نشأ الشيخ هانى سعد- إمام الجامع الأزهر- المولود فى عام 1980 بقرية القشيش، مركز شبين القناطر، قليوبية، فى أسرة شرّفها الله تعالى بحمل القرآن الكريم، بداية من الجد ومرورا بالأب والأعمام، الكل كان حافظا متقنا لكتاب الله، حيث تتلمذ على يد والده الشيخ سعد محمود عبدالوهاب- مقيم شعائر مسجد سيدنا الحسين رضى الله عنه بالقاهرة- الذى أصرّ على أن يحوِّل ولده من التربية والتعليم والتحق بمعهد قراءات الخازندارة بشبرا، ليتعلّم على القراءات، وقد أتمّ دراسته والتحق بعدها بكلية علوم القرآن الكريم والقراءات بطنطا ليواصل الابن المبارك المسيرة مع االقرآن الكريم والعلم حتى شرفه الله تعالى بإمامة المسلمين بقبْلة الجامع الأزهر الشريف، وعقب فوزه فى انتخابات مجلس نقابة قراء القرآن الكريم التقيناه وأجرينا معه الحوار التالى.
* كيف تلقيتم خبر فوزكم بعضوية مجلس إدارة نقابة القراء؟
** أقسم لك بالله أننى عندما تلقيت النبأ عن جريدة "عقيدتى" شعرت وكأننى أجنى ثمار ما زرعه أبى فى السابق، حيث كان شديد التعصّب لأن أكون ضمن مشاهير القراء والعلماء، والحمد لله الذى أرضاه عنى قبل مماته وبعد وفاته، وأتعهد من خلالكم فأنتم مرآة الحقيقة أمام العالم، أن أعمل مخلصا ومجدّا ومجتهدا بأن أواصل خدماتى للقرآن الكريم وأهله وكذا الزملاء فى مجلس إدارة النقابة.
وصية واجبة
* وبماذا توصى أهل القرآن والزملاء فى مجلس النقابة، وأصحاب المناسبات (الحفلات والسهرات)؟
** أولا: أقول فى وصيتى لأهل القرآن: اتقوا الله فى القرآن، واجعلوه رسالة سامية للقلوب قبل أن تجعلوه تجارة تجنوا من خلالها الأموال، وذلك بإتقانكم للقرآن، حفظا وتجويدا وتدبرا، واعلموا أن ما خرج من القلب لابد أن يصل إلى القلب، وما يخرج من اللسان مختالا لا يتعدى الآذان.
أما وصيتى لزملائى فى مجلس النقابة فهى ليست بوصية، وإنما هو رجاء لأن معظهم مشايخى وأساتذتى، ورجائى هو: ألا نجامل على حساب القرآن أحدا مهما كانت درجته، لأن القرآن هو كلام الله عزَّ وجلَّ، وكذلك التهاون فى حق من يأخذ القرآن تجارة دون علم واتقان وحفظ، ليكون عبرة لمن يتجرّأ على كتاب الله سبحانه وتعالى، فأنا بدورى خادم للقرآن مع باقى أعضاء المجلس الموقّرين ولن نرضى أن نُرضى الناس على حساب رب الناس.
أما العامة من الناس الذين يقومون بعمل المحافل والمناسبات فأقول لهم: لابد أن تنتقوا من تقومون بدعوته للقراءة، ولا تجعلوا الأموال والتغالى فى ذلك هو العامل الأساسى للتقييم، فمن الممكن أن يكون القارئ متغال فى أجره وهو لا يلم بأحكام القرآن.
من الأزهر للعالمية
* لمن تدين بالفضل فى رحلتك مع القرآن والعلم منذ نعومة أظافرك؟
** أدين بالفضل والشكر والتقدير لوالدى وكذلك أساتذتى ومشايخى الذين تلقيت على يديهم الأسانيد المتصلة والمتواترة عن سيدنا رسول الله فى القراءات العشر للقراءة والإقراء، وكان والدى رحمه الله قد ألحقنى بمكتب شيخنا الجليل العلامة محمد عبدالغنى درويش، وكان قطبا ورعا تقيا نقيا وعالما لكتاب الله بقراءاته السبع، فدخلت الكلية وأنا مُلم بجميع القراءات، ثم عيّنت بعدها مدرسا للقرآن الكريم والتجويد والقراءات، حتى منَّ الله علىَّ وتقدّمت لاختبارات إمامة الجامع الأزهر الشريف، ونلت شرف إمامة المصلّين بقبْلة الوسطية فى العالم أجمع، قبْلة الجامع الأزهر، التى قامت وما زالت وستظل هى القبلة الوسطية الأولى فى العالم الإسلامى أجمع، وبجانب عملى الأساسى بالأزهر عملت شيخا لمقرأتين تابعتين لوزاة الأوقاف، مع قراءة سورة الجمعة بالجامع الأزهر، وكنت عضوا فى نقابة القراء المصرية، إلى أن منَّ الله علىَّ ونلت شرف أن أكون عضوا فى مجلس الإدارة.
مكة المكرمة
*حدثنا عن سفرياتك حول العالم كقارئ وعالم؟
** بدأت رحلتى فى السفر بالمسابقة الدولية لحفظ القرآن وتلاوته وتجويده وتفسيره، والتى أقيمت بمكة المكرمة، وحصلت فيها على المركز الثالث على مستوى العالم عام 1997م، ثم رجعت إلى السعودية للمرة الثانية، حيث عملت محاضرا للقراءات وعلوم القرآن بقسم الدراسات القرآنية بكلية المعلمين التابعة لوزارة المعارف السعودية بحائل فى شمال المملكة لمدة عامين، ثم سافرت بعدها إلى عدة دول لإحياء ليالى شهر رمضان المعظم، ومنها: كندا- إسبانيا- البوسنة والهرسك- بلجيكا- مالى- استراليا، وشرفت برفقة العديد من مشايخنا القراء منهم المشايخ: محمود إسماعيل الشريف، حلمى الجمل، عبدالله عمران، محمد السيد ضيف، جمعة مختار، وغيرهم الكثير.
إلا رسول الله
* كعالم أزهرى، ماذا يكون ردكم على المسيئين وبماذا توصى الشباب الغيور على شفيع الأمة صلى الله عليه وسلم؟
** يكون الرد أولا بالقرآن، حيث قال ربنا لنبيه: "ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون"، فالله وحده هو الذى يستطيع أن يرد على الإساءة، حيث توعّد هؤلاء بقوله: "والذين يؤذون رسول الله لهم عذاب أليم"، فالله هو الذى يعرف قدر نبيّه، وهناك مقولة أرددها عندما أسمع عن تلك الإساءة قد قالها عبدالمطلب بن هاشم جد النبى الكريم، عندما أتى أبرهة بالجيش ليهدم الكعبة فقال: إن للبيت ربًّا يمنعه ويحميه. وأنا أقول إن لمحمد صلى الله عليه وسلم ربًّا يعلم قدره ولولاه ما خلق الله الكون هذا، والله وحده من يستطيع أن يقتص ممن تجرأ على سيدنا رسول الله، رسول الإنسانية جمعاء.
أما عن وصيتى للشباب الغيور على شفيع الأمة فأقول: غيرتكم على سيد البشرية والإنسانية لا تكون إلا بالتسامح ونشر قيم ومبادئ الإسلام والتمسك بتعاليم سيدنا رسول الله والرجوع إلى الله واللجوء إليه لعلَّ ذلك يكون سبيل النجاة والمخرج من تلك الأزمات المتتالية التى تمر بها البلاد، ولعلَّ الله أن يرفع برجوعنا إليه وتضرّعنا هذا شرّ البلاء والوباء الذى أصاب جميع البلدان، فاعلم أنه جند من جنود الله سبحانه وتعالى، أرسله إلى الناس نذيرا لما بعد ذلك كما أعلم أننا إن عدنا إلى الله ورجعنا إليه فسوف يكشف عنا ما نحن فيه من بلاء ووباء.
سلام وأمان
*رسالة تبعث بها فلمن تكون وما فحواها؟
**أبعث برسالتى إلى جميع شعوب الأرض من مشارقها إلى مغاربها أناشدهم فيها بالتمسك بقيم التسامح ونبذ العنف وحفظ الدماء والتعايش فى سلام وأمان، فالقرآن قال فيه ربنا: "لكم دينكم ولى دين" والرسول صلى الله عليه وسلم كان يعامل كل الناس، حتى اليهودى نراه وقد رهن درعه عند رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمانته، وقد قام بأخذ المعاهدات والمواثيق التى تضمن لليهود والمسلمين حقوقهم على حد سواء المعيشة فى سلام وأمان.
* و ماهى أهم أدوات نجاحك؟
** أهم الأدوات التى وصلت بها هى حب الناس وتقدير من يستحق وتشجيع من يريد الوصول إلى هدفه المنشود، وكذلك عملى الدؤوب على تحصيل العلم والعمل بما أعلم، ومحاولة أن أتعلم ما لا أعرف، وكنت دائما أحاول أن أستفيد من نصائح الآخرين.
* أمنية تريد تحقيقها، فما هى؟
** أتمنى من الله أن يجعلنى ما دمت حيا فى خدمة كتاب الله الكريم. وأريد أن تكون مصرنا الحبيبة رائدة دول العالم فى جميع المجالات، وأن يوفق ولى الأمر للعمل إلى هذا فهو لا يتوانى لحظة واحدة فى العمل على نهضة مصر وريادتها.
إمام الطيبين
* من يكون مثلك الأعلى على مستوى القراء والعلماء؟
** أبدأ الحديث بمثلى الأعلى من العلماء فهو سيدى وإمامى وإمام جميع المسلمين سيدنا الولى د. أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف.
أما عن مثلى الأعلى من القرّاء فهم كثر وعلى رأسهم سيدنا الشيخ مصطفى إسماعيل، وخليفته فى القراءة والمدرسة النغمية سيدنا الشيخ راغب غلوش وسيدنا الشيخ محمد عبدالعزيز حصَّان ومشايخنا الشحات أنور، محمد عبدالوهاب الطنطاوى والكثير من عظماء القراء من القدامى والجدد وجيل الوسط.
وفى مجال العلم والعلماء تأثرت بشيخى د. جودة أبو اليزيد المهدى- عميد كلية القرآن الكريم- وكذلك أستاذى د. عبدالكريم صالح، د. حمدى سلطان، د. إبراهيم الهدهد، د. أحمد ريان.
ومن السادة القراء تأثرت بهرم مصر فى التلاوة شيخى راغب غلوش الذى كنت أعشق سماعه على الطبيعة ومعى صديقى الشيخ مسعد بدير والشيخ محمود البرعى.
تسامح وترابط
*ماذا تقول فى الأزهر ورجاله وفضيلة الإمام الأكبر؟
** الكلام مهما طال فى هذا الأمر فلن يفى الأزهر ورجاله حقهم، فالأزهر قبْلة الوسطية والاعتدال والتسامح والتراحم والترابط، وكان ومازال وسيظل يدعو إلى القيم السامية المتمثلة فى شيخنا وقدوتنا وإمامنا فضيلة د. أحمد الطيب- شيخ الأزهر- الذى استحق أن ينال شخصية العام فى التسامح والتراحم على مستوى العالم.
اترك تعليق