د. وفاء عبدالسلام تكتب: حكايات نسائية

الإسلام والسلام
د وفاء عبد السلام
د وفاء عبد السلام

شاءت حكمة الله تعالى وتقديره أن يختم الرسالات السماوية بشريعة لم تغفل جانبا من جوانبِ الحياة إلا ووضعت له المنهج والطريق، ولا مشكلة إلا ووضعت لها الحل، ولا سؤال وقعَ في العقول إلا أجابت عنه، فكانت بحق الرسالة العالمية الخالدة.

وقد سبقت الشريعة الإسلامية جميع المواثيق والمنظمات الدولية التي دعت إلى السلام بين الشعوب في العالم، فقد أسَّس النّبي- صلى الله عليه وسلم- دولته في المدينة المنورة على أسس المؤاخاة بين المسلمين وعقد المعاهدات مع غيرهم، بحيث يعرف كل مكوّن في المجتمع حقوقه وواجباته بما يضمن أن يعيش الجميع في أمن وسلام، كما أكدت الشريعة على أخلاقيّات التعامل في السلم والحرب، ففي الحرب لا يجوز الاعتداء على الشيوخ، النساء، الأطفال، هدم البيوت، ترويع الآمنين، أو قطع الأشجار.


وحث النبيُ المسلمينَ على إفشاء السلام بينهم لما يتركه السلام من آثار عجيبة في بثِّ روح المودة والمحبة والألفة بين أفراد المجتمع، لذا أكدت الشريعة على مفهوم السلام من خلال تحريم وتجريم كافة أشكال الاعتداء على الإنسان، سواء كان ذلك على ماله أو عِرضه، فنفس الإنسان مصانة في الشريعة الإسلامية من خلال تشريعات شاملة كاملة تضمن الحدود التي شرعها الله لحفظ النفس الإنسانية من الأذى المعنوي أو المادي، وكذلك أحكام القصاص التي تؤكد على حرمة دم الإنسان ووجوب الاقتصاص، وكذلك أحكام أهل الذمة الذين يعيشون بين المسلمين، حيث تتضمن حقوقهم العيشَ بسلام جنباً إلى جنب مع المسلمين، وتحريم الاعتداء على أموالهم أو إزهاق أرواحهم.

ولم يكن ذلك مجرد سماحة من رسولنا الكريم، ولا محض سياسة في التعامل مع غير المسلمين، وإنما كان انطلاقاً من الإيمان، الذي لا يكتمل إلا بالاعتراف بكل الشرائع والكتب التي يتعبّد بها هؤلاء الآخرون، فقد قال الله تعالى: {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ}، أي أن الإسلام اعتبر الإيمان برسل الله وكتبهم جزءاً لا يتجزّأ من أركان الإيمان، والإيمان بهم يعني التصديق الجازم بأنّ الله بعث في كل أمة رسولاً يدعوهم إلى عبادة الله وحده، وكل الأنبياء والرسل كرام بررة، حملوا أمانة الوحي، وأدوها كما أراد الله، فالمسلمون يصلّون ويسلّمون على كل الأنبياء والمرسلين، ويعظّمون الهدى والنور الذي أنزل الله على  سيدنا موسى في التوراة، وعلى سيدنا عيسى في الإنجيل، ويؤكدون الانتماء إلى مِلَّة أبي الأنبياء سيدنا إبراهيم، ويحترمون كل المقدسات الدينية منذ اللحظة الأولى للقاء الإسلام بأهل الكتاب وطوال تاريخ الإسلام.

ولقد فتح رسول الله مسجد النبوة لوفد نصارى نجران عندما جاءوا إلى المدينة المنورة في عام الوفود فصلّوا فيه صلاة عيد الفصح الذي حان موعده وهم ضيوف على رسول الله.

وكتب رسول الله لأهل نجران كتابا يوضح مدى احترام الإسلام للمقدسات غير الإسلامية حيث جاء فيه: ((... ولنجران، وحاشيتها جوار الله، وذمة محمد النبي على أنفسهم، وملتهم، وأرضيهم، وأموالهم، وغائبهم، وشاهدهم، وعشيرتهم، وبيعهم وألا يغيروا مما كانوا عليه، ولا يغيروا حقًّا من حقوقهم، ولا ملتهم، ولا يغيروا أسقفًا عن أسقفيته، ولا راهبًا من رهبانيته، ولا واقهًا من وقيهاه، وكل ما تحت أيديهم من قليل، أو كثير، وليس عليهم دنية، ولا دم جاهلية، ولا يحشرون، ولا يعشرون، ولا يطأ أرضهم جيش، ومن سأل فيهم حقًّا فبينهم النصف غير ظالمين، ولا مظلومين بنجران، ومن أكل ربا من ذي قبل، فذمّتي منه بريئة، ولا يؤخذ منهم رجل بظلم آخر، وعلى ما في هذه الصحيفة جوار الله عزَّ وجلَّ، وذمة محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم أبدًا حتى يأتي الله بأمره، ما نصحوا، وأصلحوا فيما عليه، غير مثقلين بظلم...)).

ويظهر احترام الإسلام وتقديسه للخصوصيات الدينية لغير المسلمين امتثالا لقول الله: {وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الإِنجِيلِ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فِيهِ} في مخاطبة الصحابي الجليل سيدنا حاطب بن أبي بلتعة للمقوقس عظيم القبط بمصر، عندما حمل إليه رسالة رسول الله فقال له: «... ولسنا ننهاك عن دين المسيح، ولكنا نأمرك به».

ولم تقف هذه السماحة عند دولة النبوة، بل كانت سمة عامة طوال تاريخ الإسلام؛ لأن الدولة الإسلامية، التي تحرس الدين، هي الدولة التي يعلِّمها القرآن الكريم أن التدافع والدفع ليس فقط لحماية المقدسات الإسلامية، وإنما لحماية جميع دور العبادة الخاصة بكل أصحاب الشرائع الدينية: {وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا}.

بل إن هذه القاعدة الإسلامية قد طبَّقها المسلمون مع أهل الديانات الوضعية ومع مقدساتهم من المجوس والبوذيين والصابئة، والهندوس، وغيرهم؛ انطلاقاً من حديث رسول الله: ((سُنّوا فيهم سنة أهل الكتاب)).





تابع بوابة الجمهورية اون لاين علي

تابع بوابة الجمهورية اون لاين علي جوجل نيوز جوجل نيوز

يمكنك مشاركة الخبر علي صفحات التواصل

اترك تعليق