يعتبر مسلسل الداعية من أبرز الاعمال الدرامية التى تناولت صورة الدعاة فى العصر الحديث والذى عُرض لأول مرة عام 2013 ومازال يعاد عرضه على شاشات الفضائيات العربية حتى الآن، وقد أظهر الداعية المسلم فى صورة لا تليق بمهنته ولا مكانته فقد قدّمه فظًّا غليظًا لا يجيد التعامل مع الآخرين، فضلا عن سعيه الدائم لكسب الشهرة وجلب الثروة المادية، بالإضافة إلى السطحية العلمية وضيق أفقه وعقوق الوالدين! وغير ذلك من الصور التى تحط من قدر الداعية ومكانته وتفقده مصداقيته أمام الجماهير.
جاء ذلك فى الأطروحة العلمية التى قدّمها الباحث محمد إبراهيم هواش- الواعظ العام بالأزهر الشريف وعضو لجنة الفتوى الغربية- لنيل درجة الماجستير تحت عنوان "صورة الداعية المسلم فى الدراما العربية.. مسلسل الداعية نموذجا" والتى أشرف عليها كل من د. محمود الصاوى- أستاذ الدعوة الثقافة الاسلامية والوكيل السابق لكلية الدعوة وكلية الاعلام بجامعة الأزهر- د. محمود عبدالعاطى مسلم- رئيس قسم الاذاعة والتليفزيون بإعلام الأزهر- وناقشها د. محمود يوسف- أستاذ العلاقات العامة والاعلان بجامعة القاهرة- د. على عثمان منصور- أستاذ الثقافة الاسلامية بكلية الدعوة بالقاهرة- وحصل على تقدير ممتاز.
وأكد الباحث أن صورة الداعية المسلم من أهم الصور التى أنتجتها الدراما العربية, حيث أثبتت الدراسات والبحوث واستطلاعات الرأى أن الدراما العربية قدّمت الداعية المسلم فى صورة لا تليق به بل انها قلّلت من شأنه ومكانته لدى الجمهور، وظهر ذلك واضحا فى أول الأعمال تاريخا وحتى أحدثها حيث تعد مسرحية "الشيخ متلوف" المنقولة عن مسرحية "طرطوف" للكاتب الفرنسى "موليير" والتى ألّفها خصيصا للسخرية من رجال الدين فى المجتمع الغربى فى العصور الوسطى وما بعدها، وقدمت هذه المسرحية الصورة الذهنية التى يريدها الإعلام إلصاقها بالدعاة وتعد هذه المسرحية بداية للسخرية من رجال الدين وعلمائه حتى صارت مرجعا لكثير من الأعمال الدرامية التى تتناول صورة الدعاة.
تحفّظات كثيرة
وكان للباحث الكثير من التحفّظات على مسلسل الداعية محل الدراسة حيث أخذ عليه إظهاره الدعاة يتبعون أهواءهم ويرضون شهواتهم, فمجرد وقوع الداعية فى حب امرأة تغيّر مسار دعوته، كما عاب على المسلسل ظلمه البيّن للداعية والذى ظهر جليا فى اتخاذه من مغازلة النساء والعلاقة المحرّمة سبيلا للتجديد ومواكبة العصر، وهذا فيه تجنٍ على الداعية وظلم شديد له، كما انتقد تصوير المسلسل للدعاة بأنهم طلاب دنيا وتجار دين يحلّون ويحرّمون وفقا لأهوائهم! بل ان حروبهم من أجل الدنيا تشغلهم عن معالجة قضايا المجتمع وهذا ظلم للدعاة وتجن عليهم مما أدى الى فقدان الجمهور ثقته فيهم وفيما يقدمونه.
كما أبرز المسلسل أن الدعاة يقلّدون مشايخهم بصورة عمياء دون نقد أو إبداء رأى فيما يقدمونه إلا فى مواطن نادرة وذلك لغلبة الهوى والتطلع الى كسب المال وتحقيق الشهرة! وهذا يؤكد على الإساءة لصورة الداعية المسلم التى تقوم عقليته العلمية على مبدأ التقويم والنقد البناء المجرد عن الهوى.
ممارسات خاطئة
وأشار الباحث الى وجود مجموعة من الممارسات الخاطئة والنابعة من التوجهات الفكرية لبعض كتاب السيناريوهات ولبعض الدعاة، ايضا مرجعا ذلك لغياب الكثير من القيم المهنية والاخلاقية فى بعض الممارسات الاعلامية وعدم الاهتمام بمناقشة كتاباتهم لمشكلات المجتمع وإيجاد حلول لها بقدر حرصهم على تحقيق الارباح والايرادات المالية، لافتا الى تقديم بعض الدعاة صورة سلبية فتعرض على أنها صورة الجميع وهذا خطأ كبير.
الصورة المغلوطة
ولفت الباحث الى أن المسلسل صوَّر الدعاة بأنهم كلهم كذّابون ومنافقون وليس لهم إلا جمع المال واقتناص الشهوات, وكذلك شيوخهم, فلا يجتمعون إلا حول المصلحة الشخصية ويصيرون أعداء اذا تعارضت مصالحهم, وهذه ليست أخلاق عموم المسلمين، فضلا عن دعاتهم، هذا بالاضافة الى تصوير المسلسل للدعاة بأنهم لصوص وعصابات يتصارعون مع بعضهم البعض بسبب الأهواء والمصالح الشخصية، وهذا يؤدى الى إسقاط الدعاة من أعين الناس ونفور المدعوين منهم، كما جعل المسلسل الدعاة محلا للسخرية والتهكّم عليهم من قبل الناس، كما أثبت المسلسل وجود بعض التأثيرات السلبية لبعض الدعاة كالإنحياز لطائفة دون الأخرى أو إتباع منهج معين أو الإنتماء لحزب دون غيره مما أدى الى تشابه المضامين الدينية الاسلامية المقدمة للناس، فضلا عن التكرار فى نشر ومعالجة بعض القضايا الدينية وفقدان الولاء النسبى للمنهج المعتدل الذى يمثله الأزهر الشريف عبر القرون الزمنية المختلفة الأمر الذى ترتب عليه كما يقول الباحث تراجع ثقة الجماهير ومؤسسات المجتمع فى الدعاة، فضلا عن محدودية تأثير الدعاة فيهم واختلال منظومة القيم والمعايير المهنية.
الاسلام والفن
وشدّد الباحث على أن الاسلام لا يحرّم الفن ولا يحاربه بل يدعو اليه ويحث عليه لكن الغاية التى يستهدفها الاسلام من تحريم بعض ألوان الفنون هى أن يحول بينها وبين إفساد المجتمع بتأثيرها الشديد الذى يستميل النفوس ويقودها الى عبودية المال والتهالك على الشهوات، لذا تؤكد الدراسة أن الشريعة الاسلامية لا تعارض الفن الواقعى الذى يهدف الى توعية وتعليم الناس القيم العليا والمبادئ السامية والاخلاق الفاضلة، لذا تسعى الدراسة لأن تكون لبنة فى بناء الصرح العلمى المشترك بين الدعوة والاعلام لرسم وتصحيح الصورة الذهنية لكل ما يعرض فى كافة وسائل الاعلام.
أهم التوصيات
وأوصى الباحث بعدة توصيات هامة منها: عودة وتفعيل قسم الاعلام الاسلامى بكلية الدعوة مرة ثانية ليعمل جنبا الى جنب مع كلية الاعلام مع توفير الدعم الكامل له، كما أوصى طلبة الدراسات العليا الذين يرغبون فى تسجيل درجة الماجستير ان يقوموا بدراسة صورة الدعاة فى باقى الاعمال الدرامية الحديثة وكذلك فى الافلام السينمائية وفى الصحف والروايات لمعرفة مدى تأثير هذه الصورة فى ثبات المرجعية الدينية عند الجمهور، كما أوصاهم بدراسة دور الدراما فى عرض المناسبات الدينية وسبل الاستفادة منها فى غرس القيم الحميدة وترسيخها لدى الجمهور.
تعليقات المناقشين
تجدر الاشارة الى أن هذه الرسالة نالت رضا واستحسان كل أعضاء لجنة المناقشة حيث أكد د. محمود الصاوى أن للفن رسالة واضحة وقوية تسير جنبا الى جنب مع الدعوة والفنون الحقيقية التى تعبّر عن واقع المجتمعات وتسعى لنشر القيم الاخلاقية النبيلة وليست المزيفة فالاهداف الكبيرة للفن تتسق تماما مع الاهداف السامية للدعوة فهما يخرجان من منبع واحد ويقدمان رؤية واحدة لإصلاح المجتمعات لكن أى شذوذ هنا أو هناك لا يؤثر على المبادئ الكلية التى قامت عليها هذه الفنون، فالاصل فى الفن تهذيب المجتمع وصقل أخلاق ابنائه والتعريف بقضايا المجتمع ومن ثم معالجتها، فضلا عن اظهار وتجديد التراث الانسانى، فكل هذه المبادى تتفق مع المبادئ العليا للثقافة الاسلامية اما الخروقات التى تحدث عند آحاد الدعاة وبعض المنتسبين للفن فلا تؤثر على الهدف الاساسى لهذه الفنون.
الدعوة والسينما
أما د. محمد يوسف فقد أوضح أن العلوم المختلفة نشأت ونبتت بين أحضان الفكر الاسلامى، ومن بين هذه العلوم علم الاعلام، كما أشاد بالدراسة لافتا الى أن طرح مثل هذا الموضوع والمزاوجة بين علوم الدين والحياة اضافة للبحث العلمى لابد أن يُشكر عليه القائمون عليه لان الدعوة فى اطارها العلمى الصحيح تقوم على الاستفادة من كل هذه العلوم، مشيرا الى انه لو كانت السينما موجودة فى عهد النبى- صلى الله عليه وسلم- ما تردد فى استخدامها لكن بضوابط اسلامية لان الوسائل فى حد ذاتها لا تعد خيرا ولا شرا انما الخير والشر يكمن فى مستخدِم هذه الوسائل.
اترك تعليق