مصر
  • 29℃ القاهرة, مصر

رئيس مجلس الإدارة

طارق لطفى

رئيس التحرير

أحمد سليمان

الشاعر جميل محمود عبدالرحمن.. يتذكر....

بقلم: أبوالحسن الجمال


عرفت الشاعر جميل محمود عبدالرحمن قبل عشرين عاماً، وقرأت له دواوينه الشعرية التي بدأ يصدرها منذ بداية السبعينيات، وأولها ديوانه "على شاطىء المجهول" الذي قدم له الشاعر الكبير محمد الجيار – رحمه الله- ووجدته صوتاً شعرياً متميزاً (سابح فى ملكوت الشعر، قابض على إيقاعاته الوراثية، لا يملك إلا أن يكون شاعراً، ويحتل موقعه المؤثر في خريطة الشعر المصري المعاصر..) كما جاء فى وصف الدكتور صابر عبدالدايم له، ثم أكرمني الله بلقاء الشاعر لأول مرة في مدينة الغردقة؛ حيث كنت اتخذها مقاماً في هذا التوقيت، وكنت أحضر الفعاليات الثقافية التي كانت تعقد في قصور الثقافة فى: الغردقة، ورأس غارب، وسفاجا، والقصير، وكانت تستضيف الشعراء والأدباء والمفكرين من جنوب مصر.

     وخلال عام 2007 استضافت الغردقة مؤتمرين أدبيين كبيرين: أولهما مؤتمر أدباء وسط وجنوب الصعيد الصعيد الثقافي في مارس2007 قبل أن ينفصل إلى إقليمين (إقليم وسط الصعيد، وإقليم جنوب الصعيد)، وثانيها مؤتمر أدباء مصر الذي عقد في نوفمبر 2007.. رأيت جميل عبدالرحمن لأول مرة، رأيته كالأسد الهصور يعتز بنفسه وبشعره الذي يلقيه وقد عانق الثريا والتقط قلوب المستمعين الشعراء والحضور العادي الذي طرب لشعره ولطريقة إلقائه المثلى.. باختصار كان الفارس المغوار خلال أيام المؤتمر، ثم عقد في العام التالي 2008 اللقاء الأول لاتحاد كتاب مصر فرع الجنوب الذي استضافته مدينة الغردقة أيضاً برئاسة الشاعر والأكاديمي البارز الدكتور محمد أبو دومة، كما حضره أيضاً القاص الكبير عبدالعال الحمامصى، والشاعر الكبير أحمد سويلم، وحزين عمر، والمنجي سرحان، ولفيف من أدباء الجنوب، وقدّم الندوة شاعرنا الكبير (المحتفى به) جميل عبدالرحمن، وكان صوته يصدح في جنبات القاعة، ومنذ هذا التوقيت وأنا أتابع أخباره وأشعاره المنشورة فى المجلات والصحف ودواوينه التى تطبعها الهيئة المصرية العامة للكتاب، والهيئة العامة لقصور الثقافة، ومكتبة الأسرة، ثم كان التتويج والتكريم بأن تم طباعة أعماله الكاملة في سلسلة "الأعمال الكاملة" التي كانت تصدرها الهيئة العامة لقصور الثقافة وصدرت عام 2014 في أربعة مجلدات..

  وفي أكتوبر عام 2015، قررت أن أعد كتاباً تذكارياً عن أستاذنا الدكتور حلمي محمد القاعود بمناسبة بلوغه سن السبعين، وأرسلت دعوات للكتاب والنقاد والباحثين والشعراء الذين ارتبط بهم الدكتور حلمي .. وكان الدكتور حلمي قد خصص فصلاً في كتابه "الورد والهالوك .. دراسة في شعراء السبعينيات" عن مجمل أعمال الشاعر جميل عبدالرحمن، تحت عنوان: (حديث العين ..حديث الكلمة)...وهذا ردّ الاعتبار إلى الجيل الذي سقط من ذاكرة النقد الذي انحاز للهالوك ولكل مغرق في الغموض والرمزية.. وقال عنه القاعود: "أما تجربة الشاعر "جميل محمود عبدالرحمن" فتنبع من حديث العين، حديث الكلمة"... وعن موحيات "العين" ودلالاتها في رؤية الشاعر، وسياق تجربته.. وخطابه الشعري يقول د.حلمى القاعود.. مفسراً رموز الشاعر، ومضيئاً شفراته اللغوية: "العين" تعبير عن الدموع والبكاء، وتتردد كثيراً في أبيات الشاعر وسطوره، وتزدحم بعض القصائد بلفظة العين ومفرداتها، ويستخدمها الشاعر لمعان شتى، فهي رمز الحزن على الوطن وما أصابه وما جرى له، وهي أساس الرؤية والوعى والحكم على الأمور، وهي حالة تظهر من خلالها معالم الرضا والسخط والاتفاق والاختلاف وهي محط للحركة والمؤاخذة ومجال الهزيمة والانتصار، وهي رمز للرثاء الذي يشمل الشعراء الراحلين عادة، وفي هذه المراثى ما يشبه النواح والعديد على ما يحدث للوطن ويجرى فيه".

   واستشهد القاعود بقول جميل محمود عبدالرحمن في لغة رامزة آسرة وتجربة صادقة مؤثرة من قصيدته "الهروب إليها":
هارباً منك ...أعدو لعينيك
تنثر فى لحظات الضياع رذاذاً مريراً
وموجاً يمد الهوى في العروق يرد حسيراً
وتقذفنى كل أيام الخائبات ..شراعاً كسيراً
ولا شىء إى لأنى أحبك
منذ أقالوا نياشين حسنك
من أعين العاشقين الأسارى

     وقد بذلت جهداً كبيراً في البحث عن رقم الأستاذ جميل لأستكتبه، وأخيراً توصلت إليه ورحب الرجل أيما ترحيب، وكتب فصلاً فى كتابى الذى صدر بعد بضعة شهور تحت عنوان "على شاطىء المجد..دراسات وشهادات مهداة إلى الدكتور حلمي محمد القاعود بمناسبة بلوغه سن السبعين" عن دار النابغة 2016، وجاء فصل جميل عبدالرحمن تحت بعنوان "في الليلة الظلماء ينتظر البدر"، قال فيه: "مرت علينا سنوات عجاف، يجفوها الإنصاف ونحن منتشرون في الأقاليم تسافر إبداعاتنا على جسور كلماتنا القوية.. يمامات عشق لتراب هذا الوطن.. وتنشر أشعارنا في شتى المجلات والدوريات المصرية والعربية... ونحصد الجوائز هنا وهناك...ثم (ينفض المولد) عن كلمات تأسو جراح التجاهل والنسيان..وتكون كوب ماء مثلج في هجير صحراء جرداء..يمنحنا قبلة الحياة قبل الموت..لأن نقادنا الأجلاء... أسقطونا من جيل السبعينيات.. رغم صدور دواويننا وحصدها للجوائز ومنها جائزة الدولة التشجيعية وهي الجائزة الوحيدة المنصفة فلا تدخلات ولا مجملات ولا تصويت يلعب التربيط فيه دور البطولة..لأنه قوم على هندسة العلاقات المشبوهة. فالشاعر يقدم ديوانه... وتقوم لجنة الشعر بفحصه وتقويمه وتتعدد مراحل التقويم لتصل إلى انتهاء اللجنة بتقرير لا يقبل الجدل ولا تشوبه المحسوبية ... بل يحكمه الضمير النقدي..هذا ما حدث معي حينما تقدمت بديواني "وأمام تشققنا نعترف" عام 1995م، وفزت بالجائزة في وجود لجنة عملاقة يرأسها الناقد الكبير الراحل الدكتور عبد القادر  القط - رحمه الله وطيب ثراه – وسرعان ما ضُربت على وجهي ستائر النسيان وغطَّى ملامحه - مع مبدعي أقاليم مصر في الشمال وفي الجنوب – حيث المأساة الأفدح – غبار التجاهل .. بأبشع صور هبوبه كريحٍ جفجف.. وانحصر اهتمام النقاد بمجموعة من الشعراء الأصدقاء يكتبون عنهم ويتحمسون لهم مهما فعلوا بالقصيدة التي صارت قينةً ممتهنة في بلاطهم الملكي".
 
      ثم يتعرض جميل عبد الرحمن لإنصاف الدكتور حلمي لأبناء جيله الذين غمرهم النسيان فقال: "لكنني أدركت بعد صدور كتاب "الورد والهالوك" أن الله أرسل إليَّ من ينصفني.. ويعطي لتجنيح الخيال عندي حقه.. وأثره في توصيل التجربة الشعرية بحرارتها إلى المتلقي لأعديه بمثل حالتي..كما قال أستاذنا الناقد الكبير الراحل محمد مندور في كتابه الخالد "فن الشعر"، وقد استطاع الناقد الكبير الدكتور حلمي محمد القاعود باقتداره وقدرته اللامحدودة على الغوص في لباب المعاني ليستخرج جوهر الحقيقة... ولو كان في أقصى بحار الدنيا متبرقعاً بالصدف.. فكان يفض الصدف ليستخرج اللؤلؤة ويسافر خلف فصوص حب العقيق التي خبأتها ضفائر الشمس في الشعب المرجانية النائية...ويجلي ألوان الزمرد المخبوء في أحراش نباتات البحر ليبرز لمعانه وأصالته".
 
      ثم التقيته عن قرب وتوثقت صلتى به في نوفمبر2015 في مؤتمر البابطين الذى استضافته كلية دار العلوم جامعة المنيا، وذهبت إليه صحبة صديقي الشاعر مجدي حجازي عبدالعليم في فندق "إيتاب" الواقع على شاطىء النيل بمدينة المنيا، وتجاذبت معه أطراف الحديث وذكرياته مع أعلام الأدب والثقافة ومنهم: الشاعر الكبير محمد الجيار الذى يتذكر له كلمات باكية مفمعة باليأس حينما قال له: (يا ولدي أنا وأنت.. كلانا يحترق ليأتي بصورة شعرية أخاذة جديدة... ولأننا ليست لنا شِلَّة تُجلي هذه المعاني والصور... فسأموت مجهولاً.. وستموت أنت بعدي مجهولاً أيضاً)..قالها بمرارةٍ في لقائنا الأخير  والدموع في عينيه.
 
 ذكرياته مع الشاعر محسن الخياط:
    وتحدث أيضاً عن ذكرياته مع الشاعر محسن الخياط.. وتعود ذكرياته معه إلى وقت مبكر من حياته حينما كان ينشر الخياط  للأدباء في باب "أدباء الأقاليم" في جريدة الجمهورية، وكان قد التقاه في أحد المؤتمرات الأدبية، وأهداه كتاب "واقعية بلا ضفاف" للمفكر الفرنسي الكبير "روجيه جارودي"، وحينما ذهب وفد أدبي يضم جميل عبدالرحمن إلى مدينة المنصورة.. تبارى هذا الوفد مع شعراء المنصورة في إحدى المسابقات الأدبية، وكان الخياط يميل إلى شعراء سوهاج، لأنهم كانوا أكثر توفيقاً من شعراء المنصورة، وقال: "سنتحدث عن سوهاج في المنصورة"، وبلغ حماسه أن احتضن جميل وقبّله بعد أن ألقى أول مقطع من قصيدة "رسالة إلى المنصورة" والتى نشرت في ديوان "أزهار من حديقة المنفى" سنة 1981:
أتيت هاربا في كلمتى الخضراء
من خلف المدى المسجون ...بين محاجر الزمن ..
أتيت يا شطوط الشعر والشعراء والإبداع ..
ملاحاً ببحر الحب ..مطروداً من السفن ..
أتيت إليك أزرع صوتى المفقود ..فى كفيك
زنبقة من الوهج ...
أتيتك هارباً من شعرنا المرتاع ...بين لواعج الحب..
وبين الأعين الشقراء والحوراء
وسحر الطرف والدعج..
أتيتك هارباً من شعر من بسطوا حروفهم
وداسوها ..بخيل الخوف والوهج..
ومن فرشوا كرامتهم وأحرفهم ...
لكى تعلو مناصبهم ...بمدح الخلق والأمراء
والسلطان ..أين جسارة الكلمات بين حوالك المحن...؟
أتيتك كى أشم بعطرك الرفاف ..
أريج كراة الوطن..

      
    وحينما تعمقت تجربة جميل مع الكتابة الشعرية، رشح له الخياط ثلاث قصائد لتنشر في أمسية "الانتفاضة الفلسطينية" مع لفيف من شعراء مصر وفلسطين، وأخرجها الفنان عبدالقادر عودة الذي كان يلقى القصائد مع الفنانة عايدة فهمي، والفنان إيمان الصيرفي وقام بالتلحين الموسيقار عدلى فخرى (ابن مدينة المراغة بسوهاج)، وهو أحد الأبطال الذين قاتلوا مع المقاومة اللبنانية ضد إسرائيل. وجاءت المجموعة لتقدم الأمسية على قصر ثقافة سوهاج في أواخر الثمانينات من القرن الماضى.

    وتتوثق صلة جميل عبد الرحمن بـ"الخياط"، وينشر له قصيدة "وجه عربي" التي حققت مركزاً متقدماً رغم ظلم لجنة البابطين له سنة 1991، وقد عاد جميل ليفوز بها عام 2006 فى قصيدة عنوانها "رسالة إلى رسول الله‏"..‏ فهي ليست وصفاً تقريرياً لشخص وصفات وسمات الرسول الكريم ـ صلي الله عليه وسلم ـ ولكنها أقرب إلي الشكوي إليه‏..‏ إلي الأنين مما آلت إليه حال هذه الأمة التي ضيعت مجدها بيدها وبأيدي الآخرين‏..‏
 
      وتتوثق الصلة بمحسن الخياط أكثر وأكثر وقد زار الأدباء فى سوهاج أكثر من مرة.. وكان متحمساً لهم كمجموعة شباب: (جميل محمود عبدالرحمن – أحمد المنشاوى- على خضر عرابى – رفعت محمد حسين – على أبو ضيف أحمد – فولاذ عبدالله الأنور – أوفى عبدالله الأنور)، واستمرت العلاقة بينه تزداد متانة يوماً بعد يوم حتى لقاء الوداع حيث زاره جميل وهو على فراش.. ذهب إليه خصيصاً من سوهاج هو وصديقه أحمد شوقى إبراهيم النجاري ابن الشاعر إبراهيم حسن شحاته النجاري، وأمضيا في صحبته ليلة سعيدة تجاذبوا فيها أطراف الحديث حول الأدب وفنونه..  

      من ذكرياته أيضا التى سردها لي في هذه الليلة حينما قال: "أما اللقاء النقدي المؤثر فكان مع الناقدين الكبيرين د‏.‏ أحمد هيكل ود.محمود الربيعي‏,‏ ولا أنسى أنني حظيت باهتمام وتشجيع الناقد د‏.‏ عبدالقادر القط - رحمه الله - رئيس لجنة الشعر إبان ترشيحي لجائزة الدولة التشجيعية عام‏1995. وقد رشحني لثلاثة مؤتمرات لتمثيل الشعر المصري".  

مع فاروق شوشة:
       وحدثنى أيضاَ عن لقائه بالشاعر الكبير الأستاذ  فاروق شوشة، فقال: "كان لقائى به وأنا أعبر جسر القصيدة العمودية الكلاسيكية لقصيدة شعر التفعيلة بطموحاتها فى التنوع، كان لقاءً مؤثراً.. فقدم شعرى في برنامجه الإذاعي الثري "كلمات على الطريق"، وقدم لى ديواني الثاني "عذابات الميلاد الثاني" في مارس 1973، ووجهني بحدب وحب كبيرين"، وقد قال عنه شوشة في تقديمه للديوان: "هو صوت جديد، جديد السمت والمذاق يحاول أن يؤكد لذاته هويتها الخاصة وشخصيتها المتفردة فى عالم الشعر.. ومن خلال هذه المجموعة الثانية يكشف دأب الشاعر عن تحقيقه لانتصاره الأول مع نفسه: أن يكون صوته هو، وألا يختلط صوته فى زحام الأصوات بإيقاع الآخرين"...
 
  أما اللقاء النقدي المؤثر في حياته فكان مع الناقدين الكبيرين  العلامة  الناقد الكبير الدكتور أحمد هيكل أستاذ الأدب العربي في كلية دار العلوم بالقاهرة، الذي ناقش ديوانه الأول  بالإذاعة  ووجهه لنقاط القصور وأسدى له نصائح منها القراءة والإطلاع وحفظ أشعار القدماء ودراسة العروض والقوافي لاستكمال أدواته، كما حكى لي عن تعرفه بالأستاذ الناقد الكبير الدكتور محمود الربيعي (ابن مدينة جهينة بسوهاج)؛ الذي سعد بشاعر يخرج من أرض سوهاج محاولاً تأكيد هويته فكانت توجيهاته وأهدى له كتبه.

  وكانت ليلة جميلة في جو مفعم بالجمال..تهب علينا نسائم النيل العليلة.. واستطعت أن أنفذ إلى أعماق هذا الشاعر العملاق الذي شرّف الجنوب، واستطاع أن يحتل مكانة في خارطة الأدب العربية، وكنت استبطأ الوقت وأرجوه ألا يمر حتى استطيع أن أحصل على الكثير مما في جعبته من ذكريات وهوامش أدبية، فقال وهو ينظر إلى عقارب حتى لا يتأخر عن مؤتمر البابطين:
"     وضع الله فى طريقى رائدين كبيرين؛ الأول: الشاعر الكبير الرائد الراحل  فوزى العنيل حيث أرسل لي في سوهاج لأتقدم بديوان شعري للمجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب (المجلس الأعلى للثقافة الآن) وكان سبباً في صدور ديوان "تموت العصافير لكن تبوح" عام 1982، والثاني هو الشاعر الرائد العلم الكبير الراحل  صلاح عبد الصبور  الذي سبق أن ناقش ديواني الأول بالبرنامج الثاني، وأعلن عن مولد شاعر من الصعيد وأصدر لي ديواني  "أزهار في حديقة المنفى" عام 1981، فكان ديواني أول ديوان يصدر لشاعر شاب منذ فترة طويلة وذلك بعد توليه رئاسة هيئة الكتاب التي كانت مغلقة في وجوه الشباب في عهد سلفه، ولا أنسى فضل وتشجيع الناقد الكبير  عبد العزيز الدسوقي الذي اهتم بأشعاري ونشرها بمجلة "الثقافة" التي كان يرأس تحريرها، وكان يكتب فيها قمم وأعلام الأدب والفكر، وأصدر لي ديوان"ابتسامة فى زمن البكاء" في سلسلة كتاب المواهب  "ابتسامة في زمن البكاء" عام1986".

  ويواصل جميل عبد الرحمن سرد ذكرياته عن أساتذته فقال: "ولا أنسى مؤازرة الأديب الكبير  عبد العال الحمامصي - رحمه الله-، الذى كان أول من كتب عني، والناقد الدكتور علي شلش - رحمه الله-، والشاعر الكبير أحمد سويلم، والأديب الكبير محمد جبريل الذي نشر لي وكتب عني، والسينارست الكبير محمد السيد عيد، والناقد الدكتور يسري العزب، والشاعر الكبير محمد إبراهيم أبو سنة، والشاعر الكبير الراحل فتحي سعيد.. وكتب عني النقاد من أبناء سوهاج من أمثال: الناقد الدكتور مصطفى الضبع، وشقيقه الناقد الرائع الدكتور محمود الضبع، والدكتور مصطفى رجب، والدكتور علاء الدين رمضان، والأديب والناقد محمود رمضان الطهطاوي، ومن يمن الطالع أن يكتب الناقد الكبير الدكتور محمد حسن عبد الله دراسة عن ديواني "وردة في غروة القدس"، ويحظى نفس الديوان بمقال من الشاعر الكبير عبد الرحمن الأبنودي في يوميات الأخبار تحت عنوان  "وردة جميل عبد الرحمن"، وتناول شعري ودّرسه لطلابه الناقد الكبير الدكتور محمود دياب أحد أبناء جيلى المجتهدين وتضمنت كتبه المقررة على طلابه كثيراً من أشعارى وقصائدى المتواضعة"  ..
 
     كما حكى لى ذكرياته مع الأديب جمال الغيطاني، والفنان حمدي أحمد، وكذلك ذكرياته مع زملاء دربه أمثال: الشاعر سعد عبد الرحمن، والشاعر درويش الأسيوطي، وسياحاته الأدبية في مصر وخارجها، وقد ذهب إلى مؤتمرات أدبية في كل ربوع مصر وله مع أدبائها ذكريات عطرة، كما حضر مؤتمرات خارج مصر.. فى السعودية التى مكث فيها ثلاث سنوات وكتب في صحفها ومجلاتها مثل: "الجزيرة"، و"اليوم"، و"المجلة العربية"، و"المربد" ملحق جريدة اليوم. وفاز بالجائزة الأولى في أندية الطائف وأبها وجازان ..

       كما زار الإمارات وزار فيها إمارات الشارقة ودبي وأبوظبي وزار مراكش بالمغرب، وباريس، وزار ليبيا ثلاث مرات...

     بعد ذلك ذهبنا سويا إلى مؤتمر البابطين الذي حضره نخبة أدباء مصر وشعرائها ونقادها وصدح جميل بباقة من أروع أشعاره منها قصيدته في رثاء الطفل السوري إيلان كردي ..حديث الساعة وقتها، والذي وجد جثة هامدة أمام الشوطىء التركية .. فأبكت صورته العالم أجمع.. وهز الضمير الإنسانى فى كل مكان كما شدا بقصيدته المشهورة "نزيف النخيل":
للنخيل بأرضي
علاقته بالمدى ..
والنخيل بأرض بلادي بفطرته مؤمنٌ..
والندى مطهر..
يتقاطر في الفجر ..نهر حنان..
لكي يتوضأ منه النخيل،
وسجادة العشب مسجده الأبدي ..
فإذا صاح صوت المؤذن ..
يتهجد قلب النخيل ويبكي
كمن فتح القلب مستشرفاً ..قارئاً
في مرايا الأفق ..
وطوايا الغيوب..
والبكاء نحيب
والدموع ..عبق

    وبعد هذا اللقاء بحوالى شهر التقيته في مدينة أسوان أثناء عقد مؤتمر أدباء مصر في دورته الثلاثين في الثامن من ديسمبر2015.. في هذه المدينة العريقة التي أنجبت العديد من الأعلام على رأسهم عملاق الأدب العربى عباس محمود العقاد، وعميد التربويين العرب الدكتور حامد عمار، والدكتورة سعاد ماهر رائدة علم الآثار الإسلامية...
 
     كانت أياما مشرقة.. من حسناتها التقاء المبدعين في صعيد واحد، يتبادلون الخبرات والأخبار والترحاب فيما بينهم، وهذه الحسنات تنسينا سلبيات هذه المؤتمرات من المجاملات، والشللية التي تدفع على السطح كل إبداع سطحي وركيك وتواري المبدعين الحقيقيين المنتشرين في بر مصر، ناهيك عن المؤتمرات والندوات والأمسيات. والتوصيات التي لا ينفذ منها شىء على الإطلاق منذ المؤتمر الأول الذي عقد في مدينة المنيا برئاسة الراحل الدكتور شوقى ضيف، ويهون من هذا كله وجود وجوه مبدعة حقيقية نلتقيها على هامش هذا المؤتمرات، وقد استعرضنا نماذج منها نشرت على حلقات تحت عنوان "ورود على هامش مؤتمر أدباء مصر"، وندين لمصطلح "الورد" إلى استاذنا الدكتور حلمي محمد القاعود، وبدأت هذه السلسلة بالشاعر العريق جميل محمود عبدالرحمن، رائد شعراء الجنوب وأغزرهم إنتاجاً، ورغم إقامته في مدينة سوهاج إلا أنه استطاع الولوج إلى خارجها بأبداعه الصادق الذي يغزو القلوب وشخصيته المبهرة التي تشرف أى محفل أدبي يرتاده وقاموسه الشعرى الثري المفعم بصدق التجربة الشعرية، ولذا كرّم بما يليق وحصل علي العديد من الجوائز أهمها جائزة الدولة في الشعر عام 1995 وكان أول شاعر صعيدي يحصل عليها، والتقيته مراراً بعد هذا التاريخ في مؤتمر وسط الصعيد الثقافي في مارس 2016، وكان أمينه العام وقد نجح المؤتر بفضل جهوده وإخلاصه وتفانيه هو وكتيبة الثقافة في فرع ثقافة سوهاج ومسئولي إقليم وسط الصعيد وعلى رأسه السيدة الفضلى الأستاذة الدكتورة فوزية أبو النجا، ولا يمر يوماً إلا واتصل به أسعد بصوته العذب....

الصعيد في وجدان جميل عبد الرحمن:
      ويمثل له الصعيد الكثير، فقد فضله سكناً ومقاماً مع أنه كان بإمكانه المكوث في القاهرة التي تلتقي فيها الأضواء والشهرة والانطلاق وفي هذا يقول: "نحن في الصعيد، وعلي ما نعيش فيه من جفاف وما كان يلقاه الصعيد من الإهمال في العصور البائدة والقريبة. نحيا في صفاء وحالة تأمل وتواصل مع الناس. كل هذا يمنحني الفرصة .. والوقت متسع للقراءة والتأمل ثم يكون المردود أن أبدع. ثم ذلك الإحساس أنك مبعد يجعلك تشعر أنك تتعرض لظلم أو تجاهل. كل ذلك أضعه خلفي ليكون دافعاً للإبداع والإنتاج".

  والشاعر جميل عبدالرحمن ضد كل ما لا يتلائم مع طبيعة القصيدة العربية، وضد المناهج المستوردة التي أضرت بالقصيدة عندنا ولكنه لا يمانع من التجديد النابع من طبيعتنا العربية، وهو في هذا صريح شديد الصراحة لا يداجن أو يداور، وفى هذا يقول: "التجديد في ظني هو العمل علي تعصير أو عصرنة التراث .. أما التمرد فهو يهدم المسلمات. الشعر ـ كما أراه ـ معجون بالموسيقي، وقصيدة النثر تقع في إشكالية" قصيدة ونثر"، ورغم ذلك أنا لا أعاديها لأن هناك جماليات تقدمها. ما يعيبها أنها لم تقدم النموذج الذي نستطيع القياس عليه.. القصائد متشابهة، ولكني لست ضدها وأكتب ما أعتقد أنه الشعر وألتزم بالعروض الخليلي سواء في القصائد الكلاسيكية أو في قصائد التفعيلة، وبصفة عامة لا صراع مع أحد، لأن حركة التاريخ تغربل وتفرز.. ولا أنكر أن هناك نماذج من شعر العامية في قصيدة النثر جيدة وبها مناطق إنسانية نشعر بها وتلمس وتراً إنسانياً في قلوبنا.. المهم أن يكون هناك شعر".





تابع بوابة الجمهورية اون لاين علي

تابع بوابة الجمهورية اون لاين علي جوجل نيوز جوجل نيوز

يمكنك مشاركة الخبر علي صفحات التواصل

اترك تعليق