بعض القراء في المحافل العامة أو الخاصة يقرأ آية أو بعض آية بقراءة ثم يكرّرها بقراءة ثانية وثالثة، وهكذا حتى يستوعب جميع الروايات أو أغلبها في الآية، ثم ينتقل إلى الآية الثانية فيسير فيها سيره في الأولى، وهكذا حتى يفرغ من قراءته.
وهذا النهج في القراءة بدعة سيئة ما أنزل الله بها من سلطان. وللأستاذ الدكتور محمد رجب البيومى- رحمه الله- كلام طيب عن هذه البدعة من القراء، وموقف شيخ القراء والأزهر سابقاً منها، فقال- يرحمه الله تعالى-: «نحن نعرف أنَّ للقرآن عدة قراءات، وأن القارئ إذا التزم بقراءة لا ينصرف عنها في المجلس الواحد إلى قراءة أخرى إلاَّ في حلقات (التعلُّم) حين تكون التلاوة لحفظ القراءة في مجلس أئمة المقرئين،
أمَّا ما في المناسبات العامة ذات الحفل المشهور فالقراءة الواحدة واجب مفروض، وقد بلغت الصنعة من قارئ أن يقرأ قول الله تعالى:{وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ} (يوسف: 23) فيكرر عشر قراءات لهذا اللفظ وفي بعضها الشاذ المنحرف الذي لم تأت به قراءة سبعية والسامعون مِن مَنْ ليس لهم علم بالقراءات يتصايحون معجبين، فهل بلغ الهزء بكتاب الله إلى هذا الحد من التسفل البغيض، وقد شاعتْ صورة من هذا المنكر أوائل القرن العشرين فأصدر شيخ المقارئ المصرية إذ ذاك الشيخ محمد خلف الحسيني فتوى بمنع تعدُّد القراءة في المحفل الواحد، إلا في مجالس التعليم عند التلقي من شيوخ القراءات،
ثم أكد شيخ الأزهر فتوى شيخ المقارئ حين دعا هيئة كبار العلماء للنظر في موضوعها فعرضوا نصوص الأئمة من أمثال ابن الجزري، الصفاقسي، السيوطي، الأشموني، الداني، وكلها تجمع على ضرورة الالتزام بالقراءة الواحدة في المجلس الواحد إلا لضرورة التعلم في مجلس التدريس، كما أجمعوا على أنه لا تجوز القراءة برواية غير مشتهرة في بلدٍ لا يقرأ هذه القراءة إلا إذا وجد في المجلس عالمٌ كبير درس القراءة المشار إليها، ليعرف مبلغ القارئ من الصواب، بمعنى أن القطر المصري مثلاً ملتزمٌ بقراءة حفص عن عاصم، فلا يجوز لقارئ أن يقرأ بقراءة ورش عن نافع إلا مع حضور عالم بهذه القراءة، وهذا الشرط قد نستغني عنه الآن، لأن شرائط التسجيل للقراءات المختلفة لا تسجل إلا بعد موافقة الدارسين من ذوي الاختصاص.
قال الشيخ علي محمود خليل: «لا يجوز للقارئ بقراءتين أو أكثر أن يجمع بين قراءتين في مقام واحد، بل عليه أنْ يفرد كلَّ قراءة عن أُختها فيلتزم قراءة واحدة حتى يفرغ من قراءته أو من جملة آيات على قراءة واحدة، ثم يرجع إذا شاء فيقرأ ما قرأه بقراءة ثانية وثالثة وهكذا، وهذه الطريقة تعرف عند القُراء بطريقة الإفراد، لأن القارئ فصل وأفرد كل قراءة على حدة، ولم يدخل على القراءة غيرها، وهذه هي الطريقة المثلى لقراءة القرآن، فهي أبعد عن الخطأ، وأسلم في الأداء، وهي أشبه برد كل حديث إلى سنده الخاص به من غير تركيب للمتن على غير سنده. مذكرات في علوم القرآن للسنة الرابعة، للشيخ / على محمود خليل صـ 46. ويقول العلامة د. محمد أبو شهبة رحمه الله: ولعل في هذا زاجرا، وواعظا لبعض القراء الذين يذهبون جمال القرآن بذكر القراءات في اللفظة الواحدة من غير فصل بين قراءة وأخرى، ويريدون إظهار المهارة في القراءات، وما هو -علم الله- من المهارة في شيء، وإنما هو إغرابٌ وإشكال على السامعين، وعدم مراعاة لما يليق بالقرآن، والتأدب في قراءته.
المدخل لدراسة القرآن الكريم، د. محمد أبو شهبة صـ 396.
اترك تعليق