سناءُ تَسْكُنُ فِي مِنْطَقَةِ وَسَطِ البَلَدِ بِالْقَاهِرَةِ بِمُفْرَدِهَا فِي شارِعِ عِمادِ الدّينِ، يَقَعُ أَمَامَ بَيْتِهَا عِمارَةٌ جَمِيلَةٌ مِنَ التُّراثِ الفَرَنْسيِّ القَديمِ، هَذِهِ العِمارَةُ بِهَا أسْتُودْيُو يُسَمَّى أستُودْيُو عِمادِ الدّينِ وَهُوَ مَدْرَسَةٌ فَنّيَّةٌ تُعَلِّمُ الْهُوَاةَ فَنَّ الرَّقْصِ المُعاصِرِ (Contemporary dancing).
حَيْثُ تَعَلَّمَتْ بِهَا سناءُ الرَّقْصَ.
كُلَّمَا ذَهَبَتْ سناءُ لِحُضُورِ دَرْسِ الرَّقْصِ وَدَخَلَتْ مِنْ بَابِ العِمارَةِ شَعُرَتْ بِاَلْهَيْبَةِ وَكَأَنَّ ما بِداخِلِها هوَ نَفْسُ أَبْعادِ العِمارَةِ فَتَشْعُرُ بِعُمْقٍ فِي قَلْبِها وَحِينَمَا تَرَى طُرُقاتِ العِمارَةِ الطَّويلَةَ تَشْعُرُ وكَأنَّها مِثْلُ شَرايينِ الحَياةِ اَلَّتِي بِدَاخِلِهَا.
كَانَتْ هَذِهِ العِمارَةُ بِهَا أسْتُودْيُو آخَرُ لِلتَّصْوِيرِ اسْمُهُ أسْتُودْيُو سُعادُ وَبِمَا أَنَّ سناءَ تُحِبُّ التَّصْويرَ ظَلَّتْ تَذْهَبُ كُلَّ فَتْرَةٍ لِتَلْتَقِطَ بَعْضَ الصُّوَرِ لِنَفْسِهَا وَتَحْتَفِظُ بِهَا فِي أَلْبومِ الصُّوَرِ. أسْتُودْيُو (سُعاد) كَانَ مِنْ أَشْهَرِ المُصَوِّرِينَ فِي مِنْطَقَةِ وَسَطِ البَلَدِ، يَأْتي لَهُ جُمْهورٌ كَبيرٌ مِنْ شَتَّى المَناطِقِ. ظَلَّتْ سناءُ تواظِبُ عَلَى عادَةِ التَّصْويرِ سَنَةً بَعْدَ سَنَةٍ.
كَانَتْ سناءُ تَتَأَمَّلُ فِي عِمارَةِ عِمادِ الدِّينِ مِنْ شُبَّاكِ حُجْرَتِها وَكَانَتْ تَرَى فِيهَا نَفْسَها فَكَثِيرًا مَا يَصِفُهَا صَدِيقَاتُهَا بأَنَّهَا جَمِيلَةٌ وَقَويَّةٌ وَصامِدَةٌ مِثْلَ هَذِهِ العِمارَةِ. عَقَارُ عِمادِ الدّينِ هوَ الأَعْرَقُ فِي مِنْطَقَةِ وَسَطِ البَلَدِ حَيْثُ إنَّ المارَّةَ وَسائِقي السَّيَّارَاتِ يَتَأَمَّلونَ فَنَّ المِعْمارِ وَالنُّقُوشَاتِ المَرْسُومَةَ وَاَلْمَحْفُورَةَ بِهِ. مَدْخَلُ العِمارَةِ واسِعٌ جِدًّا وَبِهِ طُرُقاتٌ كَثيرَةٌ يَتوَهُ فِيهَا القادِمونَ إِلَيْهَا وَبِهَا سِتَّةُ أَدْوارٍ، والشُّقَقُ اَلَّتِي فِيهَا أُسْقُفُهَا عَالِيةٌ.
مَرَّ عَامٌ بَعْدَ عَامٍ وَكَانَتِ العِمارَةُ صامِدَةً وَسناءُ صامِدَةٌ مَعَهَا وَنَظَرًا لِقِدَمِ العِمارَةِ فَقَدْ حَدَثَتْ بِهَا شُرُوخٌ فِي الأعْمِدَةِ الدّاخِليَّةِ نَتيجَةَ تَسَرُّبِ اَلْمياهِ فِي داخِلِها. وَذاتَ يَوْمٍ وَخِلَالَ رُؤْيَتِها مِنْ النَّافِذَةِ فوجِئُتْ بِعُمّالِ التَّشْيِيدِ والْبِناءِ يَرْبُطونَ العَقارَ القَديمَ بِاَلْأَخْشابِ وَأَدَواتِ الصّيانَةِ فَسَأَلْتَ حارِسَ العَقارِ الخاصَّ بِمَنْزِلِها: مَاذَا يَحْدُثُ لِعِمارَةِ عِمادِ الدِّينِ؟ رَدَّ عَلَيْهَا قَائِلًا: لَقَدْ أَصَابَتْهَا شُرُوخٌ كَثيرَةٌ وَسَتَخْضَعُ لِعَمَلِيَّاتِ صِيانَةٍ طَويلَةٍ. وَفِي نَفْسِ اللَّحْظَةِ شَعُرَتْ سناءُ بِهَزَّةٍ قَويَّةٍ وَعَمِيقَةٍ تَسْري فِي داخِلِها. وَتَسَاءَلَتْ مَا اَلَّذِي يَحْدُثُ لِي فَجْأَةً؟ مَا هَذِهِ الهَزَّةُ العَميقَةُ؟ أَتَخْضَعُ هِيَ أَيْضًا لِمَراحِلِ الصِّيانَةِ وَاَلْإِحْلالِ؟ إِلَى أَنْ جَاءَ يَوْمٌ وَتَعَرَّضَتْ سناءُ لِحادِثِ سَيَّارَةٍ صَدَمَتْها وَهِيَ تَعْبُرُ شَارِعَ لُطْفي السَّيِّدِ بِالْعَبَّاسِيَّةِ وَنَتَجَ عَنْ هَذِهِ الحادِثَةِ كَسْرٌ فِي رِجْلِ سناءَ اليُمْنَى مِمَّا مَنْعَها مِنْ المُواظَبَةِ عَلَى حُضُورِ حِصَصِ الرَّقْصِ المُعاصِرِ فِي أسْتُودْيُو عِمادِ الدّينِ أَوِ الذَّهَابِ إِلَى أسْتُودْيُو سُعادَ كَعَادَتِها لِأَنَّ صُعُودَ الدَّرَجِ أَصْبَحَ مُسْتَحِيلًا. وَبِالرَّغْمِ مِنْ وَضْعِ رِجْلِهَا دَاخِلَ الجِبْسِ فِإنَّ حالَةَ سناءَ الصِّحِّيَّةَ كَانَتْ ثابِتَةً لَا تَتَحَسَّنُ. شَرَعَتْ سناءُ فِي قِراءَةِ الكُتُبِ اَلَّتِي احْتَفَظَتْ بِهَا مُنْذُ فَتْرَةٍ طَويلَةٍ وَظَلَّتْ تُشاهَدُ عِمارَةَ عِمادِ الدّينِ مِنْ النّافِذَةِ وَتَتَأَمَّلُ دَائِمًا فَتَرَى نَفْسَها الدَّاخِليَّةَ مِثْلَ هَذِهِ العِمارَةِ وَأَنَّهَا تَتَمَتَّعُ بِكُلِّ صِفاتِ هَذِهِ العِمارَةِ. فَاَلْمَدْخَلُ الكَبيرُ هوَ قَلْبُ سناءَ؛ لِأَنَّهُ يَتْسِعُ لِحُبِّ كُلِّ النّاسِ، والطُّرُقاتُ الطَّويلَةُ تُعَبِّرُ عَنْ عُمْقِ نَفْسِها، فَمَن يَقْتَرِبْ مِنْهَا يَخُضْ فِيهَا.
فَقَدَتْ سناءُ نَشاطَها الدَّائِمَ نَتِيجَةَ الحادِثَةِ اَلَّتِي تَعَرَّضَتْ لَهَا وَظَلَّتْ تَقْضِي أَغْلَبَ الوَقْتِ فِي القِراءَةِ وَاَلْتَأَمُّلاتِ. فُوْجِئَتْ سناءُ بِإِحْسَاسٍ عَمِيقٍ لِلْمَرَّةِ الثّانيَةِ وَكَأَنَّهَا تَتَعَرَّضُ فِي داخِلِها لِإِعَادَةِ بِنَاءٍ قَويٍّ نَتيجَةً لِحِوارِها مَعَ ذَاتِهَا اَلَّذِي فَتْحَ صَفَحاتِ الذِّكْرَياتِ وَمِنْ أَهَمِّها الحَياةُ بِمُفْرَدِهَا.
غَاصَتْ سناءُ فِي أَعْماقِها وَتَذَكَّرْتَ والِدَتَها وَحِوارَهُما حَوْلَ الرَّقْصِ المُعَاصِرِ والْفَنِّ بِصِفَةٍ عامَّةٍ فَلَقَدْ كَانَتْ والِدَةُ سناءَ مُهْتَمَّةً جِدًّا بِالْفَنِّ، وَكَانَتْ دَائِمًا تُشَجِّعُها عَلَى قَضَاءِ وَقْتٍ أَكْثَرَ فِي مُمارَسَةِ الرَّقْصِ المُعاصِرِ. وَخِلَالَ أَوْقاتِ التَّأَمُّلِ تَسَاءَلَتْ: هَلْ بِالْفِعْلِ يوجَدُ عَمَليّاتُ تَرْمِيمٍ لِلنَّفْسِ البَشَريَّةِ؟ كَانَتْ صَدِيقاتُ سناءَ يَصِفْنَهَا بِالْجَمَالِ والْقُوَّةِ والصُّمُودِ وَلَكِنَّها عِنْدَمَا رَأَتِ العَقارَ اَلَّذِي تُحِبُّهُ يَتَعَرَّضُ لِلصِّيَانَةِ خَافَتْ فِي داخِلِهَا أَنْ تَكْتَشِفَ الهَشَاشَةَ اَلَّتِي كَانَتْ تُحاوِلُ دَائِمًا أَنْ تُخْفِيَها فِي داخِلِها وَلَا تُفْصِحُ عَنْهَا لَأَى شَخْصٍ. فَأَصْبَحَتْ سناءُ تَحْتَاجُ هِيَ أَيْضًا لِلتَّرْمِيمِ منَ الدَّاخل لِكَيْ تَسْتَرْجِعَ سَعادَةَ مَشاعِرِها وَهِيَ تَعِيشُ فِي كَنَفِ وَالِدَيهَا.
وَبَدَأَتْ مَشاعِرُ الأَلَمِ داخِلَ سناءَ تَظْهَرُ عَلَى السَّطْحِ وَعَلِمَتْ أَنَّهَا تَمُرُّ بِهَذِهِ التَّغَيُّراتِ وَهِيَ تَعِيشُ بِمُفْرَدِهَا مِثْلَمَا يَمُرُّ العَقارُ بِالتَّكْسيرِ وَاَلْإِحْلالِ والصِّيانَةِ دُونَ رَأْفَةٍ مِنْ أَحَدٍ. فَمِنَ الصَّعْبِ المُقارَنةُ بَيْنَ مَشاعِرِها وَبَيْنَ تَحْمِلِ العَقارِ لِمَراحِلِ الصّيانَةِ وَلكِنَّ الهَدَفَ واحِدٌ وَهُوَ الحِفاظُ عَلَى الكَيانِ بِكَامِلِ أوصَافِهِ. وَبِالْفِعْلِ عَلِمَتْ سناءُ أَنَّ وُجُودَها بِمُفْرَدِهَا جَعَلَها تَتَصارَحُ مَعَ نَفْسِها وَتُوَاجِهُ أَعْقَدَ مَشاكِلِ حَياتِها. فَلَقَدْ تَعَرَّضَ العَقارُ بَعْدَ مِائَةِ عَامٍ مِنْ البِناءِ إِلَى شُرُوخٍ كَثيرَةٍ مِمَّا جَعَلَ اَلْمَحَلِّيَّاتِ تُسْرِعُ فِي حِمايَتِهِ وَهَذَا بِالْفِعْلِ مَا حَدَثَ لِسناءَ، فَهِي أَيْضًا عَلَيْهَا أَنْ تُسْرِعَ فِي العَمَلِ عَلَى شِفاءِ نَفْسِها مِنَ اَلْجُرُوحِ اَلَّتِي بِدَاخِلِهَا وَحاجَتِها الشَّديدَةِ لِوالِدَتِها اَلَّتِي تَزَوَّجَتْ مِنْ شَخْصٍ جَديدٍ بَعْدَ وَفاةِ والِدِها رَحِمَهُ اللَّهُ.
واسْتَرْجَعَتْ سناءُ ذِكْرَياتٍ كَثيرَةً بِدَاخِلِهَا نَتيجَةَ حِوَارِهَا مَعَ ذَاتِهَا وَنَتيجَةَ التَّأَمُّلاتِ اليَوْميَّةِ. وتَسَاءلتْ: هَلْ أَنَا أَحْتاجُ إِلَى صِيانَةٍ مِثْلَ عِمارَةِ عِمادِ الدّينِ لِكَيْ أُصْبِحَ أَكْثَرَ قوَّةً. وَكَانَتْ الجُروحُ تُفْتَحُ واحِدًا تِلْوَ الآخَرِ وَكَادَتْ سناءُ تَتُوهُ فِي أَعْمَاقِها بَيْنَ المِلَفَّاتِ المَفْتوحَةِ واحْتِمال مَراحِلِ التَّنْظِيفِ والْتِئَامِ الجُرُوحِ. وَكَانَتِ الذِّكْرَى الأَقْوى هِيَ ذِكْرى زَواجِ والِدَتِها لِلْمَرَّةِ الثّانيَةِ وَكَيْفَ كَانَ الزَّوْجُ الجَديدُ لِوالِدَتِها يُسِيءُ مُعامَلَةَ سناءَ.
تَزَوَّجَتْ والِدَتُها قَبْلَ وُقُوعِ سناءَ فِي حادِثِ السَّيّارَةِ بِسَنَتَيْنِ حَيْثُ عَاشَتْ سناءُ مَعَ والِدَتِها وَزَوْجِها الجَديدِ اَلَّذِي حَلَّ مَحَلَّ والِدِها فِي مَنْزِلِهِمْ بِمِصْرَ الجَديدَةِ.
عَمِلَتْ سناءُ عَلَى أَنْ تَسْتَمِرَّ حَياتُها كَمَا كَانَتْ مِنْ قِبَلُ، تُحِبُّ الفَنَّ والْحَياةَ والرَّقْصَ المُعاصِرَ وَذَلِكَ عَلَى الرَّغْمِ مِنْ عَدَمِ وُجودِ والِدِها حَبِيبِها اَلَّذِي عَاشَتْ مَعَهُ سَنَوَاتٍ حَتَّى تَخَرَّجَتْ فِي الجامِعَةِ. كَانَتْ والِدَةُ سناءَ سَيِّدَةً طَيِّبَةَ القَلْبِ وَكَريمَةً وَتَتَمَيَّزُ بِكَثِيرٍ مِنْ الصِّفاتِ الحَميدَةِ اَلَّتِي يَصِفُهَا بِهَا الكَثِيرُونَ. سناءُ لَمْ يَكُنْ لَدَيْهَا أَشِقّاءُ لِذَلِكَ حَصَلَتْ عَلَى كُلِّ اهْتِمامِ وَحُبِّ والِدَتِها دُونَ مُنازِعٍ. ظَلَّتْ عَلاقَةُ سناءَ بِوالِدَتِها عَلاقَةً طَيِّبَةً وَبِهَا مَوَدَّةٌ وَرَحْمَةُ حَتَّى اليَوْمِ اَلَّذِي قَرَّرَتْ فِيه والِدَتُها الزَّواجَ مِنْ رَجُلٍ يُدْعَى الأُسْتاذَ (عَلَي). وَمُنْذُ دُخولِهِ المَنْزِلَ لِلْمَرَّةِ الأُولَى، شَعُرَتْ سناءُ بِالْغُرْبَةِ بِسَبَبِ وُجودِ رَجُلٍ غَريبٍ اقْتَحَمَ بَيَتَهُمْ.
لَمْ يَكُنْ الأُسْتاذُ (عَلَي) شَخْصًا حَادًّا وَلَكِنَّهُ كَانَ يَحْتَرِمُ الْعَادَاتِ والتَّقاليدَ بِطَريقَةٍ صارِمَةٍ وَبَدَأَ عَلَى الفَوْرِ فِي انْتِقادِ سُلُوكيِّاتِ سناءَ وَخُصُوصًا رَغْبَتَها واسْتِمْرارَها فِي مُمارَسَةِ الرَّقْصِ المُعاصِرِ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّ الرَّقْصَ المُعاصِرَ هوَ فَنٌّ مِنْ الفُنُونِ الرَّاقيَةِ اَلَّتِي تَعْشَقُها سناءَ كَهِوايَةٍ تُمَارِسُهَا بِصِفَةٍ مُسْتَمِرَّةٍ.
وَبِالرَّغْمِ مِنْ دَعْمِ والِدَةِ سناءَ لِلْفَنِّ وَتَشْجيعِها لَهَا طَوالَ السَّنَوَاتِ الماضيَةِ فَإِنَّ الأُسْتاذَ (عَلَي) أَصْبَحَ حَائِلًا بَيْنَ سناءَ وَأَحْلامِها وَحُبِّها لِلرَّقْصِ المُعاصِرِ وَشَبَّ خِلافٌ قَويٌّ بَيْنَهُ وَبَيْنَ سناءَ فِي كُلِّ مَرَّةٍ ذَهَبَتْ فِيهَا إِلَى مَدْرَسَةِ الرَّقْصِ. وَأَصْبَحَتْ حَياتُها حَياةً تَعيسَةً مَليئَةً بِالْأَلَمِ عَلَى واقِعِ فُرِضَ عَلَيْهَا وَالأَهَمُّ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ والِدَةَ سناءَ تَحَوَّلَتْ مِنْ أَمِّ داعِمَةٍ إِلَى امْرَأَةٍ ضَعيفَةٍ لَا حَوْلَ لَهَا وَلَا قوَّةَ وَلَيْسَ لَدَيْهَا سِوَى أَنْ تَسْمَعَ كَلامَ زَوْجِها وَتُحَاوِلَ أَنْ تُقْنِعَ سناءَ بِالتَّوَقُّفِ عَنْ حُضورِ حِصَّةِ الرَّقْصِ.
تَدَهْوَرَتْ عَلاقَةُ سناءَ بِوالِدَتِها لِأَنَّهَا شَعُرَتْ أَنَّهَا لَا تَسْتَطيعُ الدِّفَاعَ عَنْ حُقُوقِها. ظَنَّتْ سناءُ أَنَّ هَذِهِ هِيَ الحَرْبُ الأُولَى والْأَخيرَةُ مَعَ الأُسْتاذِ (عَلَي) وَلَكِنْ – لِلْأَسَفِ - لَقَدْ بَدَأَ أَيْضًا فِي التَّدَخُّلِ فِي شُئُونِها العَمَليَّةِ!
عَمِلَتْ سناءُ مُضيفَةً لِلطَّيَرَانِ لِما لَهَا مِنْ جَمالٍ وَعِلْمٍ وَقوَّةٍ، وَسَافَرَتْ لِأَغْلَبِ دوَلِ العالَمِ وَكَانَتْ ناجِحَةً فِي عَمَلِها وَتَمَسَّكَتْ بِهَا شَرِكَةُ السّياحَةِ جِدًّا وَقَامَتْ الشَّرِكَةُ بِتَرْقيَتِها لِجِدِّيَّتِها فِي العَمَلِ. وعَشِقَتْ سناءُ السَّفَرَ واكْتِشافَ ذَاتِهَا مِنْ خِلالِهِ وَتَعَرَّفْتَ عَلَى جِنْسيّاتٍ مُخْتَلِفَةٍ، وَفِي كُلِّ مَرَّةٍ رَجَعَتْ فِيهَا إلى المَنْزِلِ كَانَ يَنْتَظِرُهَا خِلافٌ مِنَ العِيَارِ الثَّقيلِ! فَقَدَتْ سناءُ شَغَفَها بالْعَمَلِ والرَّقْصِ نَتيجَةً لِخِلافِها المُسْتَمِرِّ مَعَ الأُسْتاذِ (عَلَي) وَرُؤْيَتِها لِمَوْقِفِ والِدَتِها السَّلْبيِّ فِي الدِّفَاعِ عَنْ حُقُوقِها فِي العَمَلِ والتَّمَتُّعِ بِالْفَنِّ وَهِوايَةِ الرَّقْصِ المُعاصِرِ. فَتَحَوَّلَ الأُسْتاذُ (عَلَي) إِلَى شَخْصٍ عَنيفٍ يَتَدَخَّلُ فِي كُلِّ قَراراتِ حَياتِها عَلَى كُلِّ المُسْتَوَيَاتِ.
وَذاتَ يَوْمٍ قَرَّرَتْ سناءُ أَنْ تَعِيشَ بِمُفْرَدِهَا لِأَنَّهَا لَا تَسْتَطيعُ أَنْ تَتَحَمَّلَ الضَّغْطَ، وَعَرَضَتِ الفِكْرَةُ عَلَى والِدَتِها قَائِلَةً: يَا أُمِّي أَنْتَ تَعْلَمينَ كَمْ أُحِبُّكِ وَكَمْ أَتَمَنَّى الحَياةَ مَعكِ وَلَكِنِّي أَتَأَلَّمُ وَأَنَا أَرَى مَا أُحِبُّهُ مِنْ وَظيفَةٍ وَهِواياتٍ يَمُوتُ كُلَّ يَوْمٍ أَمَامِي. رَدَّتْ عَلَيْهَا والِدَتُها بِأَنَّهَا لَا تَسْتَطيعُ الحَياةَ بِدُونِهَا وأنَّ حَياتَها سَتَتَحَوَّلُ إِلَى جَحيمٍ إِذَا تَرَكَتِ المَنْزِلَ وَمِنَ المُمْكِنِ أيضًا أَنْ تَتَعَرَّضَ لِلْتِنِمُرْ مِنْ زَوْجِها الذي سَوفَ يُلَوِّحُ بأَنَّها لَمْ تُحْسِنْ تَرْبيَةَ ابْنَتِها وَقَد بَدَأَ بِالْفِعْلِ فِي تَوْجيهِ الإِهَانَاتِ المُسْتَمِرَّةِ لَهَا.
أَصَرَّتْ سناءُ عَلَى مَوْقِفِها وَقَامَتْ والِدَتُها ذَاتَ يَوْمٍ وَلَمْ تَجِدْ سناءَ نائِمَةً عَلَى سَريرِها وَتَعَرَّضَتِ الأُمُّ لِلْإِهَانَاتِ المُسْتَمِرَّةِ مِنْ زَوْجِها عَلَى تَدَهْوُرِ شَكْلِ الأُسْرَةِ أَمَامَ المُجْتَمَعِ بَعْدَ مَا فَعَلَتْهُ سناءُ بخُروجِها مِنَ المَنْزِلِ دُونَ موافَقَتِهِمَا.
بَحَثَتْ سناءُ عَنْ مَنْزِلٍ فِي وَسَطِ البَلَدِ لِكَيْ تَشْعُرَ بِالْأُنْسِ وَحُبِّ الْجِيرَانِ وَتَكُونُ قَريبَةً مِنْ أُسْتُوديو عِمادِ الدّينِ وَلَكِنَّها لَمْ تَتَوَقَّعْ نَظَراتِ حارِسِ العَقارِ لَهَا مُتَسَائِلًا عَنْ سَبَبِ مَعِيشَتِهَا بِمُفْرَدِهَا. وَاجَهَتْ سناءُ رُدودَ أَفْعالِ المُجْتَمَعِ مِنْ حَوْلِها وَكَانَتْ تَفْتَقِدُ والِدَتَها وَحِوَارَاتِهِما اليَوْميَّةَ.
كَانَ قَرارُ البُعْدِ عَنْ والِدَتِها يُمَثِّلُ مَشاعِرَ فَقْدٍ مَريرَةً بِالنِّسْبَةِ لِسناءَ إِلَى أَنْ وَقَعَ حادِثُ السَّيّارَةِ. بَلَّغَتْ سناءُ والِدَتَها بِأَنَّهَا تَعَرَّضَتْ لِحادِثٍ، وَحَضَرَتْ والِدَتُها عَلَى الفَوْرِ لِلِاطْمِئْنَانِ عَلَيْهَا. بَكَتْ سناءُ بُكاءً شَدِيدًا لِأَنَّهَا سَتُحْرَمُ بِالْفِعْلِ مِنَ الرَّقْصِ المُعاصِرِ وَمِنَ العَمَلِ كَمُضِيفَةِ طَيَرانٍ وَصَرَّحَتْ لِوالِدَتِها بمَشاعِرِ الفَقْدِ اَلَّتِي شَعُرَتْ بِهَا مُنْذُ أَنْ تَرَكَتِ المَنْزِلَ وَظَلَّتْ سناءُ تَرْوِي مَشاعِرَها وَآلَامَهَا تِجاهَ والِدَتِها وَصَرَّحَتْ لَهَا بأَنَّهَا لَمْ تَدْعَمْها وَتَرَكَتْ زَوْجَها الأُسْتاذَ (عَلَى) يَتَحَكَّمُ فِي قَرارَاتِها وَحَياتِها الشَّخْصيَّةِ دُونَ دِفاعِها عَنْهَا. وَبَعْدَ سَاعَاتٍ مِنَ العِتابِ اسْتَوْعَبَتْ والِدَةُ سناءَ أَنَّ زَوْجَها كَانَ يُعامِلُها مُعامَلَةً قاسِيَةً وَيَتَدَخَّلُ فِي شُئُونِها، وَأَنَّهَا لَمْ يَكُنْ لَهَا أَيُّ قُوَّةٍ أَوْ قُدْرَةٍ عَلَى المواجَهَةِ وَحِمايَةِ ابْنَتِها مِنْ العُنْفِ والْقَهْرِ. فَأَخَذَتْ سناءُ تَبْكِي مِنْ الألم وَظَلَّتْ الأُمُّ تَحْضِنُها بِقوَّةٍ. شَعُرَتْ سناءُ بِعُمْقِ وَدِفْءِ وَصِدْقِ حِضْنِ والِدَتِها فَإِنَّ رُجوعَ والِدَتِها إِلَيْهَا كَانَ بِمَنزَلةِ الشِّفاءِ الأَعْمَقِ وَاَلْأَسْمَى فِي حَياتِها فَعَلِمَتْ سناءُ أَنَّ وُجودَ والِدَتِها مَعَهَا بِمَنزِلَةِ شَرْيانِ حَياةٍ. وَأَدْرَكَتْ أَنَّ دَعْمَ والِدَتِها لَهَا هوَ الأَهَمُّ لِأَنَّهَا بِدُونِهَا كَانَتْ سَتَظَلُّ تَشْعُرُ بِاَلْفَقْدِ وَقِلَّةِ الحِيلَةِ. وَتَذَكَّرَتْ عِمارَةَ عِمادِ الدّينِ وَمَا يَحْدُثُ بِهَا مِنْ صِيانَةٍ وَإِعادَةِ تَرْميمٍ وَعَلِمَتْ أَنَّ حِضْنَ أُمِّها كَانَ بِمَنْزِلَةِ تَرْميمٍ لِمَشاعِرِ الفَقْدِ اَلَّتِي مَرَّتْ بِهَا وَسَيكونُ السَّبَبَ في رُجُوعِ الِابْتِسامَةِ اَلَّتِي كَانَتْ عَلَى وَجْهِها دَائِمًا.
مَضَى شَهْرَانِ وَتَعافُتْ سناءُ مِنْ الحادِثِ وَرَجَعَتْ تُمارِسُ حَياتَها الطَّبِيعيَّةَ وَفِي نَفْسِ الوَقْتِ كَانَ المُهَنْدِسُ المِعْماريُّ المَسْئولُ عَنْ صِيانَةِ العَقارِ قَدْ انْتَهَى مِنْ أَعْمالِ الصِّيانَةِ وَالتَّرْمِيمِ وَأَصْبَحَ العَقارُ قَويًا وَجَميلًا وَصامِدًا ضِدَّ الشُّرُوخِ مِثْلُهُ مِثْلُ سناءَ اَلَّتِي بَدَأَتْ حَياةً جَديدَةً فِي شَقَّةِ عِمادِ الدّينِ وَلَكِنْ فِي حِضْنِ والِدَتِها. فَقَدْ قَرَّرَتْ والِدَةُ سناءَ الِانْفِصالَ عَنِ الأُسْتاذِ (عَلَي) لِأَنَّهَا لَمْ تَسْتَطِعِ احْتِمالَ أَيِّ أَذًى مُنْذُ ذَلِكَ الحِينِ واحْتَضَنَتِ ابْنَتَهَا ودَاوَتْ جُرُوحَهَا وعَلِمَت أنَّ حِضْنَ الأُمِّ كَافٍ لِشِفاءِ كُلِّ مَا مَرَّتْ بِهِ وَبَعْدَ حِينٍ عَادَتْ سَنَاءُ إلى عَمَلِهَا وإلى الرَّقْصِ الإِيقَاعِيِّ وتَمَّ الافْتِتَاحُ الجَدِيدُ لِعِمَارَةِ عِمَادِ الدِّين.
فيس بوك -سندرتي
اترك تعليق