الخطابة أحد أهم فنون القول، وضروب البيان، ووسائل التأثير، وإذا كان الشعر لغة الخاصة فإن الخطابة لغة الخاصة والعامة معًا، وهي أقدم الفنون الأدبية وأوسعها انتشارها، إذ لا يُتصَوَّر أن يكون الشعر بتفعيلاته أو تقنياته وتركيباته سابقًا على الخطابة بعفويتها وتلقائيتها وحاجة الناس الملحة إليها، كما لا يتصور أن تكون القصة ببنائها الفني سابقة عليها أيضًا، اللهم إلا ما كان حكيًا أو روايةَ أحداث لا ترقى إلى مفهوم الفن القصصي، وإذا كان هذا حال القصة فمن باب أولى حال الرواية والمسرح.
وقد يظن بعض من لا علاقة لهم بالعلم، ولا الأدب، ولا البلاغة، ولا الفصاحة، أن الخطابة صنعة من لا صنعة له، كما صار الحال مع بعض من يظن أن القصة والمقالة كذلك.
وقد أغرى ما آل إليه حال هذه وتلك من الضعف في حقب سابقة بركوب مركب وعر وناقة غير ذلول، فضلوا وأضلوا، فكان لابد من إعطاء القوس باريها، والرمح راميها، فقررنا منع غير المؤهلين من صعود المنبر؛ حفاظًا على المنبر وعلى الأمن الفكري للمجتمع من جهالة الجهلاء، وتنطع المتشددين وأباطيل المتطرفين .
ولنجاح الخطبة مقومات من أهمها: حسن اختيار الموضوع، ومواكبته لظروف عصره، وتفاعله مع أحداثه وقضاياه، لا قضايا غيره، ولا قضايا بيئة غير بيئته، وكلما مسَّت الخطبة حياة الناس كانت ألصق بهم وأكثر تأثيرًا فيهم.
ومنها قناعة الخطيب بما يقول وإيمانه به، ففاقد الشيء لا يعطيه، فالشعور الصادق يتعدى والمفتعل لا صدى له.
ومن أهمها ولا سيما في عصرنا الحاضر عدم الإطالة التي تصل بالمستمع إلى الإملال ولو في أدنى درجاته.
ومنها إعداد الخطيب لموضوعه إعدادًا جيدًا، وترتيبه لأفكاره، واعتماده على خبرته أو مخزونه الفكري والثقافي، وعدم الاستهانة بثقافة المتقين.
ومنها حسن اللمحة والإشارة، وتمثيل المعاني، والتماهي مع كل موقف بما يناسبه من الانفعالات ودرجات الصوت وطبقاته.
ومن أهمها مدى قابلية ما يعرضه للتطبيق وإمكانية تحويله إلى عمل، لا مجرد كلام ولا جدل، وأن يكون هدف الخطيب في تحديد مراميها شديد الوضوح بلا تعقيد ولا التواء، ولا تقعر.
ومن أهمها ولاسيما في مجال الخطابة الدينية أن يكون الخطيب قدوة بين مستمعيه ومحيطه المجتمعي، فقد قالوا: حال رجل في ألف خير من كلام ألف لرجل.
ومن أهمها سلامة اللغة، وصحة العبارة، وفصاحة الكلمة، وسلاسة الأسلوب، ووحدة الموضوع، وبراعة الاستهلال، وحسن الربط والانتقال، وحسن الختام.
اترك تعليق