د. وفاء عبدالسلام تكتب:

من ثمار الإيمان
د وفاء عبد السلام
د وفاء عبد السلام

عندما خلق الله سبحانه وتعالى البشر جعلهم يعيشون في جماعات، وذلك لأنّ الإنسان كائنٌ اجتماعيٌّ بطبعه، يحتاج إلى التواصل مع الآخرين كي يستطيع العيش، ويحتاج هذا التواصل إلى التعاون كي تتحقق الفائدة لجميع الأشخاص الذين يعيشون معاً.


وقد جعل الله التَّعاون فطرة جبلِّيَّة، جَبَلَها في جميع مخلوقاته صغيرها وكبيرها، ذكرها وأنثاها، إنسها وجنِّها، فلا يمكن لأيِّ مخلوق أن يواجه كلَّ أعباء الحياة ومتاعبها منفردًا، بل لابدَّ أن يحتاج إلى مَن يعاونه ويساعده، ولقد سخَّرَ اللهُ الناسَ بعضَهُمْ لبعضٍ، فلاَ يستطيع الإنسان أن يحيا وحده بدونِ تعاونٍ معَ بقية بني جنسه، ولاَ يستطيعُ أحدٌ أن يستقِل بذاته، لذلكَ وجب التعاونِ بين النَّاسِ جميعا حتى تقام المجتمعاتِ وتُبنى الحضاراتِ، وتتقدم الشعوب.

فالتَّعاون ثمرة من ثمار الإيمان، وضرورة مِن ضروريَّات الحياة، التي لا يمكن الاستغناء عنها، فبه يُنْجز العمل بأقصر وقت وأقلِّ جهد، ويصل إلى الغرض بسرعة وإتقان.

كما أن للتعاونِ أهمية كبيرة فِي تَماسكِ المجتمعِ وتقويته ونَشْرِ المحبَّةِ وتحقيقِ التَّكافُلِ بينَ أفراده، والتعاون مطلوب مِنْ كُل أفرادِ المجتمعِ، كُل فِي مجالِ عملِهِ واختصاصه حتى يقوم كل فرد بواجبه على أكمل وجه.

وفي الأسرةِ الواحدة تظهر الحاجة إلى التَّعاونِ بينَ جميع أفرادها مِنَ الزَّوجينِ والأَولاد، فالجميع أمام مسؤولية مشتركة هدفها الأساسي بناء أسرة تكون نواة للمجتمع .

والملاحظ أنَّ نصوص الشَّريعة جاءت بالخطاب الجماعي، فقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوَاْ} وردت تسع وثمانون مرَّة، وقوله: {أَيُّهَا النَّاسُ} وردت عشرون مرَّة، وقوله: {بَنِي آدَمَ} وردت خمس مرَّات، دلالة على أهمية الاجتماع والتَّعاون والتَّكامل.

وقد حثَّ النَّبيُّ ﷺ على التَّعاون ودعا إليه، فقال: ((مَن كانَ معهُ فَضْلُ ظَهْرٍ، فَلْيَعُدْ به علَى مَن لا ظَهْرَ له، وَمَن كانَ له فَضْلٌ مِن زَادٍ، فَلْيَعُدْ به علَى مَن لا زَادَ له)).

وشبَّه المؤمنين في اتِّحادهم وتعاونهم بالجسد الواحد، فقال: ((مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ، إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى)).

وقال: ((المؤمن لِلْمؤْمن كالبُنْيان يَشُدُّ بَعْضُه بَعْضا)).

كما قال: ((يدُ اللَّهِ مع الجماعَةِ)).

لذا دعا الإسلام إلى التعاون، ورغَّب الناس فيه؛ حرصًا على ترابط المسلمين وتماسك وحدتهم، فقال: {وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُواْ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ }.

وقال رسول الله: ((المُسْلِمُ أخُو المُسْلِمِ لا يَظْلِمُهُ ولَا يُسْلِمُهُ، ومَن كانَ في حَاجَةِ أخِيهِ كانَ اللَّهُ في حَاجَتِهِ، ومَن فَرَّجَ عن مُسْلِمٍ كُرْبَةً، فَرَّجَ اللَّهُ عنْه كُرْبَةً مِن كُرُبَاتِ يَومِ القِيَامَةِ، ومَن سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ يَومَ القِيَامَةِ)).

ولقد كان سيدنا رسول الله المثل الأعلى في التعاون، سواء أكان  ذلك داخل بيته أو خارجه

ففي بينه كَانَ يُحقِّقُ مبدأَ التَّعاونِ معَ أهلِهِ، فعَنِ السيدةِ عائشةَ رضيَ اللهُ عنْهَا أنها قالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَخْصِفُ نَعْلَهُ، وَيَخِيطُ ثَوْبَهُ، وَيَعْمَلُ فِي بَيْتِهِ كَمَا يَعْمَلُ أَحَدُكُمْ فِي بَيْتِهِ.

أما خارج البيت فكان يتعاون مع أصحابه في القيام ببعض الأعمال بهمة ونشاط، فبعد هجرة النبي إلى المدينة بدأ في بناء مسجد للمسلمين يصلون فيه، ويجتمعون فيه لبحث شئون حياتهم، واشترك رسول الله بنفسه في البناء، فكان يحمل مثل أصحابه التراب والطوب، وكان عمره في ذلك الوقت ثلاثًا وخمسين سنة، ولم تمنعه سنَّه ولا مكانته العالية من أن يتعاون مع أصحابه في بناء المسجد، وظل يعمل معهم حتى اكتمل بناء المسجد .

وإذا بحثنا عن صور التّعاون في الإسلام لوجدناها عديدة، مثل التّعاون في أداء العبادات، ونصرة الإسلام ونشره، ودفع الشرّعن النّاس، وطلب العلم، وبين المسؤولين الذين تجمعهم مشاريع مشتركة لإنجاز عملهم بما يُرضي الله ويخدم المجتمع .

وقد أقام الإسلام التَّعاون بين المسلمين على أساس مُحْكَم، ومدَّ له في كلِّ ناحية مِن نواحي الحياة بسبب، فأمور الإسلام لا تتحقَّق على وجهها إلَّا بالتَّعاون، ودين الله بنيان شامخ لا يقوم ولا يثبت إلَّا حين تتراص لبناته، وتتضامن مبانيه؛ لتسدَّ كلُّ لبنة ثغرتها.

وإذا كان الله قد خَلَق الخَلْق لعبادته وطاعته فإنَّ هذه العبادات والطَّاعات أنواع منها قلبيَّة عقليَّة كالإيمان، وبدنيَّة كالصَّلاة، وماليَّة كالزَّكاة، ومركَّبة مِن البدن والمال كالحجِّ والجهاد، وكلُّ هذه العبادات بأنواعها لا تقام ولا تشاد إلَّا بصحة الفكر، وسلامة البدن، وسعة ذات اليد ولا تتحقق هذه الأمورإلا بوسائل عديدة كالتَّفقُّه في الدِّين، والإحسان في الأعمال؛ مِن زراعة وصناعة وحرف، وإتقان في العلوم والمعارف؛ مِن الطِّب والحساب والهندسة والمعامل والمختبرات، ولا يستطيع الإنسان بمفرده أن يحقق هذه الأمور، لذا يتبيَّن حاجة النَّاس إلى الاجتماع والتَّآزر، فذلك ما تقتضيه الفطرة، ويتطلبه الدِّين، وتنتظم به الشؤون، وتستقيم به العلوم.

وأخيرا، من أهم ثمار التعاون استغلال الملَكَات والطَّاقات المهدرة الاستغلال المناسب لما فيه مصلحة الفرد والمجتمع





تابع بوابة الجمهورية اون لاين علي

تابع بوابة الجمهورية اون لاين علي جوجل نيوز جوجل نيوز

يمكنك مشاركة الخبر علي صفحات التواصل

اترك تعليق