مازالت مكائد المطلقين والمطلقات فيما بينهم عرض مستمر رغم ما كان بينهم من عشرة وأولاد إلا أن نار الانتقام المتبادل تتسبب في دمار الأسرة باعتباره النواة الأولى للمجتمع المجتمعات كما تؤدي إلي تقطيع أواصر اللُحمة الاجتماعية بين الأسر والأفراد التي كنت تربطهم المصاهرة.. وتؤدي هي المكائد المتبادلة إلي عقد نفسية التي تسببها للرجل والمرأة على حد سواء ، وتمتد إلي الأطفال، وينتج عنها مشكلات اجتماعية لا حصر لها، وفوق كل ذلك هي مخالفات شريعة ينبغي للمسلم والمسلمة أن يتحرز منها حتى لا يدفع أولادهم ثمن أخطائهم و اختياراتهم الخاطئة .. من هنا تأتي أهمية هذا التحقيق الذي يوضح خطورة هذه الظاهرة السلبية المخالفة للدين والأخلاق والفطرة السوية.
في البداية يوضح دكتور يحيى هاشم، أستاذ علم الاجتماع وبرامج الحماية الاجتماعية ، أن الطلاق من المشكلات المجتمعية التي تعرض الأسرة إلى الانهيار والدمار وينعكس ذلك بالطبع على الأبناء بل ويمتد ذلك إلى أسر الطرفين أيضا مما يترك أثرا نفسيا في غاية الصعوبة لدى جميع الأطراف
ولكن علينا أن نبدأ من لحظة الاختيار الأولى للزوجين فيجب أن يكون أساس الاختيار يشمل عناصر النجاح للأسرة من التوافق في المستوى الثقافي والمستوى الاجتماعي والبيئي والتقارب في كل أوجه الحياة حتى تكون هناك لغة مشتركة بين الزوجين تمكنهم من الوصول إلى حلول لمشكلاتهم بدلا من الوصول إلى قرار الطلاق.
ويوضح الدكتور يحي أنه عندما يرى الأبناء هذا الصراع بين الأب والأم و الذي قد يتحول في أحيان كثيرة إلى ما يشبه الحرب بين الطرفين سواء أثناء إجراءات الطلاق أو بعد الانتهاء من إجراءات الطلاق يشعرون بفقدان الثقة بالنفس وعدم القدرة على اتخاذ القرارات خوفا من أن تكون اختياراتهم وقراراتهم خاطئة مثل قرارات الوالدين كما تنشأ عقدة نفسية لدى الابنة من كل الرجال في الدنيا لأن الصورة الذهنية الموجودة لديها هي صورة الأب الذي يدمر الأم والأسرة من أجل الانتقام والشعور بالانتصار الزائف لأنه في حقيقة الأمر لم ينتصر وإنما خسر كل شىء و تنشأ أيضا عقدة لدى الابن من السيدات فهو يرى الأم التي تخطط طوال النهار والليل للانتقام من الأب فكلاهما سواء الأب أو الأم قد رسم صورة ذهنية سيئة لدى الأبناء عن علاقة الزواج ، وتمتد أيضا المشكلات الاجتماعية بين الأبناء و بين أطراف الأسرتين فهم في صراع دائم بين كل الأطراف المتصارعة من أجل أن يقهر كل منهم الآخر ويجد الأبناء صعوبة بالغة في الحفاظ على علاقاتهم الاجتماعية بكل أفراد الأسرتين نظرا لتفاوت وجهات النظر التي تنتصر لأحد الطرفين على حساب الآخر.
ويشير الدكتور يحيى هاشم إلى أن مشكلات عدم القدرة على التحصيل الدراسي هي الأبرز والأشهر في هذا الصراع الناتج عن الطلاق فلا يجد الأبناء البيئة المناسبة للتحصيل الدراسي بل يمتد الصراع أحيانا إلى رفض الأب دفع مصروفات المدرسة أو الجامعة كنوع من القهر للأم مما قد يتسبب في بعض الأحيان إلى الخروج المبكر للأبناء من التعليم نتيجة العند والرغبة في الانتقام بين الطرفين،ويعاني الأبناء في أحيان كثيرة من القهر المجتمعي ونظرة الأصدقاء لهم كونهم من أسرة مفككة وخاصة مع زيادة المشاكل الناتجة عن الصراع بين الأب والأم من أجل الانتقام الذي لا قيمة له سوى تدمير الأسرة بمعنى الكلمة .
وينهي الدكتور يحى هاشم كلامه قائلا : يجب علينا أن ندرك جيدا أن أولادنا يدفعون ثمن أخطائنا مما يؤثر سلبا على حياتهم بشكل كامل وإذا وصلت الأمور إلى الطلاق فيجب على كل طرف من الأطراف أن يضع نصب عينيه الأبناء ويحاول أن تنتهي الأمور بشكل يبعد عن الصراع و الانتقام حتى يحافظوا على نفسية الأبناء ويجنبوهم التعرض للكثير من المشكلات المجتمعية التي سيتعرضون لها نتيجة الصراع بين الطرفين من اجل الطلاق وعلينا أن ندرك أن أولادنا هم أزواج وزوجات المستقبل وهم العمود الفقري للمجتمع مستقبلا فعلينا أن نحسن الاختيار قبل الزواج حتى لا نصل إلى الطلاق ومشكلاته التي تؤثر سلبا على كل أفراد الأسرتين حتى نحافظ على المجتمع ونقلل من المشكلات المجتمعية التي تجعلنا لا ننشغل سوى بالانتقام والصراع .
مخالفات شرعية
عن موقف الشرع من مكائد المطلقين والمطلقات يؤكد الدكتور مسعد الشايب دكتوراه في علوم التفسير، أن أبغض الحلال عند الله الطلاق كما صحّ من قول سيدنا عبد الله بن عمر (رضي الله عنهما)، ومن عجيب أمر المنفصلين أنهم ينسون قول الله (عزّ وجلّ): {وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ}، وقوله تعالى: {وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا}، ومِنْ ثَمَ يلجئون لمكايدة بعضهم البعض، كالشكاوى والدعاوى الكيدية من الطرفين الذكر والأنثى، كدعوى تبديد قائمة الزوجية (العفش والأثاث)، ودعوى التعدي والسبّ، والإهمال...الخ، وهذه الشكاوى وتلك الدعاوى من باب التسبب في الإيذاء للآخرين، والله (عزّ وجلّ) بقول:{وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا}، كما أنها من باب الزور والتشبع بما لم يعط، قال (صلى الله عليه وسلم):" المُتَشَبِّعُ بِمَا لَمْ يُعْطَ كَلاَبِسِ ثَوْبَيْ زُورٍ".
ويشدد الدكتور مسعد على عدم تشويه السمعة والعرض، بهدف المنع من الزواج بالغير، وهذا من أكبر الكبائر، ويؤثر على العلاقة بين أسرة الطرفين، وقد يتسبب في مشاكل مدمرة، ولو كان بين الطرفين أولاد فإنه يؤثر على نفسيتهم، قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ *يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ*يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ}، وقال (صلى الله عليه وسلم): (اجْتَنِبُوا السَّبْعَ المُوبِقَاتِ). قالوا: يا رسول الله وما هن؟ قال: "الشِّرْكُ بِاللَّهِ، وَالسِّحْرُ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالحَقِّ، وَأَكْلُ الرِّبَا، وَأَكْلُ مَالِ اليَتِيمِ، وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ، وَقَذْفُ المُحْصَنَاتِ المُؤْمِنَاتِ الغَافِلاَتِ".
ويحذر الدكتور الشايب من الحرمان من رؤية الأولاد والتحايل على ذلك، وهذا أيضا من الأمور الشنيعة، ويسبب حرمان الأولاد من حنان أحد الوالدين مما يسبب بعد ذلك عقدًا نفسية لهم، وهو اعتداء على حق أصيل لكل من الطرفين وكذلك ادعاء العجز الجنسي للرجل، بهدف التشويه وإلقاء اللوم عليه وأنه السبب في الطلاق، وهذا نوعٌ من أنواع الكذب والبهتان، والنبي (صلى الله عليه وسلم) يقول: (أَتَدْرُونَ مَا الْغِيبَةُ؟). قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: (ذِكْرُكَ أَخَاكَ بِمَا يَكْرَهُ). قيل أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟. قال: (إِنْ كَانَ فِيهِ مَا تَقُولُ، فَقَدِ اغْتَبْتَهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ فَقَدْ بَهَتَّهُ) ، وقال (صلى الله عليه وسلم): (...وَإِنَّ الكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الفُجُورِ، وَإِنَّ الفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَكْذِبُ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ كَذَّابًا) (متفق عليه)، ومن هذا الضرب ادعاء بخل الرجل وعدم نفقته على أولاده، وادعاء بلادة المرأة وعدم إجادتها للطهي وأعمال المنزل وغير ذلك .
وينهي الدكتور الشايب كلامه محذرا من مكائد تزوير أوراق وتحريات النفقة الشهرية سواء بالزيادة من المرأة أو النقصان من الرجل لأن هذا نوعٌ من أنواع تضليل العدالة، وضربٌ من الكذب، وشعبة من التدليس والتزوير، قال (صلى الله عليه وسلم):"إِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ، فَأَقْضِيَ لَهُ عَلَى نَحْوٍ مِمَّا أَسْمَعُ مِنْهُ، فَمَنْ قَطَعْتُ لَهُ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ شَيْئًا، فَلَا يَأْخُذْهُ، فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ بِهِ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ".
اترك تعليق