كتبت- ماريان برسوم
نَادِيَةُ فَتاةٌ جَميلَةٌ فِي العاشِرَةِ مِنْ عُمْرِها، تَرْقُصُ البَالِيهْ بِدارِ الأُوبِرَا المِصْريَّةِ وَلَدَيْهَا مَواهِبُ مُخْتَلِفَةٌ مِثْلُ كِتابَةِ الشِّعْرِ وَالغِنَاءِ. تَتَمَيَّزُ بِابْتِسامَتِها الصّادِقَةِ اللَّطيفَةِ وَعَيْنيها الزَّرْقَاوِينِ.. وَتَتَمَتَّعُ بَحِبِّ وَالِدَيهَا وَحُبِّ كُلِّ مَنْ حَوْلَها لِخِفَّةِ دَمِها وَثَقافَتِها وَأَخْلاقِها وَهِيَ أَيْضًا جَذّابَةٌ رَشيقَةُ الجَسَدِ طَويلَةُ الرَّقَبَةِ.
التَحَقَتْ بِالْمَدْرَسَةِ الِابْتِدائيَّةِ فِي السّادِسَةِ مِنْ عُمْرِها وَكَانَتْ تَتَحَلَّى بِالْفَطِنَةِ وَالذَّكَاءِ. وَكَانَ لَدَيْهَا صَديقاتٌ كَثيراتٌ وَلَمْ يَكُنْ لَدَيْهَا صَديقٌ واحِدٌ، وَلَمْ تَتَعَلَّمْ كَيْفيَّةَ التَّعامُلِ مَعَ الجِنْسِ الآخَرِ. كَانَتْ دَائِمًا تَتَرَدَّدُ عَلَى مَنازِلِ صَدِيقَاتِهَا وَنَالَتْ حُبَّ أُمَّهاتِهِنَّ جَمِيعًا.
ظَلَّتْ نَادِيَةُ مُلْتَزِمَةً بِحِصَّةِ البَالِيهِ وَكَانَتْ الفِرْقَةُ كُلُّها مُكَوَّنَةً مِنْ الفَتَياتِ، حَتَّى المُدَرَّبَةُ كَانَتِ امْرَأَةً.
لَمْ تَتَعَوَّدْ نَادِيَةُ عَلَى الرَّقْصِ فِي المَنْزِلِ أَوْ فِي مِساحاتٍ ضَيِّقَةٍ لِأَنَّهَا خَجُولَةٌ وَلَكِنَّها كَانَتْ تَسْتَمْتِعُ بِالْعُرُوضِ عَلَى مَسْرَحِ دَارِ الأُوبِرَا المِصْريَّةِ لِأَنَّ القاعَةَ كَبيرَةٌ. أَكْسَبَهَا رَقْصُ البَالِيه الثِّقَةَ فِي ذَاتِهَا فَكَانَتْ تَتَحَرَّكُ كَاَلْفَراشَةِ وَهِيَ تَرْقُصُ .
ظَلَّتْ تَقْضي المَزيدَ مِنْ الوَقْتِ فِي دَارِ الأُوبِرَا، تَتَعَلَّمُ الرَّقْصَ وَالغِنَاءَ والْعَزْفَ عَلَى الكَمانِ حَتَّى اشْتُهِرَتْ داخِلَ الأَوْساطِ الفَنّيَّةِ بِأَنَّهَا طِفْلَةٌ موْهوبَةٌ وَاسْتَمَرَّتْ فِي جَذْبِ الكَثِيرِينَ لَهَا دُونَ أَنْ تَعيَ مَا سَيَجْلِبُهُ لَهَا الجَمالُ .
وَفِي سِنِّ التّاسِعَةِ فِي زَخْمِ مَشاعِرِ السَّعادَةِ إِلَى تَعِيشُهَا ، فَقَدَتْ نَادِيَةُ والِدَها اَلَّذِي كَانَتْ تَعْشَقُهُ، فَهُوَ كَانَ مَثَلَها الأَعْلَى. دَخَلَتْ نَادِيَةُ فِي حالَةٍ مِنْ الحُزْنِ العَميقِ كَانَ لَهُ تَأْثيرٌ كَبيرٌ عَلَى التِزامِها بِالْأَنْشِطَةِ الفَنّيَّةِ وَعَلَى حَياتِها كُلِّها.
كَبُرَتْ نَادِيَةُ وَعِنْدَمَا بَلَغَتْ الثّانيَةُ عَشْرَةَ مِنْ عُمْرِها أَصْبَحَتْ فَتاةً رَشيقَةً فائِقَةَ الجَمالِ مِمَّا جَعَلَ اَلشَّبابَ والرِّجالَ يَطْمَعُونَ فِي جَسَدِها. لَمْ تَعْمَلْ والِدَتُها عَلَى تَوْعيَتِها بِتَجَارِبِ سِنِّ المُراهَقَةِ بَيْنَ الجِنْسَيْنِ وَلَمْ تَلْفَتِ انْتِبَاهَهَا لِكَيْفِيَّةِ حِمايَةِ نَفْسِها مِنْ الأَذَى اَلَّذِي مِنْ المُمْكِنِ أَنْ تَقَعَ فِيه أَيُّ فَتاةٍ جَميلَةٍ فِي عُمْرِها.
ظَلَّتْ نَادِيَةُ تَزورُ زَمِيلَاتِهَا وَتَتَمَتَّعُ بَحِبِّ أُمَّهاتِهِنَّ وَلَكِنْ لِلْأَسَفِ كَانَتْ لِهَذِهِ الزّياراتِ المُتَعَدِّدَةِ لِنَفْسِ المَنْزِلِ مَساوِئُها. وَذاتَ مَرَّةٍ بَيْنَمَا كَانَتْ تَزورُ رَانْيَا إِحْدَى زَمِيلَاتِهَا كَانَ والِدُ رَانْيَا بِالْمَنْزِلِ دُونَ أُمِّها. ضَرَبَتْ نَادِيَةُ اَلْجَرَسِ وَفَتْحَ لَهَا الأَبُ وَقَالَ لَهَا إِنَّ رَانْيَا لَمْ تَصِلْ إِلَى البَيْتِ حَتَّى الآنَ وَعَرَضَ عَلَيْهَا أَنْ تَدْخُلَ وَتَنْتَظِرَها فِي غُرْفَةِ الصّالونِ.
تَوَتَّرَتْ نَادِيَةُ لِهَذَا العَرْضِ وَلَكِنَّها لَمْ تَكُنْ قَويَّةً لِمُوَاجَهَةِ المَوْقِفِ وَرَفْضِ الدَّعْوَةِ.
عَرَضَ والِدُ رَانْيَا عَلَيْهَا أَنْ تَحْتَسِيَ الشّايَ فَوافَقَتْ نَادِيَةُ . قَامَ الرَّجُلُ بِوَضْعِ بِرْشامَةٍ مُهَدَئَةٍ لِلْأَعْصَابِ داخِلَ كُوبِ الشّايِ لِكَيْلَا تَنْفَعِلَ عِنْدَمَا يَنْفَرِدُ بِهَا. اقْتَرَبَ الأَبُ مِنْ نَادِيَةَ وَشَعُرَتْ أَنَّ نَظَراتِهِ كَانَتْ تَخْدِشُ حَياءَها وَعَلَى الرَّغْمِ مِنْ صِغَرِ سِنِّها وَعَدَمِ خِبْرَتِها فِي التَّعامُلِ مَعَ الجِنْسِ
الآخَرُ فَإِنَّهَا أَدْرَكَتْ الخَطَرَ اَلَّذِي يُحِيطُ بِهَا. أَصَرَّ الأَبُ وَأَلَحَّ كَثِيرًا عَلَى نَادِيَةَ لِشُرْبِ الشّايِ. وَكُلَّمَا اقْتَرَبَ مِنْهَا زَادَتْ ضَرَباتُ قَلْبِها خَوْفًا مِنْ مَصيرٍ لَمْ تَتَوَقَّعْهُ يَوْمًا مَا. فَجَلَسَ الرَّجُلُ بِجِوَارِهَا وَبَدَأَ يَقْتَرِبُ مِنْهَا وَشَعُرَتْ نَادِيَةُ بِخَطَرٍ كَبيرٍ وَرَفَضَتْ احْتِساءَ الشّايِ، فَأَمْسَكْ بِهَا وَحاوَلَ أَنْ يَنْزِعَ عَنْهَا مَلابِسَها دُونَ أَيِّ شَفَقَةٍ وَلَمَسَ خَصْرَها وَلَكِنَّها جَرَتْ ناحيَةَ الْبَابِ وَهُوَ يُلاحِقُها بِهُدُوءٍ خَوْفًا مِنْ سَماعِ الْجِيرَانِ صَوْتَها إِذَا صَرَخَتْ. وَعِنْدَمَا وَصَلَتْ إِلَى بَابِ الشَّقَّةِ وَفَتَحَتْ اَلْبابَ فوجِئُتْ بِرانْيا وَهِيَ فَرْحَةٌ بِوُجُودِ نَادِيَةَ فِي بَيْتِهَا بَيْنَمَا كَانَتْ نَادِيَةُ تَنْهَجٍ مِنْ الخَوْفِ وَعَيْنَاهَا مُمْلُوءَتَانِ بِالدُّمُوعِ . سَأَلْتُها رَانْيَا مَاذَا بِكَ؟ رَدَّتْ نَادِيَةُ: عَليَّ الذَّهابُ الآنَ لِأَنَّ أُمِّي تَنْتَظِرُني وَسَوْفَ أَزورُكِ مَرَّةً أُخْرَى .
خَرَجَتْ نَادِيَةُ مِنْ هَذَا المَنْزِلِ وَاتَّجَهَتْ نَحْوَ بَيْتِهَا بِسُرْعَةٍ، لَمْ تَعْلَمْ مَاذَا سَتَفْعَلُ وَكَيْفَ سَتَحْكي هَذَا المَوْقِفَ وَلِمَنْ! وَأَدْرَكَتْ أَنَّ الخَطَرَ قَريبٌ جِدًّا فَلَمْ تَتَوَقَّعْ عَلَى الإِطْلَاقِ أَنْ يَصْدُرَ هَذَا التَّصَرُّفُ مِنْ والِدِ رَانْيَا! ظَلَّ قَلْبُ نَادِيَةَ يَدُقُّ بِسُرْعَةِ القِطارِ . مَضَى يَوْمَانِ عَلَى الحادِثَةِ وَبِالرَّغْمِ مِنْ ذَلِكَ شَعُرَتْ نَادِيَةُ بِالْفَزَعِ لِأَنَّ الصَّدْمَةَ شَديدَةٌ جِدًّا وَلَمْ يَسْتَوْعِبْها عَقْلُها أَوْ قَلْبُها وَزَادَ الخَوْفُ بِدَاخِلِهَا تُجاهَ أَيِّ رَجُلٍ تُعامِلُهُ .
وَأَثَّرَ ذَلِكَ عَلَى عَلَاقَاتِهَا بِكُلِّ زَمِيلَاتِهَا فَتَوَقُّفَتْ عَنْ زيارَتِهِنَّ فِي مَنَازِلِهِنَّ وَكَانَتْ تَخافُ مِنْ إِخْوَتِهِنَّ الشَّبابِ.
ظَلَّتْ الصَّدْمَةُ والْحُزْنُ داخِلَ عَقْلِ نَادِيَةَ وَقَلْبِها وَكُلَّمَا تَقَدَّمَ بِهَا العُمْرُ زَادَتْ الفَجْوَةُ بَيْنَها وَبَيْنَ الشَّبابِ. كَبُرَتْ نَادِيَةُ وَوَصَلَتْ إِلَى عَامِهَا العِشْرِينَ وَكَانَ جَمالُها يَزْدادُ يَوْمًا بَعْدَ يَوْمٍ وَظَلَّتْ لَهَا الجَاذِبِيَّةُ نَفْسُها والْجَسَدُ الرَّشيقُ .
وَذاتَ يَوْمٍ سَأَلَتْها إِحْدَى صَدِيقَاتِهَا: مَاذَا بِكَ؟ وَلِمَاذَا تَوَقَّفْتِ عَنْ زيارَتِي بِالْمَنْزِلِ؟ لَمْ تَسْتَطِعْ نَادِيَةُ إِمْساكَ دُمُوعِها وَبِالرَّغْمِ مِنْ مُرورِ الكَثيرِ مِنْ السَّنَوَاتِ فَإِنَّ نَادِيَةَ تَشْعُرُ وَكَأَنَّهُ حَدَثَ بِالْأَمْسِ.
شَعُرَتْ صَديقَةُ نَادِيَةَ بِأَنَّهَا مُكْتَئِبَةٌ جِدًّا وَأَنَّهَا لَمْ تَعُدْ تَشْعُرُ بِالسَّعَادَةِ كَمَا كَانَتْ فِي الصِّغَرِ ، خُصُوصًا أَنَّهَا لَمْ تَحْكِ لِأَحَدٍ خَوْفًا مِنْ التَّشْكِيكِ فِي أَخْلاقِها. فَقَالَتْ لَهَا زَميلَتُها: لِمَاذَا لَا تَشْتَرِكينَ فِي تَمْريناتِ رَقْصِ الزُّومْبَا؟ إِنَّهَا مُمْتِعَةٌ فِعْلًا وستُنْسيكِ مَا بِكِ مِنْ ضَغْطٍ وَإِرْهاقٍ. قَالَتْ نَادِيَةُ: هُنَاكَ شَيْءٌ يَمْنَعُني مِنَ الحَرَكَةِ وَمِنَ الِاسْتِمْتاعِ فَحَتَّى رَقَصاتِ البَالِيهِ لَمْ أَعُدْ مُتَحَمِّسَةً لَهَا كَسابِقٍ عَهْدِي وَلَمْ يَعُدْ جَسَدِي مَرَنًا مِنْ قِلَّةِ الحَرَكَةِ.
قاوَمَتْ نَادِيَةُ فِكْرَةَ زَميلَتِها وَلَكِنْ عِنْدَمَا يَشَاءُ اللَّهُ والْقَدْرُ شِفاءَ النُّفوسِ تُفْتَحُ الأَبْوابُ!
وَافَقَتْ نَادِيَةُ عَلَى الِانْضِمامِ لِمَرْكَزِ ساميَة علوبَة الرّياضيِّ لِما لَهُ مِنْ تَقَدُّمٍ وَحِرَفيَّةٍ فِي دَعْمِ الصِّحَّةِ العامَّةِ مِنْ خِلالِ مُمارَسَةِ الأَلْعابِ الرّياضيَّةِ المُخْتَلِفَةِ والرَّقْصِ. وَذَهَبَتْ فِي يَوْمٍ مَعَ صَديقَتِها لِدَفْعِ الِاشْتِراكِ وَسَمِعْتَ صَوْتَ مُوسِيقَى عاليَةٍ وَصَيْحاتٍ وَراءَ الأَبْوابِ تُشِعُّ طاقَةً وَحَيَويَّةً. طَلَبَتْ نَادِيَةُ مِنْ موَظَّفَةِ الِاسْتِقْبالِ أَنْ تُشاهدَ حِصَّةَ الزُّومْبَا ( وَهِيَ رَقْصَةٌ إيقاعيَّةٌ صُمِّمَتْ خُصُوصًا فِي دَوْلَةِ كُولُومْبِيَا) وَلِأَوَّلِ مَرَّةٍ مُنْذُ سَنَوَاتٍ تَبْتَسِمُ نَادِيَةُ مِنْ القَلْبِ وَتَتَمَنَّى أَنْ تَعودَ لِلرَّقْصِ وَلِلتَّمَايُلِ يَمِينًا وَيَسَارًا .
ثُمَّ جَاءَ مِيعَادُ الحِصَّةِ الأُولَى، فَأَخَذَتْ المَلابِسَ الرّياضيَّةَ التَّقْليديَّةَ وَحَضَرَتْ فِي الْمِيعَادِ، وَوَجَدَتْ المُدَرِّبَةَ داخِلَ قاعَةِ اللَّعِبِ وَهِيَ تَسْتَعِدُّ لِحِصَّةِ الزُّومْبَا وَتَخْتَارُ الأَغاني اَلَّتِي سَتَرْقُصُ عَلَيْهَا الفَتَياتُ والسَّيِّداتُ.
بَدَأَتِ الحِصَّةُ وَناديَةُ تَنْظُرُ إِلَى نَفْسِها فِي المِرْآةِ وَهِيَ تَرْقُصُ وَفِي داخِلِها تَتَأَلَّمُ وَوَجْهُها يَمْتَعِضُ لِأَنَّ عَضَلاتِها يَبِسَتْ مِنْ قِلَّةِ الحَرَكَةِ مُنْذُ أَنْ تَرَكَتْ رَقْصَةُ البَالِيهِ، وَلَكِنْ فِي اللَّحْظَةِ ذَاتِهَا لَا تَسْتَطيعُ أَنْ تُخْفيَ شَغَفَها بِمَا يَحْدُثُ حَوْلَها وَهِيَ تَرَى البَناتِ والسَّيِّداتِ يَتَحَرَّكْنَ وَيَرْقُصْنَ بِمُنْتَهَى الرَّشاقَةِ عَلَى دَقّاتِ مُوسِيقَى الزُّومْبَا.
كَانَتِ المُدَرِّبَةُ تَرْقُصُ وتَتَمايَلُ مَعَ إِيقَاعِ المُوسِيقَى. تاهَتْ نَادِيَةُ بَيْنَ مَشاعِرِ الأَلَمِ بِسَبْ قِلَّةِ الحَرَكَةِ وَبَيْنَ رَغْبَتِها فِي الِاسْتِمْرارِ فِي الرَّقْصِ. لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ أَنَّ هَذِهِ الرَّقْصَةَ سَتَفْتَحُ فِي داخِلِها طاقَةَ نُورٍ . كَانَتْ المُوسِيقَى سَريعَةً وَكَانَ المُتَدَرِّباتُ مِنْ حَوْلِها يَرْتَدِينَ أَحْلَى المَلابِسِ وَأَزْهَى الأَلْوانِ. لَمْ يَكُنْ فَقَطْ الأَلَمُ الجَسَديُّ هوَ اَلَّذِي يُؤَرِّقُها وَلَكِنْ أَيْضًا تَمايُلُ جَسَدِها فِي المِرْآةِ يَمِينًا وَيَسَارًا. كَانَ قَلْبُها يَخْفِقُ مِنْ التَّوَتُّرِ والْخَجَلِ . فَهِيَ لَا تَسْتَطيعُ أَنْ تِجاريَهُنَّ فِي حَرَكاتِهِنَّ . انْتَهَتْ حَلْقَةُ الزُّومْبَا وَانْتَهَى مَعَهَا الخَجَلُ والْقَلَقُ اَلَّذِي كَانَ الأَوَّلَ مِنْ نَوْعِهِ وَعِنْدَمَا خَرَجَتْ نَادِيَةُ مِنْ جَلْسَةِ الرَّقْصِ ذَهَبُتْ مُباشَرَةً إِلَى المُدَرِّبَةِ وَكَانَ اسْمُها ساميَةَ وَقَالَتْ لَهَا: أَنَا سَعيدَةٌ جِدًّا جِدًّا وَأَشْكُركُ عَلَى هَذِهِ الرّياضَةِ المُمْتِعَةِ اَلشَّيِّقَةِ وَلَكِنِّي مُرَهَّقَةٌ جِدًّا وَكُنْتُ خِجْلانَةً أَيْضًا. رَدَّتِ المُدَرِّبَةُ وَقَالَتْ لَهَا: هَلْ مَارَسْتِ الرّياضَةَ والرَّقْصَ مِنْ قِبَلُ؟ قَالَتْ نَادِيَةُ كُنْتُ أُمَارِسُ البَالِيهَ حَتَّى سَنِّ الإِعْداديَّةِ ثُمَّ تَوَقَّفْتُ. وَتَرَكَتْ نَادِيَةُ المُدَرِّبَةَ وَقَرَّرَتْ أَنْ تُغَيِّرَ المَلابِسَ اَلَّتِي تَرْتَدِيهَا خِلالَ رَقْصِ الزُّومْبَا.
بَدَأَتْ نَادِيَةُ تواظِبُ عَلَى حَلَقاتِ رَقْصِ الزُّومْبَا وَمِن كَثْرَةِ دَقّاتِ قَلْبِها كَانَ جَسَدُها يُفْرِزُ هُرْمونَ الانْدُورْفِنِ وَهُوَ هُرْمونُ السَّعادَةِ، فَكَانَتْ تَنْتَهي مِنَ التَّمْرينِ وَهِيَ مُبْتَسِمَةٌ. وَفِي المَرَّةِ الثّانيَةِ وَفِي نِهايَةِ الحِصَّةِ دَارَ بَيْنَها وَبَيْنَ ساميَةَ حِوارٌ آخَرُ حَوْلَ التَّغْييرِ اَلَّذِي حَدَثَ لَهَا فِي حَياتِها بِسَبَبِ الزُّومْبَا؛ فَلَقَدْ نَجَحَتْ حِصَّةُ الرَّقْصِ فِي كَسْرِ سَلاسِلِ الِاكْتِئابِ اَلَّتِي عَاشَتْ فِيهَا لِسَنَوَاتٍ وفي إِمْدادِها بِالطَّاقَةِ والْحَيَويَّةِ لِوُجُودِهَا مَعَ سَيِّداتٍ وَفَتَياتٍ أُخْرَياتٍ. قَالَتْ نَادِيَةُ أَيْضًا أَنَّهَا أَصْبَحَتْ تَشْعُرُ بِالرَّاحَةِ وَهِيَ وَسَطَ مُجْتَمَعاتٍ غَريبَةٍ مُخْتَلِفَةٍ عَنْ اَلَّتِي اعْتَادَتْ عَلَيْهَا. ثُمَّ قَالَتْ لِساميَةَ: أَشْعُرُ أَنَّنِي لَا أَسْتَطيعُ الوُقوفَ عَلَى رِجْلَيَّ؛ فَأَجَابَتْهَا ساميَةُ: إِنَّ عَضَلَةَ السّاقِ ضَعيفَةٌ وَبِالتَّالِي لَا تَسْتَطيعُ أَنْ تَرْقُصَ بِمُرُونَةٍ، وَعَرَضَتْ عَلَيْهَا أَنْ تَخْطوَ خُطْوَةً إِلَى الأَمَامِ فِي طَريقِ اكْتِشافِ الذّاتِ وَوَعَدَتْها نَادِيَةُ بِحُضُورِ تَمْرينِ العَضَلاتِ وَهُوَ تَمْرينٌ مُشْتَرَكٌ يَحْضُرُهُ النِّساءُ والرِّجالُ مَعًا . كَانَتْ نَادِيَةُ مُتَرَدِّدَةً وَخائِفَةً، لَكِنَّها قَرَّرَتْ أَنْ تَخوضَ التَّجْرِبَةَ وَمَا إِنْ دَخَلَتْ إِلَى قاعَةِ اللَّعِبِ وَطَلَبَ المُدَرِّبُ مِنْ الجَميعِ الِاسْتِرْخاءَ عَلَى الأَرْضِ حَتَّى تَخْشَبَ جَسَدُها وَارْتَعَشَتْ أَطْرافُها وَلَمْ تَسْتَطِعِ الحَرَكَةَ عَلَى الإِطْلَاقِ. فَاقْتَرَبَ مِنْهَا المُدَرِّبُ وَسَأَلَهَا مَاذَا بِكَ؟ لِمَاذَا لَا تُؤَدِينَ التَّمْرِينَاتِ اَلَّتِي أَطْلُبُ تَأْدِيَتَها مِنْ الجَميعِ؟ قَالَتْ وَهِيَ عَلَى وَشْكِ البُكاءِ: لَا أَسْتَطيعُ اللَّعِبَ داخِلَ هَذِهِ القاعَةِ ! وَقَامَتْ وَتَرَكُتْ القاعَةَ وَهِيَ فِي قِمَّةِ الخَجَلِ وَكَأَنَّهَا رَجَعَتْ إِلَى نُقْطَةِ الصِّفْرِ فِي التَّعامُلِ مَعَ الرِّجالِ عُمُومًا. حَكَتْ نَادِيَةُ لِلْمُدَرِّبَةِ ساميَةَ مَا حَلَّ بِهَا فِي قاعَةِ التَّمْرينِ وَأُخْبَرتْهَا أَنَّهَا لَا تُرِيدُ الِاسْتِمْرارَ فِي عُضْويَّةِ النَّادِي لِأَنَّهَا تَشْعُرُ بِالْخَجَلِ والْخَوْفِ مِنْ الأَغْرابِ وَخُصُوصًا الرِّجالَ. قَالَتْ ساميَةُ: كُنْتُ قَدْ بَدَأَتُ أَرَى اَلْضِحْكَةَ عَلَى وَجْهِكِ فَوْرَ الِانْتِهاءِ مِنْ تَمْرينِ الزُّومْبَا. رَدَّتْ نَادِيَةُ: أَشْعُرُ كَأَنِّي جَبَانَةٌ وَلَا أَسْتَطيعُ مواجَهَةَ مَشاكِلِي. لَقَدْ حاوَلُتْ أَنْ أَخْرُجَ خارِجَ مِساحَةِ الرَّاحَةِ وَلَكِنِّي فَشِلْتُ. كَانَتْ ساميَةُ تُشارِكُ نَادِيَةَ فِي كُلِّ خُطواتِ شِفائِها وَبِالْفِعْلِ وَبَعْدَ مَعْرِفَتِها بِأَنَّ نَادِيَةَ قَرَّرَتْ أَنْ تَتْرُكَ النَّادِيَ بِسَبَبِ تَمْرينِ تَقْويَةِ العَضَلاتِ. قَالَتْ لَهَا: لَقَدْ رَأَيْتُ فِيكِ الشَّجاعَةَ، وَأَنَا عَلَى يَقينٍ أَنَّكَ سَتَسْتَطِيعِينَ أَنْ تَتَغَلَّبيَ عَلَى مَخاوِفِكِ اَلَّتِي لَا أَساسَ لَهَا. وَقَالَتْ لَهَا بِصَوْتٍ خَفِيضٍ: يَا نَادِيَةُ أَنْتِ تَحْتاجينَ إِلَى طَبيبٍ نَفْسِيٍّ لِكَيْ يُساعِدَكِ عَلَى الشِّفاءِ مِنْ مَخاوِفِكَ فَلَديكِ مِنْ الأَسْرارِ مَا لَا أَعْرِفُهُ وَمِن الجائِزِ أَنْ يُساعِدَكِ هوَ عَلَى تَخَطِّي هَذِهِ العَقَبَاتِ إِلَى تَحولُ بَيْنَكِ وَبَيْنَ السَّعادَةِ. صُدِمَتْ نَادِيَةُ بِنَصائِحَ ساميَةَ وَبَكَتْ بُكاءً مَريرًا لِأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ تُدْرِكُ أَنَّهَا فِي مَرْحَلَةٍ مُتَأَخِّرَةٍ مِنْ مَراحِلِ الِاكْتِئابِ. وَبِالْفِعْلِ سَمِعْتَ نَادِيَةُ كَلامَ ساميَةَ وَذَهَبَتْ إِلَى الطَّبيبِ وَقَدْ اخْتَارَتْ نَادِيَةُ طَبيبًا أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِالْبَصيرَةِ وَمُراعاةِ الإِنْسانيَّةِ واحْتِرامِ مَشاعِرِ الأَلَمِ. قَصَّتْ نَادِيَةُ عَلَيْهِ قِصَّةَ والِدِ رَانْيَا وَهِيَ فِي الثّانيَةَ عَشْرَةَ مِنْ عُمْرِها وَمُحَاوَلَتِهِ إِيذَاءَهَا جَسَدِيًّا. اسْتَوْعَبَ الدُّكْتورُ حالَةَ نَادِيَةَ وَطَلَبَ مِنْهَا عَمَلَ بَعْضِ التَّمْرِينَاتِ النَّفْسيَّةِ قَائِلًا: أُريدُكِ أَنْ تَفْتَحِي كَرَّاسًا جَدِيدًا وتَكْتُبي بِهِ: أَنَا أَسْتَحِقُّ أَنْ أَحْيَا وَأَعيشَ وَاسْتَمْتِعَ بِحَيَاتِي وَأُحِبَّ نَفْسِي لِأَنْ... وَطَلَبَ مِنْ نَادِيَةَ أَنْ تَكْتُبَ هَذِهِ الجُمْلَةَ عَشْرَ مَرَّاتٍ بِعَشْرِ إِجاباتٍ مُخْتَلِفَةٍ. كَانَتِ الجَلَساتُ النَّفْسيَّةُ قاسيَةً جِدًّا بِالنِّسْبَةِ لِناديَةَ لِأَنَّهَا تُنَقِّي قَلْبَها مِنْ خَوْفٍ وَرَهْبَةِ دَامَا أَعْوامٍ. سَاعَدَهَا الطَّبيبُ عَلَى الغَوْصِ فِي داخِلِها وَاسْتِرْجَاعِ رُوحِ الطِّفْلَةِ اَلْشَقِيَّةِ راقِصَةِ البَالِيهْ اَلَّتِي تَسْتَحِقُّ أَنْ تَحْيَا وَتَسْتَمْتِعَ بِحَياتِها وَتُحِبَّ ذَاتَهَا. صارَحَ الطَّبيبُ نَادِيَةَ بِأَنَّ مَا مَرَّتْ بِهِ لَيْسَ سِوَى خِبْرَةٍ سَلْبيَّةٍ وَانْتَهَتْ، وَلَمْ تَعُدْ مَوْجودَةً الآنَ فَهِيَ نَظْرَةٌ سَلْبيَّةٌ يَنْسِجُها عَقْلُها وَيُقْنِعُها بِأَنَّهَا سَتَعِيشُ مَحْبوسَةً داخِلَ أَفْكارٍ مَرَضيَّةٍ قائِمَةٍ فَقَطْ عَلَى ضَعْفِ الثِّقَةِ بِالنَّفْسِ وَعَدَمِ احْتِرامِ قِيمَتِها الحَقيقيَّةِ أَمَامَ نَفْسِها أَوْ أَمَامَ النّاسِ. كَانَ الطَّبيبُ يُشَجِّعُها عَلَى تَمْرينِ حِوارِ الذّاتِ الإيجابيِّ وَمُقاوَمَةِ الأَفْكارِ السَّلْبيَّةِ إِلَى تَحْرُمُ النَّفْسَ البَشَريَّةَ مِنْ الِاسْتِمْتاعِ بِجَمالِ الحَياةِ وَكَانَ دَائِمًا مَا يُكَرِّرُ لِناديَةَ أَنَّ الأَمَلَ الوَحيدَ فِي التَّعَافِي مِنْ الأَمْرَاضِ هوَ التَّسامُحُ فَمَهْمَا كَانَ حَجْمُ الأَلَمِ وَالصَّدْمَةِ اَلَّتِي حَدَثَتْ لَهَا عَلَيْهَا أَنْ تَسامُحَ مَنْ فَعَلَ الخَطَأَ فَإِنَّ التَّسامُحَ والْغُفْرانَ مِنْ صِفاتِ اللَّهِ فَكَمَا سامَحَنَا اللَّهُ عَلَى خَطايَانا عَلَيْنَا نَحْنُ أَيْضًا أَنْ يُسامِحَ بَعْضُنا البَعْضَ. واظَبُتْ نَادِيَةُ عَلَى الجَلَساتِ النَّفْسيَّةِ، وَفَى الوَقْتِ نَفْسِهِ واظَبَتْ عَلَّ مُمارَسَةِ حِصَصِ الزُّومْبَا لِلسَّيِّدَاتِ والْحِصَّةِ المُشْتَرَكَةِ لِبِنَاءِ العَضَلاتِ، وَفِي كُلِّ مَرَّةٍ كَانَ يَطْلُبُ فِيهَا المُدَرِّبُ مِنْ المُتَدَرِّبِينَ أَنْ يَسْتَلِقوا عَلَى الأَرْضِ كَانَتْ تَتَذَكَّرُ كَلامَ الطَّبيبِ عَنْ حِوارِ النَّفْسِ وَمُقاوَمَةِ الأَفْكارِ السَّلْبيَّةِ. وَأَصْبَحَتْ المُدَرَّبَةُ ساميَةُ فِي حَياةٍ نَادِيَةَ مِثْلَ الزَّرْعِ اَلَّذِي أَثْمَرَ فِي أَرْضٍ جَيِّدَةٍ. وَبِالْفِعْلِ بَدَأَتْ نَادِيَةُ تواظِبُ عَلَى مُمارَسَةِ الرّياضَةِ وَأَصْبَحَتْ بَطَلَةً فِي عَيْنَي نَفْسِها؛ لِأَنَّهَا انْتَصَرَتْ عَلَى الأَفْكارِ السَّلْبيَّةِ وَخَرَجَتْ مِنْ مِساحَةِ الرّاحَةِ آمِلَةً فِي الوُصولِ إِلَى عُمْقِ نَفْسِها واكْتِشافِ النّورِ اَلَّذِي بِدَاخِلِهَا؛ فَإِنَّ التَّسامُحَ والْغُفْرانَ هُمَا مَرْبِطُ الفَرَسِ. فَلَقَدْ سَاعَدَ اللَّهُ نَادِيَةَ وَأَرْسَلَ لَهَا مَلائِكَةَ الرَّحْمَةِ فِي صورَةِ بِشْرٍ لِكَيْ تَسْتَرْجِعَ مَا اهْتَزَّ بِدَاخِلِهَا.
اترك تعليق