، كما أن إيران بدأت تتغلغل لنشر المذهب الشيعي وخاصة في السنغال وجزر القمر وغيرهما، وكذلك فإن القارة الأفريقية تمثل كتلة تصويتية في المحافل الدولية ويكفي أن نعرف أنه في 2009 خسرنا رئاسة منظمة اليونسكو وقت أن كان فاروق حسني مرشحا بصوتين من أفريقيا، وخسرنا قرارا كان من المفترض أن يصدر من الأمم المتحدة لمصلحة القضية الفلسطينية، ولهذا نجد الدول والتكتلات الكبرى في العالم تسعى للتعاون مع الأفارقة وعقد مؤتمرات دورية معهم، بل إن هناك مساعي جادة من إسرائيل لتحسين علاقتها بالدول الإفريقية!

فرق شاسع

* ما هو تقييمكم للإستراتيجية العربية تجاه العالم؟

**للأسف نحن نتعامل بمنطق "الطيور المنفردة" وكل دولة تبحث عن مصالحها الذاتية فقط دون النظر إلي بقية الدول العربية ولهذا فإن العالم العربي مشتَّت، ومن وجهة نظري "عالم تائه" ولهذا يستحق أن نطلق عليه "رجل العالم المريض" الذي تتسابق عليه القوى الدولية والإقليمية لأخذ مدخراته والتنافس على احتلاله، وللأسف الوضع العربي يزداد سوءا بدليل أنه لا توجد قضية من قضاياه يتحكم فيها بل إن قضاياه تم تسليمها إلي القوى الدولية والإقليمية تتحكم فيها ولديها آليات المبادرة والحلول فيها، للأسف كل القضايا العربية ابتداء من القضية الفلسطينية مرورا بالقضية اليمنية والعراقية والسورية والليبية وغيرها، بل إن العلاقات العربية مع بعضها فيها مشكلات، وكل دولة لها مشكلاتها الخاصة وتتحكم فيها الأطراف الدولية والإقليمية، ولهذا لابد من إستراتيجية عربية مدروسة تجاه أفريقيا تقوم بها جامعة الدول العربية التي تحتاج إلي تطوير لأن الجامعة التي نشأت بسبع دول غير مستقلة في منتصف الأربعينيات لا تصلح للتعامل الأمثل مع قضايا القرن الحادي والعشرين.

الخروج من التيه

* ما الحل أمام هذا العالم العربي التائه المريض الذي شئونه ومصيره بيد غيره؟

** الحل صحوة وريادة عربية يفتقدها العالم العربي ويبحث عنها، وللعلم فإن الريادة الوحيدة والمؤهلة أن تأخذ العالم العربي من حالة التيه هي مصر بثقلها وعدد سكانها وموقعها وعلاقتها الخارجية وقوة جيشها الذي يحتل مركزا متقدما عالميا، بالإضافة إلي هذا فنحن نحتاج لإرادة لابد أن تتوفر بالاشتراك مع القوى العربية المؤثرة من الدول ذات التأثير الأكبر في الوطن العربي، ونجلس معا نعرض قضيانا على الطاولة، وأنا شخصيا قلت في أكثر من لقاء نحن نحتاج قمة شهرية تبحث قضية واحدة وآليات التعامل الصحيح معها.

متطلبات النهوض

* في النهاية، كيف ننهض بالعربية من كبوتها التي طالت؟

** التشخيص الصحيح للمرض عن طريق المتخصصين الغيورين علي دينهم ولغتهم البداية الحقيقية للإصلاح لأن أي تسامح في شأن اللغة الأم هو في الحقيقة تسامح في الهوية والعرض والانتماء الحضاري، فاللغة يجب أن تكون فوق صراعات الجميع، ولتحقيق نهضة لغوية ينبغي وضع إستراتيجية ومخططات لغوية قصيرة ومتوسطة وطويلة المدى مع أساليب التوعية وسن قوانين رادعة حتى تكون وقاية من أي انحراف أو ذلل وحشد العزائم، ورفع المعنويات وحل عقدة النقص في نفوس أبناء اللغة العربية والدفع بعجلة تطوير اللغة لتكون سلسلة وسهلة ليتم استخدامها في جميع الحياة العامة، وعلينا أن نقتدي بالدول التي أحيت لغاتها من الموات، وغزت بها حقول العلم والمعرفة، فاللغة العبرية والكورية، واليابانية والصينية والفارسية ليست بأحسن من العربية، وهذا يتطلب قرارا سياسيا يلزم الجميع باستخدام اللغة العربية في التعليم والإعلام والتعامل الإداري طبقًا لما نص عليه الدستور.





تابع بوابة الجمهورية اون لاين علي

تابع بوابة الجمهورية اون لاين علي جوجل نيوز جوجل نيوز

يمكنك مشاركة الخبر علي صفحات التواصل

اترك تعليق