كان العلامة الكبير الشيخ محمد بخيت المطيعي- مفتي الديار المصرية السابق، رحمه الله- يبغض المحتل الإنجليزي، ويناضل من أجل استقلال البلاد من هذا المحتل الغاشم، وقد لطم الاستعمار لطمةً قاسية حين أصدر فتوى دينية وطنية بمقاطعة لجنة (ملنر) الاستعمارية التي قدمت إلى مصر في محاولة لتهدئة ثورة 1919م، فسرت مسرى النار في الهشيم، وبددت ما نُسج من الأحلام والأمنيات، وقاطعها الوطنيون جميعًا بناء على فتواه، وقد دار بين الشيخ بخيت واللورد (ملنر) الحوار التالي في بيت الشيخ :
اللورد: إن الإنجليز ساعدوا على رقي البلاد، والحماية لا تضر المصريين في شئ.
الشيخ: إن المصريين يعرفون ما يضرهم وما ينفعهم، ومطالبتهم بالاستقلال هو حقهم المشروع.
اللورد: إن الحماية البريطانية تمنع الدول الأوروبية من الاعتداء على مصر.
الشيخ: إن احتلال بريطانيا لمصر هو عدوان عليها، فهل تقبل بريطانيا من فرنسا أن تعلن الحماية عليها؟
اللورد في غيظ: إن إنجلترا دولة عريقة في الاستقلال، ولا يجرؤ أحد أن يقرب منها.
الشيخ: مصر أعرق من إنجلترا في هذا، وليس لإنجلترا مثل تاريخ مصر الحضاري الأصيل.
اللورد: يحسن أن نتقابل في منتصف الطريق فتهدئوا الثورة.
الشيخ: وعلى إنجلترا أن تبدأ في النصف الأول، فتحقق رغبات المصريين في الاستقلال، ونتعاهد معًا معاهدة الأنداد".
انتهى اللقاء ونُشر ملخصه في الصحف، وقرأه سعد زغلول في باريس، فأرسل إلى حضرة صاحب الفضيلة الشيخ محمد بخيت المطيعي هذه البرقية: «أكتبُ إلى فضيلتكم عن ابتهاجنا العظيم بالأجوبة التي أجبتم بها اللورد (ملنر) في داركم العامرة، فقد أيَّدت الحق بالحجج الناهضة، ودحضت الباطل بالإنارات الواضحة، وكانت أحسن وقعًا وأبلغ أثرًا من المقاطعة، ولا غرو؛ فهي أجوبة أكبر مُفْتٍ في الإسلام، رضي الله عنكم وأرضاكم، وسدَّد خطانا وخطاكم، آمين. سعد زغلول، باريس في 26يناير سنة 1920م"..
اترك تعليق