أكد المشاركون في الندوة التي نظمتها وزارة الأوقاف بالتعاون مع "عقيدتي" تحت عنوان "مواقف الشرف والنُبل في السيرة النبوية العطرة" أن حياة النبي- صلى الله عليه وسلم- مليئة بالمواقف التي تقدم نموذجا للإنسان الكامل المعصوم الذي أرسله الله رحمة للعالمين ولكل المخلوقات وليس البشر فقط، أوضحوا ضرورة تعريف الأجيال الجديدة بعظمة أخلاق نبيّهم لحمايتهم من التطرف والإلحاد لأن الجهل بتعاليم الدين وسيرة الرسول يعد الباب الذهبي لذلك، وأشاروا إلي أهمية الاستمرار في التعريف برسول الإسلام لغير المسلمين الذين لعب الإعلام المعادي دورا في تشويه سيرته العطرة، مؤكدين أن لدعاة وزارة الأوقاف دورا دعويا وتربويا كبيرا في تبصير الناس بأمور دينهم عامة، والقيم والأخلاقية النبوية التي يمكن عن طريقها إصلاح المجتمع لتكون راقية.
في البداية أشاد الكاتب الصحفي جمال سالم- نائب رئيس تحرير عقيدتي- بتعاون الأوقاف و"عقيدتي" لنشر الوعي الديني ومحاربة الفكر المتطرف الناتج عن الجهل بالدين وتعاليمه الموجودة في القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة والسيرة النبوية العطرة المليئة بالمواقف والأخلاق، ويكفيه قول الله تعالى عنه في القرآن الكريم "وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ"، موضحا أن غير المسلمين اعترفوا بعظمة النبي.
الأخلاق النبوية
وأشار د. هشام عبدالعزيز- الأمين العام للمجلس الأعلى للشئون الإسلامية- إلى أن النبي هو صاحب النبل والشرف والخلق العظيم، فقد قال تعالى في حقه: "وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ"، ويظهر هذا في مواقفه مع الخلق ،فعلى الرغم من عِظَم مكانته إلا أنه كان متواضعًا رحيمًا بخلق الله أجمعين ،فقد تجاوزت رحمته البشر ،فكان رحيمًا بالحيوان موجهًا أصحابه إلى هذا، فقال: "بَيْنمَا رَجُلٌ يَمْشِي بطَريقٍ اشْتَدَّ علَيْهِ الْعَطشُ، فَوجد بِئراً فَنزَلَ فِيهَا فَشَربَ، ثُمَّ خَرَجَ فإِذا كلْبٌ يلهثُ يَأْكُلُ الثَّرَى مِنَ الْعَطَشِ، فَقَالَ الرَّجُلُ: لَقَدْ بلَغَ هَذَا الْكَلْبُ مِنَ العطشِ مِثْلَ الَّذِي كَانَ قَدْ بَلَغَ مِنِّي، فَنَزَلَ الْبِئْرَ فَملأَ خُفَّه مَاءً ثُمَّ أَمْسَكَه بِفيهِ، حتَّى رقِيَ فَسَقَى الْكَلْبَ، فَشَكَرَ اللَّهُ لَه فَغَفَرَ لَه. قَالُوا: يَا رسولَ اللَّه إِنَّ لَنَا في الْبَهَائِم أَجْراً؟ فَقَالَ: "في كُلِّ كَبِدٍ رَطْبةٍ أَجْرٌ"، ويقصد النبي تعليم أصحابه الرفق والإحسان والرحمة في كل شئ, حتى في ذبح الحيوان كان رحيمًا، فقال: "إن الله كتب الإحسان على كل شئ، فإذا قتلتم فأحسِنوا القِتلة، وإذا ذبحتم فأحسِنوا الذِّبحة، وليُحدَّ أحدُكم شِفرته، وليرح ذبيحته"
وأوضح د. هشام أن رسول الله كان يرفع الظلم عن الناس ولا يرضاه، كما كان يرفع الظلم عن الحيوان أيضًا, يقول أحد الصحابة (رضوان الله عليهم): "أردَفَني رسولُ اللَّهِ خَلفَهُ ذاتَ يومٍ، فأسرَّ إليَّ حَديثًا لا أحدِّثُ بِهِ أحَدًا من النَّاسِ، وَكانَ أحبُّ ما استَترَ بِهِ رسولُ اللَّهِ لحاجَتِهِ هَدفًا، أو حائِشَ نَخلٍ، قالَ: فدخلَ حائطًا لرَجُلٍ مِن الأنصارِ فإذا جَملٌ، فلَمَّا رأى النَّبيَّ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ حنَّ وذرِفَت عيناهُ، فأتاهُ النَّبيُّ فمَسحَ ذِفراهُ فسَكَتَ، فقالَ: مَن ربُّ هذا الجَمَلِ، لمن هذا الجمَلُ؟ فَجاءَ فتًى منَ الأنصارِ فَقالَ: لي يا رسولَ اللَّهِ، فَقالَ: أفلا تتَّقي اللَّهَ في هذِهِ البَهيمةِ الَّتي ملَّكَكَ اللَّهُ إيَّاها؟ فإنَّهُ شَكا إليَّ أنَّكَ تُجيعُهُ وتُدئبُهُ" ،وانظروا إليه حينما صنع الصحابة الكرام له منبرًا، يقول ابْنِ عَبَّاسٍ، وأَنَسٍ (رضي الله عنهما): "أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَخْطُبُ إِلَى جِذْعٍ ، فَلَمَّا اتَّخَذَ الْمِنْبَرَ، ذَهَبَ إِلَى الْمِنْبَرِ، فَحَنَّ الْجِذْعُ، فَأَتَاهُ، فَاحْتَضَنَهُ، فَسَكَنَ". إن النبي لم تقتصر رحمته على الكائن الحي فقط من إنسان وحيوان ،بل وصل الأمر إلى الجماد، يحتضنه حتى يسكن ويأمر أصحابه أن يضعوا المنبر عليه مراعاًة لمشاعره، لذا فإننا نؤكد وبشدة أنه لا يمكننا أن نجد في التاريخ الإنساني منذ نشأته وحتى الآن مثل تاريخ النبي في دعوته وجهاده في نشر المكارم والحث عليها ونجاحه الباهر في إيصال الإسلام في شتى بقاع الأرض في مدة قصيرة، وهذا الأمر لم يحدث له مثيل في التاريخ الإنساني.
تجرية حيَّة
وأشار د. هشام إلي أن سيرة النبي ليست مجرد تاريخ نقرأه لننال الثواب ونفتخر بعظمته ونجعله مجرد قصة تاريخية نستمتع بها ،بل إن هذا التاريخ العظيم هو تجربة حيّة تذخر بالمفاهيم والبصائر والحقائق التي يمكن لأي إنسان أن يستمد منها طاقة كبيرة يدخرها في نفسه تقوده نحو التقدم والرقي ،شريطة أن يفهم بعمق المفاهيم والأخلاق التي قامت عليها دعوة الإسلام بوصفها خاتمة الرسالات السماوية بل أنه صلى الله عليه وسلم كان رحمة مهداة من الله للعالمين، فقال الله تعالى "وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ".
وظهر تعظيمه صلى الله عليه وسلم للأخلاق في كثير من كلماته وأحاديثه، فها هو رسول الله يقول معلِّمًا لأصحابه: "إِنَّ مِنْ أَكْمَلِ المُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا، وَأَلْطَفُهُمْ بِأَهْلِهِ". ولم تكن هذه الأخلاق الفاضلة مقصورة على قوم دون آخرين أو طائفة دون طائفة، بل ظهرت واضحة جليّة في كل تعاملاته؛ فقد كان كثير المخالطة لأصحابه، لم يعتزل عنهم أبدًا، كان يُجالس الفقراء، ويرحم المساكين، وتسير به الأَمَة في شوارع المدينة أينما شاءت، وكان يعود المرضى، ويشهد الجنائز، ويزور أصحابه في بيوتهم، ويزورونه في بيته، وهو في كل ذلك دائم الابتسامة، منبسط الأسارير، متهلِّل الوجه، وكان رحيمًا بأُمَّته تمام الرحمة، ما خُيِّر بين أمرين إلاَّ اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا، فإن كان إثمًا كان أبعدَ الناس عنه، وكان كثير العفو حتى عَمَّن ظلمه وبالغ في ظلمه، كما كانت أخلاق النبي عظيمة في بيته، وفي تعامله مع غير المسلمين في مجتمعه، بل وتميز -أيضًا- بمعاملة أعدائه ومبغضيه بكل رفق وأناة، وقد شهد بحسن خلقه أبو سفيان قبل أن يُسلم وهو زعيم المشركين، فقال عند إسلامه: "والله إنك لكريم، ولقد حاربتك فنعم محاربي كنت، ثم سالمتك فنعم المسالم أنت، فجزاك الله خيرًا".
القدوة والأسوة
وتناول د. أحمد القاضي- كبير مذيعي إذاعة القرآن الكريم- نماذج فريدة من وفاء النبي ونبل أخلاقه وشرفه العظيم، فقد وصل من وفائه لأم المؤمنين السيدة خديجة (رضي الله عنها) أنه كان يكرم من كان يأتيه أيام خديجة، فعن عائشة- رضي اللَّه عنها- قَالَتْ: مَا غِرْتُ عَلَى أَحَدٍ مِنْ نِسَاءِ النَّبيِّ ﷺ مَا غِرْتُ عَلَى خديجةَ رضي اللَّه عنها، ومَا رَأَيْتُهَا قَطُّ، ولَكِنْ كَانَ يُكْثِرُ ذِكْرَهَا، وَرُبَّما ذَبح الشَّاةَ ثُمَّ يُقَطِّعُهَا أَعْضَاء، ثُمَّ يَبْعَثُهَا في صدائِق خدِيجةَ، فَرُبَّما قلتُ لَهُ: كَأَنْ لَمْ يَكُنْ في الدُّنْيَا إِلَّا خديجةُ! فيقولُ: إِنَّها كَانَتْ، وكَانَتْ، وكَانَ لي مِنْهَا ولَدٌ".
كما أن نبل أخلاق النبي لم يكن مع المسلمين فقط بل مع غير المسلمين أيضا وقد أسهم هذا في دخول كثير منهم في دين الله أفواجا، فقد وصفه الله في علاقته بالمسلمين، فقال سبحانه: "لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ". وقال أيضا "فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ۖ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ۖ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ".
وأوضح د. القاضي، أن من أخلاق النبي الحلم والحكمة في معالجة الأمور والمشكلات، فقد جاءه شاب يطلب منه الإذن في الزنا، فعامله بكل رفق، فعن أبي أمامة رضي الله عنه قال: "إن فتى شابًّا أتى النبيَّ فقال: يا رسول الله، ائذن لي بالزنا! فأقبل القوم عليه فزجروه، وقالوا: مه مه! فقال: ((ادنه))، فدنا منه قريبًا، قال: فجلس، قال: ((أتحبه لأمك؟))، قال: لا والله، جعلني الله فداءك، قال: ((ولا الناس يحبونه لأمهاتهم))، قال: ((أفتحبه لابنتك؟)، قال: لا والله يا رسول الله، جعلني الله فداءك، قال: (ولا الناس يحبونه لبناتهم)، قال: (أفتحبه لأختك)، قال: لا والله، جعلني الله فداءك، قال:(ولا الناس يحبونه لأخواتهم)، قال: (أفتحبه لعمتك؟)، قال: لا والله، جعلني الله فداءك، قال: ((ولا الناس يحبونه لعمَّاتهم)، قال: (أفتحبه لخالتك)، قال:لا والله، جعلني الله فداءك، قال: (ولا الناس يحبونه لخالاتهم)، قال: فوضع يده عليه، وقال: (اللهم اغفر ذنبه، وطهِّر قلبه، وحصِّن فَرْجَه)، فلابد وأن يتعلّم الإعلامي الإسلامي من أخلاق المصطفى كل الفضائل والقيم خلال تعامله مع القضايا المعاصرة، فقد سئلت أم المؤمنين عائشة عن خُلُق النبي فقالت: "كان خُلُقه القرآن" بل إنه كان قرآنا يمشي على الأرض.
وأشار د. القاضي، إلى أن الإعلامي بوجه عام، والإسلامي بوجه خاص يجب أن يتحلى بأخلاق النبي خاصة إذا كان في مجال الدعوة الإسلامية التي حدد الله بعض مواصفات القائم بها فقال سبحانه "ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ ۖ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ". ولهذا يجب عليه أن يتحلّى بالصدق وحُسن الحديث وأدب الحوار، وقد ضرب رسول الله أروع الأمثلة في حُسن الخُلق، وقد بيّن أن بعثته كانت لإتمام مكارم الأخلاق، فقال: (إنما بُعثت لِأُتمِّم صالح الأخلاق)، وشهد الله تعالى لرسوله بعظم الأخلاق، فقال تعالى: "وإنك لعلى خُلُق عظيم".
اترك تعليق