قضية زواج المسلمة بغير المسلم والتي طرحتها د. آمنة نصير، أثارت جدلاً وغضباً كبيراً بين عامة الناس خاصة على مواقع التواصل الاجتماعي، مما جعل الكثير من العلماء ينتفضون للرد عليها وعلى هذه الفتوى وغيرها من الفتاوى والقضايا الدينية التي تتعارض مع الثوابت الدينية القطعية التي لا تقبل الاجتهاد خاصة مع وجود نص قرآني أو دليل من السنة النبوية.
لم تكن هذه المرة الأولى التي يثير فيها البعض جدلاً فقهياً في القضايا الدينية تحت مسمى "تجديد الخطاب الديني"، حيث دأب بعض العلماء على فترات زمنية متباعدة على الخوض في بعض الثوابت الدينية بحجة تجديد الخطاب الديني.
د. شعبان إسماعيل: الأحكام القطعية.. خط أحمر
د. أحمد كريمة: مخطط لصياغة إسلام جديد!
د. فرج علي: تشويه لصورة الإسلام وتشكيك في الأحكام
فقد أثار د. سعد الدين الهلالي- أستاذ الفقه المقارن بجامعة الأزهر- الجدل أيضاً عندما تحدث عن قضية المواريث، وهي من القضايا المعلومة بالدين قطعاً، ومن الثوابت التي ورد فيها نص، كما جاءت في آية المواريث بسورة النساء، ولكن الهلالي قال "إن المواريث من الأمور المدنية"، وطالب بإعادة صياغة المواريث الشرعية، وبالتالي يجوز التغيير والتحديث فيها.
وهذا التجديد الذي طرحه الهلالي، وعلى حسب علماء الأصول بالأزهر؛ يتنافى مع الشريعة الإسلامية، لأن الأحوال الشخصية من فقه الأسرة والمواريث في رأيهم ليست من الأمور المدنية بل هي دينية ثبتت بنصوص من القرآن والسنة، ومن المسلَّمات التي عليها إجماع، ولا تقبل الاجتهاد في الحاضر أو الماضي أو المستقبل حتى ولو كان تحت مسمى "تجديد الخطاب الديني.
لم تتوقف محاولات العبث بالثوابت الدينية على "نصير" و"الهلالي" بل سبقهم إلى ذلك الشيخ خالد الجندي عندما صرح في إحدى الفضائيات بأن القانون هو الشريعة وأنه يجب التحاكم للقانون حتى في الأمور الشرعية، وعندما سأله د. أحمد كريمة في أحد البرامج: أن القانون الوضعي إذا أجاز استيراد الخمور وصناعتها نقول نعم؟ قال الجندي: نعم طاعة للحكومة.
تطاول على الشريعة
علماء الشريعة وأصول الفقه بالأزهر رفضوا العبث بالثوابت الدينة تحت مسمى تجديد الخطاب الديني، وأكدوا لـ"عقيدتي"، أن هناك فرقا بين التجديد بدواعيه وضوابطه، والتجديد كخطط ممنهجة لتمييع الدين، وإحلال قوانين وضعية وأعراف بيئية وخطط وضعها غلاة مستشرقين بمراكز بحثية ينفذها عملاء على قدم وساق.
ورداً على هذا العبث بالثوابت الدينية قال د. شعبان إسماعيل- أستاذ أصول الفقه بجامعة الأزهر-: اقتضت حكمة الله تعالى أن تكون شريعة سيدنا محمد- صلى الله عليه وسلم- خاتمة الشرائع السماوية إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، ومن أهم خصائص هذه الشريعة أن أحكامها على نوعين، الأول: أحكام قطعية لا تقبل الاجتهاد ولا اختلاف الرأي، كالفرائض المعروفة، وكحرمة الزنا والقتل والسرقة، وسائر المحرمات، وبيان أنصبة المواريث، وسائر ما حددته الشريعة بأعداد معينة.
أضاف: أما النوع الثاني: فهو الأحكام الظنية، وهي التي تقبل الاجتهاد واختلاف الرأي، وهى كثيرة في الشريعة الإسلامية، وجاءت فيها أحكام شرعية في القرآن الكريم والسنة النبوية الصحيحة، مدللاً على كلامه بأن الشريعة الإسلامية أوجبت للمطلقة مُتعة بدون تحديد، حتى تقبل هذه المتعة اختلاف العلماء في المقدار المُحدد لاختلافها باختلاف الزمان والمكان، مؤكداً أن هذا نوعٌ من أنواع التجديد الذي ينادي به هؤلاء المُغرضون.
وأشار إلى أن الشريعة الإسلامية أكدت على ذلك من خلال الأحاديث النبوية التي شرعت الاجتهاد فيما لا نص فيه من القرآن أو السنة، وهذا عين التجديد الذي ينادون به، وأنه لا أدل على ذلك من حديث معاذ رضي الله عنه لما بعثه الرسول إلى اليمن فقال له: "كيف تقض إن عرض لك قضاء؟" قال: أقضى بما في كتاب الله. قال: "فإن لم يكن في كتاب الله؟" قال: فبسنّة رسول الله. قال: "فإن لم يكن في سنة رسول الله؟" قال: أجتهد رأي لا آلو.
وأكد د. شعبان أن أحكام الشريعة الإسلامية القطعية لا يجوز المساس بها أو الاجتهاد فيها بأي وجه من الوجوه، أو لأى سبب من الأسباب، لأن ذلك يُخالف ما جاء في سنة رسول الله من الأحاديث الكثيرة التي تحث على العمل بالقرآن الكريم وبسنة رسوله، ومنها: "تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما، كتاب الله تعالى وسنَّتي".
وشدّد على أن الأحاديث التي تشرع الاجتهاد، إنما هي فيما لا نص فيه من القرآن الكريم أو السنة النبوية، والخروج على هذا المنهج إنما هو تحريفٌ وتطاولٌ على الشريعة الغراء التي جاء بها القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، قال تعالى: (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ)، ومشروعية الاجتهاد إنما تكون عندما لا يكون هناك دليلٌ قطعي من القرآن الكريم أو الصحيح من السنة النبوية. و"دعوى تجديد الخطاب الديني التي يتعلّقون بها قديمة في جوهرها منذ عهد الرسول وإن اختلفت في التعبير عنها".
جريمة كبرى
يؤكد د. أحمد كريمة- أستاذ الشريعة الإسلامية والفقه المقارن بجامعة الأزهر- أن العمل العلمي السليم لابد فيه من إدراك الفروق بين الانفتاح والانهيار، والتطور والذوبان، والمعاصرة والهيمنة، والتحديث والمحو، وينبغي النظر بعينين وبنور البصيرة إلى ذلك وتداعياته وآثاره خاصة عند وجود محاولات وخطط مُمنهجة لقلع الثوابت ومحو الأصول وبتر الحاضر عن الماضي.
ومعلوم أن الله سبحانه وتعالى أنعم على هذه الأمة على وجه الخصوص في قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِينًا﴾، وأن النبي قال: "تركتكم على المحجة البيضاء"، وقال: "وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة"، ومعلوم أيضا أن الإسلام فيما يخص الأحكام العملية، توجد الشريعة وهي النصوص الشرعية في القرآن الكريم وما صحت نسبته إلى النبي، وهذه النصوص ورودها قطعي في القرآن والسنة المتواترة، ودلالتها في أصول الأحكام قطعية.
وأشار إلى أن هناك دلالات ظنية في الفقه الإسلامي، محذراً من عدم الخلط بين الشريعة والفقه، "إن ما استقرت عليه الأحكام في التشريع الإسلامي؛ تُعد مسلَّمات وثوابت ومعلوم من الدين بالضرورة، وهي مسلَّمات شرعية في الماضي والحاضر والمستقبل لا تقل قوة عن المسلمات العقلية، ولا تقبل التجديد أو التغيير أو التبديل تحت أية ذريعة".
ولفت إلى سعي البعض لإنفاذ خطة موجهة لصياغة إسلام جديد وهذا السعي جريمةٌ كُبرى، لأنها مساس بالإسلام نفسه وبكيانه وذاته وشعائره ووجوده ومقاصده، والاعتداء على الثوابت الدينية؛ هو اعتداء على ديمومة الإسلام، فهناك فرق بين التجديد بدواعيه وضوابطه، والتجديد كخطط ممنهجة لتمييع الدين، وإحلال قوانين وضعية وأعراف بيئية وخطط وضعها غلاة مستشرقين بمراكز بحثية يُنفذها عملاء على قدم وساق، قال تعالى: ﴿ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوب﴾.
العبث بالثوابت الدينية
يوافقهم الرأي د. فرج علي السيد- أستاذ أصول الفقه بجامعة الأزهر- مؤكداً أن الثوابت بنصوص قطعية لا مجال للاجتهاد فيها إطلاقاً بالاتفاق فلا اجتهاد مع النص، مثل الثوابت التي ثبتت بالدليل القطعي كالحج مرة في العام والصيام، وأن هذه الثوابت لا تتغير بتغيير الزمان والمكان ومصالح الناس والفتاوى العصرية، وهذه قضايا قطعية، فالله سبحانه وتعالى أعلم بمصالح العباد في الزمن الماضي والحاضر والمستقبل، ويعلم أن هذه الثوابت باقية إلى يوم الدين ولا يجوز الاقتراب منها ولا التدخل من البشر.
وأشار د. فرج إلى أن هناك أمورا ثبتت بدليل ظني أو تحتمل الاجتهاد، وقابلة للتغير بحسب الزمان والمكان، مثل عدم جواز أخذ الأجرة على الإمامة والصلاة بالعباد في الجيل الأول وتعليم العلوم الشرعية، وهي الفتوى التي غيَّرتها "الحنفية" في القرن الرابع والخامس الهجري، حيث أجازوا أخذ الأجرة تحقيقاً لمصالح العباد.
ولفت إلى قول الله تعالى: (وَلا تُنكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ)، فالله يوجِّه الخطاب إلى النساء المسلمات التي هاجرت من مكة إلى المدينة واستمر أزواجهن المشركين على دينهم، والآية هنا واضحة في وجوب التفريق بينهما، متسائلاً: هل نحن نُطوّع قواعد الدين ونتساهل فيها من أجل إرضاء الناس؟ مشدداً على وجوب أن ينصاع الناس إلى الدين وليس العكس.
وحذر د. فرج من الضرر الذي يقع على الناس جراء العبث بالثوابت الدينية تحت مسمى تجديد الخطاب الديني، ومنها التشكيك في الأحكام الدينية، ودعوة الناس إلى أنها تنحل من الأمور الدينية، وتشويه صورة الإسلام، وتجعل الشريعة محلَّ رجوع عما يلتزم به المسلمون.
اترك تعليق