انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي صفحات مشبوهة تطلب شباب للعمل كمحللين شرعيين بمقابل مادي، الأمر الذي يعيد إلي أذهاننا الفيلم المصري "زوج تحت الطلب" بطولة الفنان عادل إمام والفنانة ليلى علوي، الذي ناقش هذه القضية في إطار كوميدي، ألا أنه أصبح واقعًا يهدد أمن وسلامة المجتمع المصري لأنه ضد الدين والعرف والأخلاق .. فماذا قالت عنها الجماهير والعلماء ؟
في البداية سخر مصطفى. ي " مندوب مبيعات " من هذه الصفحات قائلا : " سبوبة حلوة ومفيهاش مجهود" للاسف شر البلية ما يضحك ، وقد يقبل عليها ضعاف الايمان وعديمي الأخلاق في زمن انتشرت فيه البطالة ، وأنا شخصيا ممن تضرروا من كورونا حيث كنت أعمل مندوب مبيعات في إحدى الشركات قبل أن تقرر الشركة إنهاء خدمتي لتقليص أعداد العمالة وتوفير النفقات.
ويروي مصطفي قصته مع هذه الصفحات قائلا: من عاداتي البحث عن وظيفة على مواقع التواصل وكانت المفاجأة أن قرأت على صفحة فيس بوك تعرض فرص عمل للشباب بأجر مُغري، حاولت التواصل مع مسئول الصفحة وحدد لي موعد للمقابلة وذهبت وأنا في كامل أناقتي كي أحظى بهذه الفرصة، وبعد صولات وجولات من الحديث عن خبراتي السابقة في كافة المجالات التي عملت بها وخاصة في مجال المبيعات ، كانت المفاجأة الكبرى حين طلب منى هذا الشخص أن أعمل كمحلل شرعي واستخدم حينها كافة أساليب الضغط النفسي والمادي كي أقبل التجربة.
وأشارمصطفى إلى أن العرض كان مغريًا للغاية إذ طلب مني إبرام عقد زواج من امرأة مطلقة كي تتمكن من الرجوع مرة أخرى إلى زوجها وأولادها ولم شمل العائلة مجددًا بمقابل مادي 3000 جنيه، ترددت كثيرًا في البداية ألا أن حاجتي للمال أجبرتني على الموافقة دون علم أهلي مع العلم إنني لم يسبق لي الزواج من قبل.
وأكد أنه تزوج مرتين بهذه الطريقة ويتم الطلاق بعدها بمدة أقصاها أسبوع، وخلال هاتين المرتين لم يدخل بزوجاته ولم يتمكن من إقامة علاقة معهما، ولم يلتق بزوجاته وجهًا لوجه، فقط كان زواج على ورق.
ويبررمحسن ع، سائق تاكسي، مطلق وليس لديه أولاد عمله كمحلل قائلا: أقدم رسالة إنسانية ألا وهي الحفاظ على البيوت من الخراب ولم شمل العائلات التي يدخل بينها الشيطان وتورط الزوج في الطلاق للمرة الثالثة ، وأضاف للأسف عملت كمحلل شرعي بشكل متقطع بجانب عملي كسائق حيث تزوجت 6 مرات من نساء يكبرونني سنًا، وأخريات يصغرونني، واختليت باثنين منهما خلوة شرعية وهذا كان اتفاق الزوج معي كي لا يقع في براثن الحرام، والباقيات كان الزواج بهن على الورق فقط.
وأشار إلى أن سعر الزيجة ليس ثابتا بل يتغير بتغير ظروف الزوجين المادية، فمنهم من يدفع 5 آلاف جنيه ومنهم من دفع 1000 جنيه فقط.
مرفوض شرعا
أصدرت دار الإفتاء المصرية بيانًا حول هذه القضية أوضحت فيه آراء أئمة الإسلام حول هذه القضية، حيث ذكرت في حكم التحليل أنه " ذهب كلٌّ من المالكية والشافعية والحنابلة إلى بطلانه، إذ قال الماوردي "إذا اشترط في عقد النكاح أن يتزوجها على أنه إذا أحلّها بإصابة للزوج الأول فلا نكاح بينهما، فهذا نكاح باطل، والدليل على بطلانه ما رواه الحارث الأعور عن علي، ورواه عكرمة عن ابن عباس، ورواه أبو هريرة كلهم بروايته عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لعن الله المحلِّل والمحلَّل له)، ولأنه نكاح على شرط إلى مدة، فكان أغلظ فسادًا من نكاح المتعة من وجهين: أحدهما: جهالة مدته، والثاني: أن الإصابة فيه مشروطة لغيره، فكان بالفساد أخص، ولأنه نكاح شرط فيه انقطاعه قبل غايته، فوجب أن يكون باطلاً".
وأوضحت دار الإفتاء أن هذا الزواج باطل عند الإمام مالك، وكذلك عند الحنابلة في ظاهر المذهب، ومكروه عند الشافعية، حيث قال الدمياطي: "ولا يصح النكاح مع توقيته، أي حيث وقع ذلك في صلب العقد، أما لو توافقا عليه قبل ولم يتعرضا له في العقد لم يضر، لكن ينبغي كراهته".
حرام شرعا
عن حكم الشرع فيما تفعله هذه الصفحات والقائمين عليها أكد الدكتور محمود عبد السلام، أستاذ الشريعة والقانون بجامعة الأزهر ، أن الشريعة الإسلامية حددت شروطا واضحة كي تكون الزيجة صحيحة وحلال، أولها موافقة الطرفين فلا يجوز شرعًا إتمام الزواج في حالة رفض طرف من الأطراف، أما الشرط الثاني يستوجب وجود ولي سواءًا كان والدها أو شقيقها أو عمها أو جدها ثم ابنها، ثم الأخ الشقيق والأخ لأب، ثم الأقرب فالأقرب، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم "أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل. فنكاحها باطل. فنكاحها باطل".
وأشار الدكتور عبد السلام إلى أن الإشهاد على الزواج من أهم الشروط التي وضحتها الشريعة الإسلامية لإتمامه بشكل شرعي لقول النبي صلى الله عليه وسلم " لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل"، أما الشرط الأخير فهو خلو الزوجين من موانع النكاح بمعنى خلو الطرفين من موانع الزواج وألا يكون أخًا لها في الرضاعة أو اختلاف الأديان فلا يجوز أن تزوج المسلمة لآخر يحمل ديانة غير الإسلام.
وأوضح أن الدين الإسلامي اشترط نية دوام الزواج وحرم الزواج المؤقت والمشروط بمدة معينة، وبالتالي في الزواج الطبيعي الدائم إن وقع خلاف بين الطرفين أدى إلى استحالة العشرة فيقع الطلاق، أما وجود زوج محلل لإبرام عقد زواج وهمي ومن ثم يطلقها فهذا يعتبر "زنا" حتى في حالة موافقة الزوج الأول، وفي حالة نكاحها بغرض تحليل الزيجة يعد تعديًا واضحًا على أحكام الشريعة الإسلامية نظرًا لأن شروط الزواج هنا ليست مستوفاة، ولا يعد زواجاً حلالاً ، وهذا المحلل غير الشرعي ما هو الا تيس مستعار .
وباء اجتماعي
عن التشخيص الاجتماعي لهذه القضية قالت الدكتورة هند البلاسي، أستاذ علم الاجتماع: إن مصر تعاني من انتشار الطلاق بشكل كبير، وهذا يرجع إلى عدة أسباب أهمها قلة وعي الزوجين بمسئوليات الزواج وتسرع الأزواج في إطلاق عبارات وألفاظ الطلاق بشكل دائم دون وجود أسباب حقيقية.
وأضافت أن رغبة المطلقين في الرجوع مرة أخرى خاصة في حالة وجود أطفال يجعلهم يلجأون لمثل هذه الحيلة التي يتحايلون بها على القانون وعلى الدين وعلى المجتمع، ورغبة المحللين في الحصول على المال دون أي جهد أو تعب مقابل عملهم كأزواج على الورق.
وأنهت الدكتورة البلاسي كلامها مؤكدة أن بعض الشباب مصابون بالكسل المفرط والتواكل، فيلجأون إلى الحيل السهلة البسيطة التي تجلب المال دون تعب وعناء، كما أن انتشار المحللين والإعلان عنهم على صفحات التواصل الاجتماعي خطر كبير يهدد أمن وسلامة المجتمع ويفقده توازنه ولهذا فإنه يجب على القائمين على وزارات الإعلام والثقافة والتعليم والتضامن الاجتماعي وغيرها بعقد دورات تدريبية للشباب وتوعيتهم بمسئوليات الزواج وأهمية العمل.
اترك تعليق