الزواج هو علاقة وطيدة وارتباط قويم بين الرجل والمرأة بهدف الاستقرار الدائم وبناء أسرة متكاملة، والهدف منه الإنجاب والراحة النفسية وتحقيق القيم الإنسانية، كما أنه يعتبر العلاقة الّشرعية التي حّددها الله سبحانه وتعالي بين الّرجل والمرأة؛ لبناء أسرة في ظل جو من المحبة والسكينة والمودة، ولكن هل (زواج البدل) يحقق ذلك ام انه بمثابة قنبلة مؤقتة قد تنفجر في أي وقت لتدمر علاقات الزواج المتشابكة، وبالتالي يهدد أسرة سعيدة هانئة ذنبها أنها أحد أطراف هذا الزواج؟!
تؤكد د. إيمان محمود هيكل- مدرس بكلية الآداب، جامعة الفيوم- أن زواج البدل هو أحد أشكال الزواج في المجتمعات العربية عامة والمجتمع المصري خاصة وتتمثل في أن يقوم رجلان بالاتفاق على أن يزوج أحدهما الآخر من فتاة تقع تحت ولايته أو من أهله، مقابل أن يقوم الثاني بالأمر نفسه أزوجك أختي وأتزوج أختك، وهو من أنواع الزواج المكروهة في الإسلام لأن فيها شرطاً غير صحيح، وإن كان الزواج يتم بصورة شرعية وصحيحة في نهاية الأمر" فهو عادة يتداولها الناس ولا يعون خطورة نتائجها وخصوصاً في المجتمات الريفية والقبلية، وسمي زواج البدل أو (الشغار) بهذا الاسم لعدم وجود المهر فيه، والهدف منه كما يعتقد البعض هو الحفاظ على الميراث وتبادل المنفعة، وأحياناً لمحاربة العنوسة.
موروثات اجتماعية
وتشير د. ايمان إلى أننا من هنا نستطيع ان نقول أيضا عن زواج البدل والتي تعتبر أحد أشكال الزواج فهي من الموروثات الاجتماعية المنتشرة بصورة كبيرة في مجتمعنا المصري وخصوصا في الصعيد وأيضاً في الريف المصري (القرية)، وتقل ان لم تكن شبه منعدمة في المجتمع الحضري (المدينة)، ولا تزال هذه الظاهرة لها ايجابياتها وسلبياتها كأي ظاهرة على حد سواء، فمن جهة الايجابيات الضئيلة جداً هي المحافظة على التقارب بين الأهل وتمازجهم مع بعضهم بعضاً، وتعمل على زيادة القربى وتقويتها، أما من ناحية السلبيات ولما تسببه من مشكلات خطيرة تهدد أمن وسلامة الأسرة ولما يسببه ذلك التمازج والتقارب من أمراض وراثية قد تصيب الأبناء، وتضفي على الأسرة جواً من الحزن والكآبة، بالإضافة إلى حدوث مشكلات أسرية قد تصل إلى عائلة كلا الزوجين.
سلعة المرأة!
وتضيف د. أيمان: ذلك النمط من الزواج له أضرار عديدة ومنها: وضع المرأة في موضع السلعة التي يمكن مقايضتها بسلعة أخرى، والأخطر أن مستقبل نجاح إحدى الزيجتين يظل مرهوناً بنجاح الأخرى، خصوصاً في السنوات الأولى من الزواج كذلك يهّدد كيان الأسرة بالانفصال وينسف الاستقرار الذي يحتاج إليه الأطفال كما اننا لا نغفل ان ذلك النمط يجعل العلاقة بين الزوجين متردية والأسرة هشَّة ومفكَّكة.
وفي النهاية تقول د. ايمان: "زواج البدل" ليست ظاهرة مستحدثة داخل مجتمعاتنا، بل هي عادة متوارثة سببها الظروف المعيشية الصعبة والحرص على التماسك الاجتماعي والأسري، مما دفع البعض إلى إيجاد خطوات لتحقيق الترابط المجتمعي بالتوسع في علاقات المصاهرة والزواج فيما بين الأسر التي يتم فيما بينها هذا النوع من الوفاق وبالرغم من مزايا ذلك الزواج فإن عيوبه ومساوئه تتجاوز حسناته بكثير، ولا نستطيع أن ننكر في النهاية أن زواج البدل مشروع أسري فاشل لخطورته على الأسرة واستقرارها، ومن الجميل والواضح لدينا لحد ما أن تلك الظاهرة آخذة في التراجع في مجتمعاتنا بسبب ارتفاع معدل التعليم بين الرجال والنساء على حد سواء، وبالتالي اتساع دائرة الاختيار المحتملة للشريك سواء للرجال أو النساء، وتكاد تختفي في المجتمع الحضري.
زواج المصالح
ويوضح د. عبدالعزيز آدم- أخصائي علم النفس السلوكي وعضو الاتحاد العالمي للصحة النفسية- أن زواج البدل هي أحد الظواهر المنتشرة في المجتمع المصري لاسيما في الريف المصري وهذه الظاهرة تتمثل في زواج أخ وأخت أحد الأسر من أخ وأخت في أسرة أخرى. وهذا النوع من الزواج هو أحد الصور الفجة لزواج المصالح والذي غالبا ما ينتهي بفشل أحد أو كلا الزيجتين لأسباب كثيرة، أولها: أنه نوع من زواج الإرغام الذي لا يتم برضا الزوجين. وثانيها: أن المشاكل التي تحدث في أياً من الزيجتين- وما أكثرها في زواج البدل- يتم تكرارها مع الزوجين الآخرين كنوع من الانتقام ورد الفعل بالمثل ، وبذلك يحارب الزوجين في جبهتين منفصلتين أحدها فيما يتعلق بمشاكلهم الخاصة بهم والأخرى مشاكل الطرف الاخر أو الأسرة الأخرى من زواج البدل، والأمر هنا يجب الوقوف عليه كثيرًا نظرًا لأنتشار هذه الظاهرة، لأن من يدفع الثمن هو طرف ليس له ذنب ولَم يكن أبداً شريكًا في القرار بزواج البدل، وهذا الطرف هم الأطفال نتاج هذه الزيجات غير المسئولة فعندما ينتهي هذا الزواج بالفشل -وهو ما يحدث في الغالب- يتشرد هؤلاء الأطفال فاقدين لوجود أحد الوالدين أو كلاهما في عمر الزهور وينتج عن ذلك جيل معقد نفسيًا كارهًا للمجتمع بأكمله وفاقدًا للقدوة والهدف.
ويشدد د. آدم، على ضرورة وضع حلول جذرية لهذه المشكلة الخطيرة وعمل برامج توعوية لاسيما في ريف مصر لتوضح للأسر وللشباب المقبلين علي الزواج على حد سواء، مساوئ زواج البدل والمشاكل المرتبطة به والتي تتمثل في وجود تحفز دائم من كل الأطراف لأختلاق دائرة من المشاكل التي لا نهاية لها تبدأ من أحد الأطراف وتنتقل تلقائيًا للطرف الآخر لتستمر بلا نهاية حتى تنهدم الأسرة برمتها، علاوة على وجود روح التنافس والغيرة المستمرة بين الأسرتين وبذلك ينهار الهدف من مثل هذه الزيجات وتكون النهاية الحتمية بالهدم وتشريد أطفال أبرياء بدلًا من البناء وإنتاج جيل يعتمد عليه في بناء المجتمع.
ويشير د. آدم، إلى أن للاعلام أيضا بكل صوره المقروءة والمسموعة والمرئية دورا يعتد به في التوعية والتثقيف وإيضاح الحقائق المؤلمة المتعلقة بالمصير الحتمي لزواج البدل عن طريق نشر قصص واقعية من المجتمع المصري تتعلق بسلبيات زواج البدل مع إيضاح الأسباب الجذرية لفشله والمشاكل المتعلقة به والتي تتكرر تقريبًا في كل زيجة بشكل جلي للعيان، وهذا بدوره سيجعل الأسر المصرية تعيد النظر وتفكر مليا قبل الشروع في مثل هذه الزيجات إن لم يكن من الأسرة فعلى أقل تقدير سيكون من الشاب المقبل على الزواج أنفسهم، والأمر للأسف قد يبدو بسيطًا للبعض غير مدركين عواقبه النفسية والمجتمعية على الأزواج ولكن سجلات المحاكم مليئة بقضايا لا حصر لها متعلقة بزواج البدل وعندما نطالع إحصائيات الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء نرى أن عدد حالات الطلاق في مصر قد تجاوز ٢٠٠ ألف حالة في العام الواحد (حوالي ٢٠ حالة طلاق كل ساعة) وهو ما يعني وجود خلل شديد في ترابط الأسرة المصرية لاسيما في سنوات الزواج الأولى وبالتحليل لهذا العدد المفجع نجد العديد والعديد من الأسباب أهمها الزواج بدون رضى أحد الطرفين أو كلاهما ويندرج تحت هذه الأسباب نسبة معتبرة من زواج البدل.
يضيف د. آدم: إن تغافل الأمر وعدم تناوله بالتحليل للوقف على أسبابه ووضع حلول ناجعة له، جعل المشكلة في تفاقم مستمر واصبحت مصر من الدول العشرة الأولى على مستوى العالم في عدد حالات الطلاق.
ومن هنا يأتي النداء بأن يعي كل طرف في المجتمع مسئولياته بالإرشاد والتوعية المستمرين إضافة إلى المؤسسات المجتمعية في الدولة والتي يجب أن تشمل بين كوادرها صفوة الأخصائين النفسيين الذين يعكفون على دراسة أسباب التفكك في الأسرة المصرية ومنها زواج البدل ووضع خطط وبرامج عملية للقضاء عليها بالتوعية المستمرة والحديث المباشر مع الأسر المصرية من خلال شباب المتطوعين الوطنيين وما أكثرهم في بلدنا الحبيبه، وبذلك نكون قد وصلنا بشكل ملموس فاعل لجذور المشكلة وأخذنا بأسباب القضاء عليها تدريجيًا بشكل عملي.
اترك تعليق