أكدت د. نور جلال- رئيس قسم الآثار بجامعة عين شمس- أن مصر تستحق وصفها بـ"أُمّ الأديان" وليست "أُمّ الدنيا" فقط، لأنها الدولة الأولى بل الوحيدة التى تتجاور فيها دور العبادة للأديان السماوية (المسجد- الكنيسة- المعبد اليهودى "الكُنَيِّس")، مشيرة إلى أنه رغم عدم توثيق أو ذكر الآثار الفرعونية القديمة للأنبياء والرُسل أو فرعون سيدنا موسى، إلا أن نشيد "أخناتون" عن المعبود "آتون" يتشابه كثيرا مع نصوص العهد القديم.
أشادت بالاهتمام الكبير الذى توليه الدولة فى الفترة الأخيرة بالاكتشافات الأثرية أو المتاحف الحديثة- وأهمها إقامة المتحف المصرى الكبير الذى سيكون أكبر حدث ثقافى عالمى فى القرن الحادى والعشرين، باعتباره واحدا من أعظم المتاحف العالمية ويليق بمكانة ومنزلة مصر الحضارية- واصفة المتاحف بأنها "ذاكرة الشعوب" ومراكز تنويرية عالمية.
وفيما يلى نص الحوار الذى أُجرى معها.
*ماذا عن إقامة وبدء الدراسة فى كلية الآثار الجديدة بالجامعة، من حيث الاستعداد تعليميا وإداريا؟ وإعداد وتأهيل كوادر هيئة التدريس الجديدة؟ وزيادة عدد الطلاب الجدد؟
** في البداية نشير إلى أن قسم الآثار موجود في حضن كلية الآداب بجامعة عين شمس منذ اكثر من عشرين عاما، وقد رعاه جيل من الأساتذة الأجلاء في مهده حتى وصل بنا الحال الى قسم يزيد فيه الأعضاء- ما بين هيئة تدريس وهيئة معاونة- عن سبعين عضواً، وهو ثلاث شعب تخصصية منذ العام الأول للدراسة: آثار مصرية، يونانية ورومانية، الآثار الإسلامية.
وصاحب فكرة تحويل القسم الى كلية هو د. ممدوح الدماطى- وزير الآثار السابق- وبعد عرض الموضوع على د. محمود المتينى- رئيس الجامعة- وافق رئيس الوزراء مع ضم معهد الدراسات العليا والبحوث ومركز البردى للكلية، وستضم الكلية خمسة أقسام تضم برامج جديدة لخدمة سوق العمل، مثل: برنامج علم الآثار والحفائر وعلم إدارة المتاحف والمواقع الأثرية.
وتُجهِّز الجامعة حاليا مبنى منفصلا يسمّى "توشكا" وكان مُعدًّا للامتحانات لبدأ الدراسة بالكلية من العام الجامعى 2021- 2022، على أن تُنقل الكلية لمدينة العبور بعد الانتهاء من المبانى التى ستُعد خصيصاً لها.
وعدد الطلاب سيكون حوالى 250 طالبا. أما كوادر هيئة التدريس فهى متوفّرة وقادرة على إنجاز العمل وسيتم الاستعانة بأساتذة حسب التخصصات المطلوبة بالنسبة للبرامج الجديدة سواء عن طريق الانتداب أو النقل أو التعيين.
* وهل يختلف وضع الخريج والجامعة حاليا فى قسم الآثار عنه حينما يصبح كلية مستقلة؟
**نحن حاليا مازلنا على قوة كلية الآداب ولدينا أربع فرق دراسية وستتخرج حاملة شهادة كلية الآداب قسم الآثار، وسيكونوا تحت رعايتنا حتى تخرُّج آخر دفعه بإذن الله.
تاريخ حضارى
* كيف تنظرين إلى الافتتاحات الجديدة للمتاحف وكذا الاكتشافات الجديدة، وما هى قيمتها التاريخية والأثرية، وأيضا من حيث المكانة الدولية لمصر حضاريا؟
** مصر دولة لها تاريخ حضارى كبير ومميَّز ومتنوِّع ومتصل، وبها الكثير من المواقع الأثرية، وبالتالى استكشافات كثيرة تستحق العناية والحفظ، والمتاحف هى مكان حفظ وعرض وصيانة ومراكز تنويرية للعالم أجمع وليس مصر فقط، ولدينا الكوادر من المسئولين والمدرِّبين على أعلى المستويات في مجال التخصص فالمتاحف هى ذاكرة الشعوب.
أعظم المتاحف
* ماذا يُمثّل لنا المتحف المصرى الكبير، المقرَّر افتتاحه قريبا؟
** المتحف المصرى الجديد سيكون واحدا من أعظم متاحف العالم، ويكفى أن مساحته 117 فدانا، وسيعرض أهم آثارنا بصورة تليق بها وفق أفضل طُرُق العرض العالمية، ويضم العديد من القاعات من أبرزها: قاعة الملك توت عنخ آمون التي تضم كنوز الملك مجتمعة لأول مرة، ومكتبة للكتب النادرة ومخازن ومبانى لترميم الآثار مجهَّزة على أعلى المستويات التقنية وقاعة للمؤتمرات وسيكون افتتاحه حدثا عالميا.
معتقدات فرعونية
* ارتبطت كثير من المعتقدات والممارسات فى مجتمعنا المعاصر بالمعتقدات الفرعونية القديمة، خاصة فيما يتعلَّق بالسحر والحسد والزواج والزراعة وغيرها، فلماذا كان هذا الارتباط؟
** مازلنا نعتقد في "العين" كى تقينا من الشر والحسد، وبقية التمائم والأحجبة، ومن طقوس الميّت عادة الأربعين والطلعة أو زيارة القبر، وبالفرح بالمولود طقوس السبوع، وإطلاق البخور لدفع الشر ويحفظ الفلاح أسماء الشهور القبطية لضبط موسم زراعاته وهى تحمل في ذاتها أسماء آلهة مصرية قديمة.
"لعنة الفراعنة"
*ما هى حقيقة "لعنة الفراعنة"، وهل لها من تفسير علمى؟
** لعنة الفراعنة ليس لها أية حقيقة علمية، وما حدث من وفيّات مرتبطة بمستكشفين ما كانت إلا قضاءً وقدرا ويُستغل الموضوع للترويج والتسلية ليس أكثر.
تفسيرات دينية
*هل هناك تفسيرات أو شروح لمواقف وأحداث تاريخية فرعونية، بناء على تفسيرات لآيات القرآن؟ وإذا لم يكن فلماذا لا نستثمر التفسيرات القرآنية فى توضيح وإثبات المواقف والأحداث الفرعونية القديمة، خاصة المختلَف حولها، مثل آثار سيدنا يوسف وموسى والخضر؟
** لم تذكر الآثار المصرية القديمة أسماء أنبياء أو رُسل أو قصص مرتبطة بهم على الإطلاق، ومن هنا نجد صعوبة بالغة عند مناقشة تلك الأمور من الناحية الأثرية، والقرآن الكريم أشار لحوادث وقصص مثل قصة سيدنا موسي مع فرعون، ويجتهد الباحثون وكلٌّ يدلو بدلوه، ولكن لم يتفق أحد على اسم الفرعون الذى عاصر سيدنا موسي ويبقى باب الاجتهاد مفتوحا.
والقرآن الكريم ليس بكتاب تاريخى، فما ورد ذكره كان لإثبات جهاد الأنبياء للعبرة والعظة، ونحن نعلم تماما، تصديقا لقوله تعالى بإرسال الأنبياء والرسل على شعوب عدَّة في العالم القديم، وهذا ما نستنبطه بالفعل من بعض الأناشيد الدينية مثل نشيد "أخناتون" عن المعبود "آتون" فقد حوى تعبيرات متشابهة مع بعض عبارات العهد القديم وهذا على سبيل المثال.
الامتزاج الحضارى
* تزخر مصر بالكثير جدا من الآثار عبر مختلف العصور، مثل مسار العائلة المقدسة، مشاهد آل البيت، المعابد اليهودية، فكيف نستثمرها سياحيا، ونجعلها سفيرا لمصر لدى الخارج؟
** لدينا في مصر طابع الامتزاج الحضارى، ففي القاهرة الفاطمية تجد شارع المعز بجوامعه وأسبلته، تُجاوره كنيسة العدرا مريم في حارة الروم، يجاورهما كُنَيِّس ابن ميمون اليهودى العالم وطبيب صلاح الدين الأيوبى، وكذا مجمع الأديان الكبير في مصر القديمة، فالجامع يجاور الكنائس، يجاور المعبد، هذه بركة الأنبياء على مصر التى وجدت فيها السيدة مريم العذراء الأمن والأمان، والتى تركت البَرَكَة في كل مكان حلَّت به.
وتبذل وزارة السياحة والآثار جهودا لإحياء طريق العائلة المقدَّسة ووضعه على الخريطة السياحية.
شخصية فريدة
* عُرف عن مصر أنها تحتوى كل الثقافات والحضارات، وتُخرِج منها "حالة مصرية خاصة" فى الحضارة والثقافة والسلوك، إلام يرجع هذا؟
** فعلاً التاريخ الحضارى الطويل لمصر والمتنوِّع عبر أجيال كثيرة جعل الشخصية المصرية ثرية، تُشعِر الإنسان أنه يقف على أرض صلبة ورغم تقلّبات الزمن على مصر إلا أنها دائما محفوظة بإذن الله.
مصر قويَّة
* كيف ترين قُدْرة مصر فى التغلّب على تحدياتها وأزماتها، استشهادا واستدلالا بالأحداث التاريخية والأثرية القديمة؟
** الحمد لله مصر قادرة على التغلّب على كل التحدّيّات بقوّتها وقوّة أبنائها، وما نجده أزمة نستطيع أن نخلق لها التحدى لتتفتَّت تحت معول الهِمَم، وقد مرَّت علي مصر الكثير من المحن والأزمات التى أثقلت كاهلها ولكنها سريعا ما تتعافى لتزهو من جديد، حفظ الله مصر.
اترك تعليق