د شوقي علام مفتي الجمهورية في حوار لـعقيدتي

التحلّي بأخلاق النبوة أبلغ رد في مواجهة المتطرفين والمسيئين
مفتي الجمهورية في حديثه مع عقيدتي
مفتي الجمهورية في حديثه مع عقيدتي

تصوير: محمد الشربيني

فضيلة د. شوقي علام- مفتي الجمهورية، رئيس الأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء في العالم الإسلامي- شخصية فريدة من نوعها، فهو فقيه مالكي، عالم أزهري، قطب صوفي، إنسان خلوق، تستشعر في حضرته بعمق العالم، وبساطة الإنسان، وسمو الروح والوجدان، وهو مع علمه وحضوره وطني من طراز خاص، حمل على عاتقه هموم ملفات ساخنة ومهمة في دار الإفتاء المصرية، فمنذ توليه مسئولية دار الإفتاء كأول مفتٍ منتخَب من هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف، بعد إعادة تشكيلها، عمل على استكمال ما بدأه فضيلة د. علي جمعة- المفتي السابق- من أوسع عملية تطوير لدار الإفتاء في تاريخها الحديث،


وزاد عليه تشكيل مراصد عالمية للفتاوى المتشددة، والإسلاموفوبيا، وقضايا الأقليات، فضلا عن المؤشر العالمي للفتوى، كما توسع في تفعيل دور دار الإفتاء المصرية عالميا، وذلك عبر تشكيل أكبر وأهم مظلة عالمية لدور وهيئات الإفتاء في العالم الإسلامي، والتي أصبحت تضم في عضويتها نحو 60 دولة، في مختلف أنحاء العالم، ليس هذا فحسب بل توّج ذلك الجهد العالمي المبذول بإعلان الاتحاد الأوروبي اعتماد دار الإفتاء المصرية كمرجعية فقهية له، فضلا عن تقديم دار الإفتاء لتقارير في غاية الأهمية للأمم المتحدة فيما يرتبط بمواجهة الإرهاب والتطرف، وصارت جهود الدار السبّاقة في الأخذ بالأدوات الالكترونية، والحضور الواسع عبر المواقع بكافة اللغات الحية، ومن تطوير الرسالة، لتطوير المباني فتحوّلت الدار في عهد فضيلته من مبنى واحد إلى مبنيين، والثالث بدأت أعمال الإنشاء فيه.

إنطلاقا من كل ما سبق، ومن محورية الوقت الراهن لدار الإفتاء، وكذلك لـ"عقيدتي" مع تجديد الثقة في الكاتب الصحفي محمد الأبنودي- رئيسا للتحرير- كان هذا الحوار الذي استمدت فيه "عقيدتي" من فضيلة المفتي تشاورا حول هموم الدار والمؤسسة الدينية وما يجب أن تبذله "عقيدتي" من جهد، خدمة للدعوة وللدعاة ومواجهة للتطرف ونهوضا بدورها التاريخي الذي نشأت لأجله، فكان هذا الحوار.

*بداية، كيف يرى فضيلة المفتي أزمة الرسوم المسيئة للنبي الكريم، صلى الله عليه وسلم؟

**مقام النبوة أنبل وأعظم من كل ما يُحاك ضده ويُقال بحقه، وعلى مسلمي العالم أن يجعلوا التعبير عن غضبهم المشروع لمقام رسول الله، صلى الله عليه وآله وسلم، في صورة إيصال أخلاقه وتعاليمه السمحة وصورته المشرقة للعالمين، وأن يكون هذا التعبير بعيدًا عن العنف والتخريب والقتل ومخالفة القانون، مع ضرورة اتخاذ كافة الإجراءات القانونية لمنع تكرار تلك الإساءات في حق المقام النبوي الشريف، فالقراءة العصرية لسيرة النبي وتطبيقها تطبيقًا عمليًّا صحيحًا أصبحت ضرورة ملحَّة في ظل ما نعيشه من أحداث تتطلب منّا التمسّك بأخلاق الرسول- صلى الله عليه وسلم- وتحقيق مقاصد الإسلام السمحة، فما أحوج الأمة الإسلامية إلى التحلّي بأخلاق نبي الرحمة في وقتنا الراهن في ظل انتشار تيارات وجماعات التطرف والإرهاب التي لا تمُتّ إلى الدين بِصِلة، ولا تعرف شيئًا عن مبادئه وقيمه السمحة.

جريمة فردية

*البعض طرح أن هناك أزمة حقيقية في الجالية الإسلامية في فرنسا أو الغرب عامة، فما السبيل برأي فضيلتكم لمعالجة العوار هناك؟

**المولي عزَّ وجلَّ أمر نبيه الكريم أن يدعو إلى سبيل ربِّه بالحكمة والموعظة الحسنة، وليس بالقتل وسفك الدماء، كما يفعل أهل التطرف والإرهاب، وعلى الحكومة الفرنسية عدم تحميل الإسلام والمسلمين نتيجة فعل إجرامي لشخص متطرف يرفضه الإسلام والمسلمون، كما أن الحكمة تقتضي أن يتم التعامل مع الأمر على أنه جريمة فردية حتى لا يؤدي ذلك إلى انتشار خطاب الكراهية ضد المسلمين، مع ضرورة تفعيل قوانين خطابات الكراهية التي تعد رادعًا لكل من يفكر في الإساءة إلى غيره بسبب الدين أو العِرق أو الجنس، خاصة وأن تواصل تطور المسألة قد يتسبب في تكرار تلك الجرائم الإرهابية، وكذلك ربما يضاعِف من الأعمال الإجرامية التي تحاك ضد المسلمين، وكلنا سنخسر أمننا واستقرارنا، والأمر يحتاج لعلاج العقلاء، حتى يجري تفويت الفرصة على من يودون الوقيعة بين المسلمين وفرنسا لأغراض قد تكون أبعد بكثير عن حقيقة الأزمة الحاصلة على الأرض وقد يُستغَل ذلك سياسيا، وكلها أمور مرفوضة، ولن يواجهها سوى التدخل العقلاني المدروس البعيد عن العاطفة المنحازة البعيدة عن الواقع قولا وعملا.

تأهيل أئمة الغرب

*في ذلك الإطار كان لدار الإفتاء جهد مبذول في رعاية أئمة الأقليات المسلمة، هل من تطوير لهذا الملف؟

**نسير بخطى ثابتة نحو التواصل مع أئمة الغرب وخدمة الأقليات المسلمة في الخارج عبر الجولات الخارجية لعلماء الدار، فضلًا عن مراصد دار الإفتاء التي تعمل على إيضاح الكثير من الحقائق وتفنيد الكثير من مزاعم التنظيمات الإرهابية، ما جعل البرلمان الأوروبي يعتمدها كمرجعية للفتوى، إضافة إلى الدور المحوري الذي تقوم به الأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء في العالم التي تعمل على تنفيذ عدد من البرامج التدريبية وإيجاد منظومة علمية وتأهيلية للقيادات المسلمة في العالم، يكون من شأنها تجديد منظومة الفتاوى التي يستعين بها المسلم على العيش في وطنه وزمانه، كما تُرسِّخُ عنده قيمَ الوسطية والتعايش، وذلك في إطار جهود دار الإفتاء الساعية إلى نشر الوعي الديني الصحيح في أوساط المسلمين بجميع أنحاء العالم، والتأكيد على سماحة الإسلام وتقديم الدعم العلمي والشرعي للمسلمين المقيمين في بلاد المهجر.

كما تسعى دار الإفتاء المصرية إلى تعميق التواصل مع الأقليات المسلمة، ومراكز الأبحاث حول العالم، والتواصل مع وسائل الإعلام العالمية، واستثمار المراكز الثقافية والإسلامية، وتعزيز التعاون مع المنظمات الدولية في مجال الحوار والمشاركة الإنسانية والاستفادة من الدبلوماسية الشعبية لدعم قوة مصر الناعمة.

الحالة الفرنسية

*مع أزمات التطرف والإرهاب كانت لفرنسا معاناة خاصة في مواجهة ويلات التطرف والإرهاب، ما أبرز ملامحها برأيكم؟

**كل الإشكالات المتعلقة بالتطرف التي شهدها العالم في الآونة الأخيرة برزت بسبب فتاوى متشددة ومضللة، ودار الإفتاء أنشأت مرصدًا للفتاوى المتشددة ولاحظت تداول كم كبير من هذه الفتاوى وما لها من تأثير في العديد من البلدان في العالم، وهذه الفتاوى بغض النظر عن مصدرها تنطلق كالشرارة من مكان إلى آخر، وتحدِث ارتباكًا كبيرًا في العالم، ومن هنا كان لزامًا المبادرة بتصحيح الصورة المغلوطة عن الإسلام من أثر هذه الفتاوى في العالم، وقد سبق وناقشنا مع الجانب الفرنسي خطر ظاهرة التطرف وتداعيات ممارسات تنظيم «داعش» الإرهابي في العراق وسوريا على فرنسا في ضوء وجود عدد كبير من الشباب الفرنسي الذي انضم لصفوف هذا التنظيم، ودار الإفتاء المصرية أعربت عن استعدادها لإرسال نسخة من فتاواها التي تُرجمت إلى اللغة الفرنسية خاصة أن هذه الفتاوى جاءت في أغلبها ردًّا على أسئلة وردت من فرنسيين مسلمين.

مشروعات ناجحة

*كانت لديكم مشروعات ناجحة في التواصل مع الغرب عبر منصاته الإعلامية المختلفة، هل من خطوات مماثلة يمكن البناء عليها في معالجة الأزمة الحالية؟

**نعمل على مد جسور التواصل مع أصحاب الثقافات والحضارات المختلفة، من خلال مجموعة آليات من بينها: القيام بجولات خارجية متنوعة شملت قارات العالم لنشر الفكر الصحيح، وتوضيح العديد من المفاهيم التي يستغلها المتطرفون وأعداء الإسلام في تشويه صورة الإسلام والمسلمين في الخارج، والعناية بملف الإسلاموفوبيا وتصحيح صورة الإسلام في الخارج من منطلق دور الدار في الدفاع عن الدين وإظهار الحقائق أمام الرأي العام العالمي في ظل ما يتعرض له الإسلام من هجمات، إلى جانب بناء استراتيجية وطنية للتواصل مع العالم الخارجي وهي جزء من خطة دار الإفتاء للتواصل مع العالم، تستهدف تعزيز الصورة الذهنية للإسلام وإبراز قوة مصر الدينية الناعمة بين الأمم والشعوب، ومن أهم المبادرات التي تم إطلاقها لتفعيل هذا الدور هو إنشاء الأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء في العالم بمشاركة أكابر أعلام الفتوى في العالم في الخامس عشر من ديسمبر ٢٠١٥، ومنذ إنشائها حملت الأمانة العامة على عاتقها لواء الاعتدال والتجديد والاستنارة لتشارك الإنسانية كلها هَمَّ مواجهة التطرف، والسعي الحثيث لقيادة قاطرة الإفتاء في العالم الإسلامي في مواجهة الفتاوى الضالة والمنحرفة لدى الجاليات والأقليات المسلمة بالخارج.

مرصد الإسلاموفوبيا

*لمرصد الإسلاموفوبيا بالدار جهد واضح في مواجهة تلك الظاهرة، فما هي أهم خلاصات جهدكم في هذا الجانب؟

**دار الإفتاء المصرية أنشأت مرصدا لـ"الإسلاموفوبيا" لبحث حركة الكراهية التي تقع ضد الإسلام في أنحاء العالم، ويختص برصد ظاهرة الخوف من الإسلام ومعالجتها، وتقديم كافة التصورات والتقديرات الضرورية لمواجهتها، والحد من تأثيرها على الجاليات الإسلامية في الخارج، وتصحيح المفاهيم والصور النمطية المغلوطة عن الإسلام والمسلمين في الخارج، كما يهدف إلى مواجهة الظاهرة العنصرية ضد المسلمين وذلك عبر خلق "ذاكرة رصدية" تساهم بشكل كبير وفعال في اختيار أفضل السبل للتواصل مع الأطراف المختلفة- وخاصة في الأوساط الإعلامية والبحثية، والتواصل مع صنَّاع القرار في مختلف الكيانات- تواصلاً مبنيًّا على المعرفة المسبقة والرصد والتحليل لتلك الكيانات ولتوجهاتها، بهدف إنتاج خطاب إعلامي خادم لمصالح المسلمين في العالم، ودافع نحو مساندتهم على المستويين الرسمي والشعبي لدى الغرب.

الرد العملى

*ختامًا لهذا الملف، كيف يكون الرد عمليًّا من قِبلنا كمسلمين على الإساءات الغربية لنبينا الكريم؟

**ميلاد النبي- صلى الله عليه وآله وسلم- هو ميلاد للرحمة غير المحدودة للإنسانية جمعاء، ورسالة الإسلام قائمة على الرحمة؛ ولذلك قال الله تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ).

وسيرة النبي العطرة مليئة بالمواقف والأحداث التي تُعلِّمنا قيمًا إنسانية راقية تستقيم معها الحياة وتُعمَّر بها الأرض، وتتآلف بها النفوس إذا ما ترجمناها إلى واقعٍ عملي في حياتنا، وعلى جموع المسلمين في العالم أن يجعلوا التعبير عن غضبهم المشروع لمقام رسول الله في صورة إيصال أخلاقه وتعاليمه السمحة وصورته المشرقة للعالمين.

التصيّد والتربّص

*شيخنا الجليل، نلاحظ في الفترة الأخيرة أن هناك محاولات من المتربصين بالدولة للتصيد من تصريحات فضيلتكم، فما السبب برأيكم؟

**تتعمّد الجماعات الإرهابية وأبواقها الإعلامية تشويه تصريحات القيادات الدينية الرسمية التي دأبت على كشف عوار هذه الجماعات وفضحت استغلالها للمبادئ السامية للدين بهدف تحقيق مآرب سياسية ضد الدين والوطن، وجميعها محاولات خسيسة من قِبل جماعات الفتنة للصيد في الماء العكر، وإحداث وقيعة بين عموم المسلمين ورموزهم الدينية.

التعاون والاعتصام

*ما هي رؤيتكم في هذا التخندق الواضح مع الدولة المصرية في مواجهة التطرف والإرهاب؟

**لقد دعانا الله تعالى في كتابه الكريم إلى الاجتماع والتكاتف والتعاون والاعتصام بحبل الله تعالى، من أجل تحقيق الأهداف السامية، ومن أهمها وأَولاها: حماية الأديان وصيانة الأوطان واستقرار المجتمعات، ومن يقف على الحياد من قضايا وطنه في أوقات التحديات والأزمات، لا يستحق شرف الانتماء لهذا الوطن، فلا حياد في القضايا الوطنية وثوابت الأمن القومي المصري.

ومحاربة الإرهاب واجب وطني وديني، وهى مسئولية تبدأ من الأسرة التي ينشأ فيها الأطفال وتعد المدرسة الأولى التي يتعلّم فيها النشء تحمل المسؤولية تجاه الوطن والمجتمع، ودار الإفتاء أخذت على عاتقها أداء هذه المسؤولية المهمة، من أجل إرساء المفاهيم التي تزيد من التماسك المجتمعي، وتعزِّز المسئولية بين كافة أبناء الوطن، واعتمدت في ذلك على عدة آليات وطرق للوصول إلى أكبر قطاع من الناس، ومن ضمن مجهوداتها عملت على تفكيك الأفكار المتطرفة عبر الفضاء الإلكتروني وصفحاتها الرسمية على مواقع التواصل الاجتماعي التي يتابعها ما يزيد عن 7 ملايين ونصف، وكذلك عبر إصدار الكتب ونشر المقالات وإصدار فيديوهات الرسوم المتحركة وغيرها من المجهودات، فضلًا عن التواصل المباشر مع الشباب من خلال مجالس الإفتاء التي تعقدها الدار بشكل دوري في مراكز الشباب على مستوى محافظات الجمهورية بالتعاون مع وزارة الشباب.

الدولة والإرهابية

*كيف تنظرون للأزمة بين الدولة وجماعة الإخوان الإرهابية في الوقت الراهن؟

**جماعة الإخوان مثَّلت خطرًا على الدين الإسلامي وعلى الوطن، فهم وظَّفوا الدين لخدمة أهدافهم السياسية، واستغلّوا الدين والشرع للوصول إلى الحكم، والدولة المصرية حامية للدين في كل مراحل التاريخ.

ولابد من تحية الجيش المصري لوقفته الشجاعة في صف الشعب والوطن من أجل حماية الإرادة الشعبية، والمؤسسة الدينية كانت في حرب شديدة ضد جماعة الإخوان، وكنا -ولا زلنا- في دار الإفتاء في حرب معهم، فحب الوطن جزء من الدين، ولا عبرة للوطن عند جماعة الإخوان، ونحن نقدِّر بطولات وتضحيات أبطال أجهزة الشرطة ونحتفي بالضربات الناجحة والمتلاحقة للقوات المسلحة والشرطة في مواجهة الجماعات والتنظيمات الإرهابية التي تسعى لنشر العنف والدمار والتخريب، وتنفيذ أجندات ومؤامرات خبيثة لنشر الدمار والخراب في كل مكان.

واجب الوعى

*في هذا الإطار ما أهمية الوعي في مواجهة تلك الحملات الإلكترونية وحروب الجيل الرابع والخامس التي تُشن ضد الدولة؟

**سلاح الفتاوى أصبح من أهم أدوات حروب الجيل الخامس التي تهدد الدول والمجتمعات، لاسيما عبر وسائل التواصل الاجتماعي، التي تستغلها التنظيمات الإرهابية بطريقة ممنهجة وتستخدم فيها المواطنين كلاعب رئيس في نشر الفوضى وزعزعة الاستقرار، وأهم أهداف تلك الحروب هي: نشر الشائعات وقلب الحقائق وهز ثقة المواطنين في مؤسسات ورموز الدول وقياداتها؛ لذا يجب تفعيل دور المؤسسات الدينية في الدول العربية والإسلامية لنشر الوعي بشكل أكبر، والوقوف كحائط صد وأمان ضد ظاهرتي التطرف والإرهاب.

تطوير مستمر

*الأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء آخذة في تطوير دورها، فماذا حققت؟

**الأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء في العالم هي استجابة لمعطيات الواقع ومشكلات المسلمين وأوضاع دولهم وجالياتهم، وقد بلغ عدد أعضائها أكثر من 60 دولة، فالأزمات والمشكلات التي يمر بها المسلمون في مختلف أرجاء المعمورة تتطلب استجابات نوعية تواكب حجم المشكلات والتحديات الراهنة، وقد كانت أمانة الإفتاء في العالم أول مؤسسة إسلامية في العالم تعنى بتجميع وتكتيل المؤسسات والهيئات الإفتائية في مختلف بقاع الأرض لتعيد إلى الفتوى دورها الإيجابي في حياة المجتمعات والشعوب، ولتزيل عنها ما لحق بها بسبب تصدّر غير المتخصصين وأنصاف العلماء وأصحاب التوجّهات المتطرفة للفتوى والرأي الديني، وتولي الأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء في العالم في فاعلياتها المختلفة أبلغ عناية بإيضاح الكيفية العملية التي يظهر من خلالها النموذج الإصلاحي القرآني بإعلاء قيمة التعايش السلمي والحضاري بين الشعوب، وذلك من خلال وضع التصورات الشرعية التي يمكن من خلالها العمل مع المستجدات الحديثة التي تحتاجها جميع الأمم في وقتنا هذا، فضلًا عن اضطلاعها بعدة مشروعات علمية لخدمة العالم الإسلامي، من أبرزها: مؤشر الفتوى العالمي، وحدة الرسوم المتحركة، منصة هداية، مركز دعم البحث الإفتائي، مركز تدريب الأئمة.

مستقبل دور الإفتاء

*وما هي رؤيتكم لدورها في المستقبل؟

**تكمن أهمية الأمانة العامة في سياق زمانها ومكانها، فالتوقيت الآن يشهد موجة عنف لتيارات تبحث عن فتاوى تُشَرْعِن لها العنف، وما الإحصائيات عنا ببعيد، فما يقدّر بخمسين ألف مقاتل في صفوف "داعش" نصفهم من أبناء الأقليات المسلمة، وإعلام التنظيم يتحدث بـ12 لغة فكان على المؤسسات الدينية العريقة وذات الشأن في هذا المجال أن تعلن عن نفسها لترد بقوة وبحسم على الأفكار الضالة بمنهجية علمية رصينة.

أما المكان فقد كان من الضروري أن يتم الإعلان عن ميلاد هذه المظلة التي تجمع دور وهيئات الإفتاء في العالم على أرض مصر التي حملت لواء الاعتدال والتجديد والاستنارة على مر العصور والأزمان.

ولا تزال هناك مهام عظام تنتظر الأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء عالميا لدورها المحوري في ضبط فوضى الفتاوى وتوظيفها السيئ من المتطرفين والمفرطين على السواء.

ضوابط العضوية

*إذن ما هي ضوابط عضوية الأمانة خاصة وقد بلغ عدد أعضائها كما تفضلتم نحو 60 دولة؟

**عضوية الأمانة متاحة وفقا للمعايير والضوابط التي اعتمدها المؤسسون للأمانة لكافة دور وهيئات الإفتاء في العالم التي تعمل بحق على خدمة الإسلام والمسلمين والوقوف جنبًا إلى جنب في نصرة أمّة الإسلام والاضطلاع بخطاب ديني رشيد يخدم قضايا الأمة والعصر الراهن.

فوضى الفتاوى

*لا تزال هناك إشكاليات مرتبطة بفوضى الفتاوى، فهل وصلتم لسبيل واضح لمعالجة تلك الأزمة؟

**لدى دار الإفتاء جهود جمَّة في هذا الشأن، وقد قمنا بوضع ميثاق عالمي للإفتاء بهدف ضبط حالة الفوضى التي أصيبت بها الساحة الإفتائية والخطاب الإسلامي عمومًا، فضلًا عن تفعيل التعاون العلمي بين أعضاء الأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء في العالم لإثراء الميثاق وإكسابه صبغة العالمية، إذ إنه يعد مدونة أخلاقيات لمهنة المفتي. فضلًا عن تدشين "منصة هداية" وهي منصة إلكترونية متعددة المهام والتخصصات واللغات تقدم مجموعة من المحاضرات الصوتية والمرئية، والبرامج، والدورات التدريبية والتعليمية والثقافية والسلوكية، بحيث يصبح بإمكان الدارسين والباحثين عن المعرفة الإسلامية الصحيحة، الاستفادة من معارف وخبرات المتخصصين من خلال المنصة على مدار الساعة.

وإطلاق «المؤشر العالمي للفتوى» الذي يبين الشأن الإفتائي بكل دائرة جغرافية، وفق أهم وسائل التحليل الاستراتيجي والإحصائي، للمساهمة في تجديد الفتوى.

 





تابع بوابة الجمهورية اون لاين علي

تابع بوابة الجمهورية اون لاين علي جوجل نيوز جوجل نيوز

يمكنك مشاركة الخبر علي صفحات التواصل

اترك تعليق