مصر
  • 29℃ القاهرة, مصر

رئيس مجلس الإدارة

طارق لطفى

رئيس التحرير

أحمد سليمان

"د. عايدي جمعة" يقرأ شعرنا القديم برؤية جديدة

صدر حديثًا، عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، كتاب "تحليل الخطاب.. قراءة جديدة في شعرنا القديم" للناقد د. عايدي علي جمعة، وينهض الكتاب بتحليل الخطاب الشعري عبر أربعة نصوص من الشعر العربي القديم، تشكل فصول الكتاب الرئيسية، حيث جاء الفصل الأول بعنوان "الحجاج في قصيدة تأبط شرا" ملقيا الضوء على الطبيعة الحجاجية على نص من نصوص الصعلكة ذات الحضور الواضح في الذاكرة الشعرية العربية، فتوقف هذا الفصل فى البداية حول مفهوم الحجاج بصورة عامة.


ورصد بعض الملامح الحجاجية فى قصيدة تأبط شرا. مثل الحجاج بالواقعة، وكيفية الاستغلال الحجاجى للواقعة المعروفة عن الذات الشاعرة ورفيقيه الشنفرى الأزدى وعمرو بن براق، حينما استطاعوا النجاة من موت محقق على يد قبيلة بجيلة الناقمة.

وبذا تكتسب هذه الواقعة قيمتها الحجاجية بسبب انتمائها للواقع ومعرفة المتلقين بحدوثها. كما أن هذه الواقعة تمنح قوتها الحجاجية لأنها تكشف عن طبيعته الصارمة التى لن تعدم وسيلة للتصرف فى المواقف الصعبة.

بعدها ظهر الحجاج بصنع المثال، حيث أخذ تأسيس الصورة المثالية للرجل الحق الذى يعوّل عليه تأبط شرا وقفة مطولة فى هذه القصيدة، استغرقت أربعة أبيات، وتم إلقاء الضوء على الحجاج بالرحلة، حيث تبدو ثيمة الرحلة التى لا تعرف الكلل ذات قيمة حجاجية.

كما تم الكشف عن الحجاج بالزمكان والمحددات الحسية، ويأخذ المكان فى تفاعله مع الزمان دوره الحجاجى فى هذه القصيدة، حيث تكون طبيعة الأرض التى تتحرك عليها الذات الشاعرة وطبيعة اللحظة الزمنية أيضا لهما غواية خاصة ترشح لحس المغامرة الفائق لدى الشاعر، مما يسهم بدوره فى رسم الصورة المائزة للشاعر عن مجايليه.

وظهر أيضا الحجاج بالانتقال، حيث كشفت الانتقالات الحكائية عن قيمة حجاجية واضحة فى هذا القصيدة، لأنها إلحاح على حكايات مختلفة، ولكنها فى النهاية تصب فى مصب التكريس لهدف واحد، هو رسم صورة البطل المتفرد فيما يواجهه.

وظهرت أيضا استمرارية الحجاج بالرحلة. وتوقف الفصل أمام الحجاج بالإيقاع، فنهض الإيقاع بمهمتين محوريتين: الجمالية والحجاجية. كما ظهرالحجاج بالشخصية، فشخصية تأبط شرا تمنح للحجاج مصداقية كبيرة بسبب صورتها المتكونة لدى المتلقين. وأخير توقف هذا الفصل أمام الحجاج الاجتماعى الذي يطل بوضوح من خلال الحركة التفاعلية بين الذات الشاعرة، وما تمثله من شريحة اجتماعية من ناحية والعوامل المضادة لها من ناحية أخرى.

أما الفصل الثاني فقد جاء بعنوان "البنية الزمنية في قصيدة عبد يغوث اليماني" التي يرثي فيها نفسه، فتم إلقاء الضوء على البنية الزمنية فى هذه القصيدة، ومن خلال التمعن فيها نجد الغلبة الواضحة لبنية الارتداد، باعتبارها تنهض بالعودة إلى مناطق كانت فيها الذات الساردة ذات حضور فاعل، فى حين نرى تراجع بنية الاستباق..

حيث تتأكد الذات الساردة من موتها المحقق قريبا، وهنا فإن تخيل أحداث تقع فى المستقبل، والانفعال بها لا يكتسب مساحة كبيرة فى هذا النص. ولذا بدت رحلة الذات الساردة إلى الداخل أوضح منها إلى الخارج، وبدا العالم الخارجى من خلال هذه الذات الساردة، وبدا الإحساس بتضخم هذه الذات ـ من خلال عملية الارتداد ـ التى جعلت هذه الذات فى الموقع الأرفع من البطولة، وكأنه محاولة للثبات أمام تلاشيها الوشيك، وقد تجسد هذا التلاشى لكل مواطن العظمة من خلال البيتين الأخيرين، حيث بدا من خلالهما أن كل ماكانت تتمتع به الذات الساردة من مجالى العظمة وكأنه محض وهم.

وبذا فقد انطلقت عملية التداعى الحر عبر الزمان وعبر المكان، بطريقة عفوية، كان لها أكبر الأثر فى الكشف عما يعتمل داخلها، وإن كان كل هذا الامتداد الزمانى والامتداد المكانى قد تم فى لحظة زمانية محددة، هى اللحظة التى يستغرقها الحكى، أو قول هذا النص، كما تم فى بقعة مكانية محددة، هى ذلك الموطن الذى قيدت فيه الذات الساردة بعد أسرها، وأصبحت تنتظر تنفيذ حكم الإعدام فيها.

وجاء الفصل الثالث من هذا الكتاب بعنوان "البنية السردية في قصيدة أبي ذؤيب الهذلي" متتبعا عناصر البنية السردية فيها، وهي قصيدة يرثي فيها الشاعر أبو ذؤيب الهذلي أولاده الأربعة الذين ماتوا في عام واحد، وهو في شيخوخته، حيث ظهرت أربع شرائح في هذه القصيدة: الشريحة الأولى يظهر فيها الحزن الشديد للذات الشاعرة على فقد الأولاد، وقد ظهرت فيها  تقنيات سردية مثل الزمان والمكان والراوى والشخصيات والحدث.

أما الشريحة الثانية فقد رصدها الشاعر لموت الحمار الوحشى وأتنه الأربعة، وجاء السرد فيها بالضمير الثالث هو، وتم إلقاء الضوء على الزمان والمكان والشخصيات والحدث أيضا.  

أما الشريحة الثالثة، فإنها تتناول موت ثور مسن على يد صائد، وكان الضمير الثالث هو النسق المعتمد فيها، وبدا عنصر الزمان ذا وضوح بارز فى هذه الشريحة، حيث  كان التوقيت الذى حدثت فيه الأحداث هو توقيت الشتاء، بما فيه من برودة قاسية، وقد كان الوقت صباحا فى فصل الشتاء، حيث انتظر الثور ما تأتى به الغيوب، وحدث ما توقعه تماما، حيث بدت الكلاب المتتابعة فى عملية المطاردة الرهيبة، وكانت الصحراء الممتدة هى المكان الذى وقعت فيه أحداث هذه الشريحة.

أما الشريحة الأخيرة، فتتناول موت فارسين فى منتهى القوة والخبرة فى معركة بينهما. وتتخذ هذه الشريحة من السارد المحايد نسقا معتمدا لها. أما عن الزمان فى هذه الشريحة، فهو يوم الكريهة بما فيه من غبار، لكنه لم يحدد تحديدا كاملا، فلا نعرف فى أى شهر كان هذا اليوم، أو فى أى فصل من فصول العام، أو فى أى عام قد وقع، وهنا تبدو الطبيعة الإجمالية التى يتميز بها الشعر مهيمنة على الطبيعة المفصلة التى يتميز بها السرد. أما عن المكان فى هذه الشريحة، فهو مكان الحرب ولم تقف الذات الساردة كثيرا أمام طبيعة المكان بالتفصيل، مما تواءم مع طبيعة الشعر، لأن هذه القصيدة رغم اهتمامها البالغ بالسرد، فإنها تنتمى إلى ما يسمى بـ "الشعر السردى".

أما الفصل الرابع والأخير فإنه ينهض بمهمة تحليل قصيدة ابن خفاجة الأندلسى الشهيرة فى وصف الجبل منطلقا من نص القصيدة، فى تفاعل مع بنيتها التشكيلية لتخرج هذه القراءة من خلال عملية التفاعل الخلاق بين قارئ معيّن له بنيته الثقافية فى لحظة زمنية معيّنة وسياق اجتماعى خاص من ناحية وبنية تشكيلية تنتمى لابن خفاجة الأندلسى لها سياقها الاجتماعى الخاص ولحظتها التاريخية المتفردة من ناحية أخرى.

ومن خلال عملية التفاعل بين النص وقارئه والوقوف أمام البنية التشكيلية تم التوصل إلى هذه القراءة  التى خرجت بهذاالشكل، لتكون دفقة فى نهر القراءات المتجددة لهذه القصيدة.

وقد توقفت هذه القراءة أمام عنوان القصيدة ـ كما شاع فى التلقى الأدبى لها ـ ملقية الضوء على الدور الذى ينهض به فى هذه القصيدة، وتوقفت أمام البنية الصغرى متمثلة فى الجملة، وبعض السمات التى صاحبتها، وبعض العوامل التى أسهمت فى تشكيلها، كما سلطت الضوء على الشرائح الموجودة فى هذه القصيدة حيث تجلت شريحتان لهما وضوح تشكيلى بارز وشريحة ثالثة يسهم المتلقى فى تصورها.

كما سلطت الضوء على البنية الكبرى التى تشكلت من خلال تتابع البنى الصغرى والشرائح وتآزرها.

وتوقفت أمام التشكل الدلالى الذى تجلى من خلال عملية التفاعل بين هذه التشكيلات وأفق القارئ واضعة نصب عينيها السياق الاجتماعى الفاعل فى عملية الإنتاج وعملية التلقى أيضا.

ومن هنا فإن هذه القراءة تحاول أن تنهض بردم الفجوة القائمة بين البنية الداخلية للنص والبنية الخارجية له، وذلك من خلال عملية المعايشة له.





تابع بوابة الجمهورية اون لاين علي

تابع بوابة الجمهورية اون لاين علي جوجل نيوز جوجل نيوز

يمكنك مشاركة الخبر علي صفحات التواصل

اترك تعليق