مدخل شيطاني يضيع الثواب:

التفاخر بالعبادة والتعالي بها علي العباد.. يحول ثوابها لسيئات
التفاخر بالعبادة مرفوض
التفاخر بالعبادة مرفوض

رغم تأكيد الإسلام أن ثواب العبادات بيد الله وحده لأنه يرتبط بالنية المخلصة التي لا يعلمها إلا الله إلا أن البعض أدمن تنصيب نفسه وصيا على عباد الله يدخل هذا الجنة وهذا النار وكأنه الله قد أعطاه توكيلا على عباده ، ويجهل هؤلاء التواضع والمعاملة بالحسنى من أساسيات الإسلام الذي يحس علي محاسن الأخلاق وعدم التفاخر بالعبادة .. من هنا تأتي أهمية هذا التحقيق الذي يكشف الكثير من نقاط الالتباس.   


في البداية يوضح الشيخ كرم بهنسي، من علماء الأزهر، أن هناك أشخاص يقومون ببعض التصرفات في عباداتهم تؤدي إلى أخطاء كبيرة مثل التعالي والتفاخر بالطاعة ولاسيما أن هذا أصبح مرضا نفسيا عند البعض مرفوض فهؤلاء الأشخاص بممارستهم يقدحون في الإسلام بسبب عدم فهمهم له مثل ما نراه من تعالي وتفاخر بعض المنتقبات والملتحين على غيرهم، وصلاة المرأة على الرصيف في المترو أو القطار وكذلك قراءة القرآن بصوت عال في هذه المواصلات فوجب علينا أن نبين مفهوم الإسلام من ذلك : إن مفهوم العبادة في الإسلام أعم وأشمل مما يعتقده كثير من الناس، من مجرد الصلاة والزكاة والصيام والحج والمظهر فقط، ولكن العبادة التي خلقنا الله من أجلها هي تعظيم الله عز وجل والخضوع والتذلل له وإفراده بالطاعة المطلقة

 وأوضح الشيخ كرم أنه لا يتحقق معنى العبودية التي خلقنا الله لأجلها إلا بركنين عظيمين وركيزتين أساسيتين هما غاية المحبة مع غاية الذل والخضوع لله عز وجل ، وكما عرف العلماء العبادة في اللّغة: الخضوع، والتّذلّل للغير لقصد تعظيمه ولا يجوز فعل ذلك إلاّ للّه، وتستعمل بمعنى الطّاعة، وفي الاصطلاح: هي أعلى مراتب الخضوع للّه، والتّذلّل ، وما يفعله البعض من الافتخارُ بالنّفسِ، وتعالي بعض المنتقبات والملتحين على غيرهم، وإظهارُ التعالي والتفاخر بالطاعة واحتقار الأخر والإنكار عليه، أمر مرفوض وهذا نوعٌ من الضَّعف، ودليلُ هشاشَةِ الشخصيَّة، قال الله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ)

ويحذر الشيخ كرم من أخطرُ صور التفاخر التي تُهدِّدُ عقيدةَ المسلم: الرِياءُ الذي وصفَهُ الرسولُ – صلى الله عليه وسلم – بالشركِ الأصغَر، وهو أن يقومَ الرجلُ يُصلِّي، فيُزيِّنُ صلاتَه، لما يرَى من نظرِ رُجلٍ، أو يقرأ القرنَ ليقال قارئ، أو يُلقى بعض المواعظ الدينية بصوت عال في المواصلات العامة والتطرق فيها لموضوعات جدلية تثير بعض الفتنة لا سيما أن ما يطرحون  هذه المواعظ غير متخصصين في الشريعة الإسلامية مما يحدث صداما في بعض الأحيان فينتقل هذا من عبادة إلى بعض صور التفاخر والجدال والتعالي والتباهي والتطاوُلَ والتكاثُرَ المبنيَّ على العُجْب والرِياءِ والكبرياء، قال الله تعالى: (أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ .حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ) والبعض فيهم يبحث عن الشهرة التي هي داءٌ وبَيِلٌ، يطلُبُ وُدَّها الراكِضُون خلفَ السراب، ولو على حسابِ مُخالفةِ الدينِ والأخلاقِ، ويعيشُ طالبُ الشُّهرةِ حياتَه أسيرًا لنظَرَاتِ المُعجَبين، قال النبي صلى الله عليه وسلم: "مَنْ لبِسَ ثوبَ شُهرةٍ ألبَسَه اللهُ يومَ القيامةِ ثوبَ مَذَلَّةٍ". ومن أخطرِ آثار التباهي والتعالي والتفاخر بالطاعة : أنه يُفسِدُ على المسلمِ دينَه؛ فإن الدينَ يفسُدُ بالحرصِ على الشرفِ في الدنيا، خاصةً إذا قصَدَ الرياءَ والسُّمعةَ، فهذا السلوك يُورِثُ الذُّلَّ والصغَارَ والهَوانَ، قال  صلى الله عليه وسلم : «مَن سمَّع سمَّعَ اللهُ به، ومَن يُرائِي يُرائِي اللهُ به "

ويوضح الشيخ كرم أننا الآن نحتاج إلى تديُّن حقيقي: يجعل للحياةِ معنًى ساميًا وهدفًا عاليًا وراحة وطمأنينة ونعيمًا لا يدانيه نعيمٌ إلاّ نعيم الجنّة. لكن بصراحة: لقد شُوِّهت حقيقةُ التديُّن بأفكار وتصورات وأفعال متشددة ومتشنجة لم نراها من قبل مثل ما نراه الآن من قراءة القرآن بصوت مرتفع في المواصلات يشوش على الراكبين ونحن لا نمنع ولكن يستحب قراءة القرآن بصوت يسمع فيه الإنسان نفسه ولا يزعج أحدًا حوله وقراءة القرآن الكريم عبادة تقتضي آدابًا في التلاوة وآدابًا عند السماع؛ من ذلك قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ ، وقول الله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ وكذاك نقول صلاة المرأة في بيتها خيرا من صلاتها خارج بيتها حتى وإن كان داخل المسجد، وإن خشيت المرأة فوات الوقت وضياع الفريضة وهي خارج منزلها فتؤدي صلاتها من وراء ستار أو حجاب يحجبها عن المارة، وعلى النقيض فإنه كما ننبه على احترام ومراعاة الآخر في المواصلات وغيرها فإننا نرى كثير من الشباب يمزحون ويرفعون أصوتهم بكلمات نابية بزعم المزاح والفرفشة وإثارة الضوضاء والشغب في الطرق العامة والمواصلات؟، غير مبالين بحقوق الغير، ولا بآداب الطريق، وفي هذا إثم كبير لآن الله عز وجل يقول «مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ»

وينهي الشيخ كرم كلامه مؤكدا أن  يجب أن نقول لهؤلاء الشباب المسلم لابد أن يلتزموا بالأخلاق الحميدة ويراعوا حقوق الآخرين" قد يتكلم الإنسان بكلمة لا يعي معناها فيشقى بها في نار جهنم فعن أبي هريرة: عن النبي صلى الله عليه و سلم قال:«إن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله لا يلقي لها بالا يرفع الله بها درجات وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالا يهوي بها في جهنم» وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إياكم والجلوس في الطرقات، فقالوا ما لنا بد إنما هي مجالسنا نتحدث فيها، قال: فإذا أبيتم إلا المجالس فأعطوا الطريق حقها، قالوا: وما حق الطريق؟ قال: غض البصر وكف الأذى ورد السلام وأمر بالمعروف ونهي عن المنكر"

ضوابط شرعية

يوضح دكتور أحمد عبد الهادي، عضو الإدارة العامة للفتوى وبحوث الدعوة ديوان عام وزارة الأوقاف ،أن هذا المظهر الشكلي للتدين قد يكون في بعض حالاته تعويضا مظهريا لنقص التكوين الإيماني الباطني، ولابد هنا من بيان بعض الحقائق حتى نكون على بينة من أمرنا في هذا الصدد أن العبادة في الإسلام سبيل لتطهير الأنفس وتزكية الأخلاق، وعبادة لا تظهر آثارها على الفرد خلقا وسلوكا هي عبادة خلت من الروح وغدت شكلا فارغا من أي مضمون، وإذا استعرضنا آيات القرآن الكريم نراها تذكر العبادة وتعقب عليها بآثارها المرجوة يقول الله سبحانه وتعالى عن الصلاة: " وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر" ، ويورد صورة معبرة عن شعيرة الأضحية التي يفعلها المضحي بين الناس فيبين أن الله لا ينظر إلى شكلها الظاهري، وإنما يعنيه منها القلب التقي الذي امتلأ برا وعطفا على الآخرين، قال تعالى:" لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم "

ويشير الدكتور عبد الهادي إلي أن الإسلام المسلم من الرياء الذي يفسد عليه عبادته، ويحثه على أن يستخفي بعبادته، قال تعالى:"فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا"، وذكر أناسا جدوا في العبادة الظاهرية مع سوء سلوكهم فتوعدهم بالويل قائلا:"فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون الذين هم يراءون ويمنعون الماعون"، يظهرون العبادة فإذا طلب منهم الناس العون امتنعوا عنه، ورأى عمر بن الخطاب رجلا يتطوع بالصلاة في المسجد فيطيل، فدنا منه وهمس إليه قائلا: "هذه خير والتي في بيتك خير منها"، وتوعد رسول الله من يظهر للناس خلاف ما يبطن بأن يفضح الله سريرته دنيا وآخرة فقال "من سمّع سمّع اللهُ به، ومن راءى راءى اللهُ به"؛ لذا فإن العلماء جعلوا إظهار العمل لمن كان إماما يقتدي به، جاء في فتح الباري: " فمن كان إماما يستن بعمله، عالما بما لله عليه قاهرا لشيطانه استوى ما ظهر من عمله وما خفي لصحة قصده. ومن كان بخلاف ذلك فالإخفاء في حقه أفضل"

وينهي الدكتور عبد الهادي كلامه قائلا : ليس للإنسان أن يتخذ من عبادته التي يفعلها أمام الناس معيارا لمكانته عند الله، ولا سبيلا للوجاهة بين الناس وليس له أن يتعالى بها على الآخرين، فالله وحده من يعلم المخلص من غيره، لقد جرى حوار رائع بين رجلين عند الرسول صلى الله عليه وسلم فقال أحدهما إنه يبغض الآخر في الله، فلما سأله الرسول عن السبب، قال أنا جاره وأنا به خابر، وجعل يذكر أن جاره هذا لا يصلى إلا الصلاة التي يصليها البر والفاجر، ولا يصوم إلا رمضان الذي يصومه البر والفاجر، وهكذا، فلما توجه إليه الجار بالسؤال عن كل فريضة هل رآه يقصر فيها؟ فأجاب في كلٍّ بالنفي، فقال الرسول لهذا الذي يجعل الظاهر مقياسا للحكم بين الناس:"قم إن أدري لعله خير منك "





تابع بوابة الجمهورية اون لاين علي

تابع بوابة الجمهورية اون لاين علي جوجل نيوز جوجل نيوز

يمكنك مشاركة الخبر علي صفحات التواصل

اترك تعليق