طغت على مجتمعنا المعاصر العديد من الظواهر الاجتماعية الشاذة الغريبة والبعيدة عن ثقافتنا وعادتنا وتقاليدنا التي تربّينا عليها ومنها "التَشَفِّي" في المصائب، وكانت وسائل التواصل الاجتماعي إحدى الأدوات الأساسية في السخرية والتشفي في مصائب الغير، فلماذا وصلنا الى هذا الحال وتخلّينا عن اهم تقاليدنا التي تميزنا كمصريين على مدار التاريخ؟!
يوضح د. يحيى هاشم- استاذ علم الاجتماع- أن هذه الظواهر الغريبة تعكس تأثيرا سلبيا بالغ الخطورة على المجتمع حيث اهملت الاسرة في استمرار تعليم الابناء كل العادات والتقاليد التي تميّزنا في ظروف انشغال الاب بالعمل طول اليوم وانخراط بعض الأُمهات في اهتمامات اخرى للحياة تختلف باختلاف الطبقة الاجتماعية بعيدا عن الجلوس اليومي مع الابناء والتواصل معهم لمعرفة ما يتعرضون له خارج المنزل ومشاركتهم اهتماماتهم المختلفة حتى يتمكن الآباء من توصيل العادات والاخلاق والتقاليد للابناء بشكل غير تقليدي يتقبّله أبناء الجيل الجديد.
الدراما الخاطئة
ويحذر د. يحي من ان الاعمال الدرامية التي تبرِز دائما القيم السلبية في المجتمع على انها حالات عامة وليست حالات شاذة تؤثر في وجدان الابناء مما ينعكس على سلوكهم وكذلك ظهور بطل العمل الدرامي وهو في قمة السعادة في حالة التشفّي مثلا في مصائب الغير وشعور الانانية وحب الذات والمتعة في الانتقام كلها ترسم صورة ذهنية خاطئة ترسخ في عقل الأبناء ويتحول سلوكهم الى الاتجاه السلبي تلقائيا، ولاشك ان الخطاب الديني من المتخصصين يحتاج الى اعادة نظر قوية ليكون مؤثرا في توجيه سلوك المجتمع كله ويهتم اكثر بالجوانب الاخلاقية التي تحث عليها الاديان ليكون هناك وازع ديني سليم يعد مرجعية لنا جميعا في كل سلوكياتنا وتعاملاتنا، وعلينا جميعا ان نعرف جيدا ان كل منا معرّض لان تحدث له اي نوع من المشكلات والمصائب في حياته، فهل نحب ان يتشفّى فينا الناس ام نحتاج وقتها الى من يقف معنا ويدعمنا ويقدم لنا يد العون والمساعدة لتخطي هذه الازمات؟!
ويضيف د. يحى: ان آليات هدم وتفكيك المجتمعات تركز بشكل اساسي على طمس الهوية ومحو العادات والتقاليد في المجتمع وتصدير السلوكيات الشاذة على انها حالة عامة لكي يتحول المجتمع الى صورة بلا لون ولا طعم ويفقد بصمته التي حفرها في التاريخ على مدار الاجيال، لذلك علينا ان نفهم جيدا ان انجرافنا وراء اي عادة سلبية في المجتمع مثل التشفي هو تدمير لقيم المجتمع ويجعلنا نسهم في بناء جيل كامل لا يقدر شيئا مما يؤدي الى تفكيك المجتمع وانهياره وفقدان هويتنا التي تميزنا بين شعوب العالم.
أرباح المصائب!
ويوضح د. سليمان زهران- خبير الصحة النفسية والعلاقات الأسرية- أن التشفى في مصائب الآخرين أحد أبرز المظاهر السلبية المنتشرة خلال الحقبة الراهنة الذي انتشرت فيه الكثير من وسائل اعلام التي تخلَّت عن جوهر رسالتها السامية الثقافية التنويرية الاخلاقية وبحثت عن الربح، وقد ساهم المتعصّبون في انتشار وترويج هذا النمط من الاعلام، فنجد قنوات تفسح الكثير من الوقت لاستضافة شخصيات بهدف تأجيج الرأي وإبراز تصريحات مثيرة ضد الخصوم وهو ما يُثير حالة من المتابعة فى انتظار ردود الخصوم ومناصرى الفريقين، وبدلا من اقامة حوار هادف بناء اوجد حالة صراع وخلاف! وبدلا من تقريب وجهات النظر والاعتراف وتقبّل الآخر سادت حالة من الخلاف والصراع الرابح منها اصحاب تلك القنوات من تحقيق نسبة متابعة تعود بالربح على القناة، وهو الامر المرفوض اجتماعيا ودينيا.
ويضيف د. زهران ان انتشار ظاهرة التشفى في مصائب الاخرين سواء في الرياضة او غيرها جعل المنافسة صراعا بلا اخلاق، واذا كان التعاطف ومشاركة احزان الآخرين تساهم في تعزيز العلاقات الاجتماعية وتقويتها فإن التشفّى يؤدي الي التفكك والتعصب والعدوان والجريمة في النهاية، وهو امر لا يمكن لاي مجتمع يسعى للارتقاء ان يبقى عليه وهو ما يضع المسئولية على الدولة بكافة مستوياتها والاعلام بخاصة للحد من انتشاره.
ويشير د. زهران إلى أن القانون هو حائط الصد الاول للتخلص من تلك المظاهر لان من ينشر تصريحات تتضمن اساءة للخصوم او التشفى فيهم غالبا ما يعتقد انه بعيد عن المساءلة، كما ان وسائل الاعلام يمكن ان تساهم في نبذ هذه الظاهرة من خلال منابرها المختلفة بالتوعية بها واثارها على الفرد والمجتمع وبدلا من استضافة شخصيات متعصّبة تتم استضافة شخصيات معتدلة قادرة على الحكم على الامور بمنطقية وتطبيق الميثاق الاعلامي على كافة العاملين سواء بالقطاع العام او الخاص وتفعيل دور الرقابة الاعلامية.
احذر الابتلاء
ويؤكد د. صالح الأزهرى- عضو لجنة الفتوى بالأزهر- أن من اعظم ما يبتلي به الإنسان القلب القاسي فيصاب به هو داء الشماتة بإخوانه المسلمين وهذا الداء العضال الذي أصاب تلك النفوس المريضة التي ما تسلل الإيمان الي قلوبهم، والأمر الغريب حينما يشمت بمصائبك أقرب الناس إليك ومن ظننت أنهم من أبناء دينك وجلدتك! والمحزن حقا حينما يشمت المسلم في الموت فيبرز اعلام لا يتقي الله ولا يراقبه ولا يراعي مشاعر الناس ومصائبهم وهذا ذنب عظيم يقع فيه هؤلاء الشامتون، فالمسلم الذي يؤمن بالأقدار خيرها وشرها كيف له ان يبيح لنفسه الشماتة من أخيه الذي اصيب بمصيبة في نفسه او ماله او أهله؟! حتى وإن كنت تخالفه أو تختلف معه في أمر من الأمور ألم تقرأ وتستمع إلي ما رواه الإمام البخاري في صحيحة "أن النبي صلى الله عليه وسلم مرّت به جنازة فقام، فقيل له: إنها جنازة يهودي! فقال: أليست نفساً؟!"
ويوجِّه د. صالح سؤالا لهذا الشامت المسرور بمصائب غيره: أما تخشى أن يبتليك الله بمثل ما ابتلي به أخيك وزيادة؟! كيف يكون حالك وما سشعر به وانت تنظر في عيون وأحوال شامتيك؟! أوليس قلبك سيتقطّع ألما وحسرة ويزداد وقع مصيبتك في قلبك؟! ألم تسمع اخي ما ورد في الأثر "لا تظهر الشماتة لأخيك فيرحمه الله ويبتليك"؟!
اترك تعليق