عبدالحميد جودة السحّار، هذا الأديب الذي تكونت شخصيته الأدبية منذ نعومة أظفاره في بيت والده التاجر "جودة محمد السحار"، الذي كان يمتلك "سلاملك" في هذا البيت، دعا فيه أصدقاؤه لقراءة كتب التراث، مع كتب السيرة، وفتوحات الشام للواقدي الذي تأثر بها السحار جدا في طفولته، وأشرك أولاده الثلاثة "الكبار" في هذه الأسمار الثقافية وهم بالترتيب العمري "أحمد وسعيد وعبدالحميد"، الذي كان – رُغم صغره – حريص أشد الحرص على حضور هذه اللقاءات، وكان والده يجعله يقرأ جزءًا من السيرة النبوية؛ فلم يتململ الصغير من ذلك الأمر – المرهق بالنسبة لطفل صغير – فكان يتدرب عصرًا على القراءة حتى لا يتلعثم ليلاً أمام الحضور.

والده الحاج جودة السحار
وعلى الرُغم من هذه الخلفية الثقافية الأدبية المميزة - فقد كان يكتب منذ أنْ كان في المرحلة الابتدائية بـ لغةٍ عربية سليمة - إلا أنّ السينما قد سحرته بشكلٍ كبير ولم يكن يدري وهو بعمر السادسة أنه سيكون واحدًا من الذين سيثرون السينما العربية بإبداعاتهم، بل وسيصل الأمر به إلى أن يرأس جهاز مهم في هذه الصناعة العظيمة بعد مرور أعوام عديدة.

السحار في المرحلة الثانوية بمدرسة فؤاد الأول
مع نهاية العقد الثاني من القرن العشرين، كانت هناك دارين للسينما في القاهرة، تُعدان أكبر دور للسينما آنذاك وهما إيديال وأوليمبيا، وقد شبههما أديبنا بـ (ألأهلي والزمالك)؛ وذلك لخلفيته الرياضية المعروفة في صغره؛ فقد كان مهاجمًا في النادي الأهلي في المرحلة الثانوية، وكان يلعب منذ صغره كـ باك مع أشقائه الأكبر منه سنًا في فريقهم، وكانت سينما إيديال المفضلة لديه، فكان يتردد عليها كثيرًا حتى في رمضان، وبجميع مواعيد حفلاتها، لدرجة أنّ والدته كانت تنهره وبشدة لذهابه الكثير لتلك السينما، وقالت له "مش هتتلف أملك إلا السيما"؛ لأنها كانت ترى أنها رجز من عمل الشيطان، وكانت أكبر أمنياته بعمره الصغير هذا أنْ يكون مثل "زكي" الرجل الذي اعتاد على مشاهدته وهو يرتدي زي فارس ويحمل مسدسين في يديه، وهو يقوم بالدعاية لفيلم جديد في السينما.

مع اشقائه الأكبر سنا احمد وسعيد
وفي رأيي الشخصي، لم يكن أكثر المتفائلين يتوقع أنّ الأدب الذي تفوق فيه بكتاباتٍ عديدة منذ أول أقصوصة كتبها وكانت بعنوان "رجل البيت" حين كان في مدرسة فؤاد الأول الثانوية، أنّ هذا الشغف الأدبي سيُسهم بشكلٍ كبير جدًا في عشقه القديم ألا وهي السينما، فبعد أنْ أتمّ عامه الثاني والأربعين، بدأ شغفه بالشاشة الفضية يتحول إلى مُساهمة فعالة، حين قام بتحويل قصة صديقه أديب نوبل نجيب محفوظ "درب المهابيل" إلى فيلم عام 1955م، كتب قصته وحواره، من بطولة شكري سرحان وبرلنتي عبدالحميد، إخراج توفيق صالح، وقد أنتجه له كذلك، مثلما تحمس له من قبل، وقام بطباعة قصته "رادوبيس" عن طريق "لجنة النشر الجامعيين"، التي أُدمجت فيما بعد مع مكتبة مصر للطباعة تحت إدارة شقيقه الأكبر سعيد، وقد أنشأها في بداية الأمر بمصوغات زوجته، فلم يكن هناك رأس مال لديه لبداية هذا المشروع الطموح، وتم طباعة رادوبيس في خمسمائة نسخة فقط؛ وذلك بسبب ضعف الإمكانيات الفنية المتاحة للطباعة، فقد كان يتم طباعة الكُتب آنذاك بماكينات بدائية (تضطر الطبّاع إلى طباعة ورقتين ورقتين باستخدام قدميه)

مع اولاده عزة والسيد ونجلاء وصلاح
بعدها تعددت إسهاماته السينمائية إما عن طريق كتابته لقصة أفلامه إلى جانب السيناريو والحوار مثل فيلم "مراتي مدير عام"، أو تحويل أعماله الأدبية إلى أفلام مثل "أم العروسة" و "الحفيد"، كما كان له إسهاماتٍ فنية تخدم قضايا سياسية فقام بالاشتراك مع السيد بدير في تأليف وكتابة السيناريو والحوار لـ فيلم "شياطين الجو" عام 1956م، من إخراج نيازي مصطفى، وكانت تدور أحداثه أثناء حرب فلسطين عام 1948م.

مع رئيس الوزراء عزيز صدقي
وعلى الرُغم من الإسهاب الروائي الشديد لهذا القاص الفذ، وتنوع ما كتبه على المستويين الديني والمعاصر، فقد كان يصفه صديقه الأديب الكبير"صلاح ذهني" بالكاتب ذو "الإسهال القصصي"، وهو أمرٌ حقيقي؛ لأنه اعتاد على الكتابة يوميًا منذ الفجر تقريبًا وحتى الثامنة صباحًا، لدرجة أنه كتب قصته الشهيرة والتي تحدثت عن طفولته ومرحلة المراهقة "في قافلة الزمان" والتي دارت رُحاها بين عامي 1900 – 1936، أثناء وجوده في وظيفته الأولى بعد تخرجه من كلية التجارة عام 1937م، وتعيينه على الدرجة الثامنة في وظيفة مُترجم بسلاح الطيران في وزارة الحربية، كما كان دائمًا ما يُردد عن نفسه أنه ذو شخصيتين، إحداهما دينية والأخرى عصرية – أعتقد أنّ ذلك ناتجًا عن خلفيته الدينية منذ طفولته في سلاملك والده، والثانية بسبب عشقه للسينما وارتياده لها بشكلٍ مُنتظم منذ الصغر – إلا أنّ القدر لعب دورًا مهمًا معه ليُعيده إلى فتنته التي فتنته ولم تزل بداخله لم ترحل، ألا وهي السينما – لكن – بطريقةٍ أكثر تَعمُقًا في هذه الصناعة، حين تولى في ستينيات القرن الماضي – تقريبًا بعد هزيمة 67؛ لأنه كان له دورٌ حيوي في إرجاع الممثلين الذين سافروا بعد النكسة إلى الخارج، وشاركوا في أعمال دون المستوى– رئاسة مجلس إدارة مؤسسة صناعة السينما، فتسنى له التحكم في مُقدرات هذه الصناعة عن قُرب، وبعد أنْ كان مجرد مؤلف أو مُنتج، أصبح يتدخل في كل الأمور التي تخص تلك المهنة، فقامت المؤسسة بإنتاج حوالي ثمانية وستون فيلمًا في عهده، وقامت بتوزيع ثمانية وثمانون فيلمًا تقريبًا، على دور السينما المختلفة في الداخل والخارج.

مع زبيدة ثروت وزيزي البدراوي في سيناء
ومن المعروف أنّ السحّار كان له دورٌ فاعل في عرض فيلم "ميرامار" قصة صديقه العزيز نجيب محفوظ، والذي لم يكن ليخرج إلى النور لولا تدخله وتصعيد الأمر إلى الجهات الأعلى بعد رفض الرقابة له بسبب جملة (طظ) التي جاءت على لسان عميد المسرح العربي الفنان الكبير يوسف بك وهبي، وبسبب تدخله هذا، قام الرئيس الراحل جمال عبدالناصر بمشاهدة الفيلم وأُعجب به، وطلب من رئيس مجلس الأمة آنذاك الرئيس الراحل محمد أنور السادات، أنْ يُشاهد الفيلم؛ ليُبدي رأيه، فلم يُخالفه الرأي السادات لكنه اعترض على جملة مختلفة عن (طظ)، التي اعترضت عليها الرقابة في السابق، وكان "تضربوا الستات زي الحيوانات"؛ لأنّ هذه إهانة للمرأة ولا تصلح في الفيلم، وبالفعل تم حذف هذه الجملة فقط من الفيلم
شارك السحار في كتابة القصة والسيناريو والحوار للعمل الفني الكبير الديني "الرسالة"، إخراج المخرج السوري العالمي مصطفى العقاد، وبسبب التعقيدات الشديدة التي صاحبت إخراج العمل للنور، من رفض الأزهر للنص، وإيقاف تصويره في المغرب بعد ستة أشهر من بدء التصوير، إضافةً إلى مشاكل إنتاجية أخرى خاصة بالتمويل، فقد تأخر التصوير ولم يتمكن أديبنا الكبير من اللحاق به على شاشات السينما فقد توفاه الله قبل الانتهاء من العمل بأربعة أعوام وتحديدًا في يناير عام 1974م، تاركًا وراءه إرثًا أدبيًا وفنيًا ضخمًا من الأعمال الأدبية التي اتسمت جميعها بالسهولة والسلاسة والبساطة في مفرداتها، حتى أنّ روايته أم العروسة كانت باللهجة العامية، ولم يستخدم فيها اللغة العربية الفصحى، تماشيًا مع روح القصة وما تتناوله من أحداث
رحم الله الفقيد الكبير صاحب الإبداعات المتنوعة، والذي تنبأت له والدته بهذه الموهبة الكبيرة حينما قالت له وهو في سن صغيرة "إنت جن مسور"؛ دليل على إمكانياته المميزة، فكأنها تتبصر للمستقبل بعينٍ ثاقبة لابنها الذي أصبح تاريخًا يتحاكى عنه القاصي والداني، وكما قال هو في إحدى اللقاءات "الحياة بتدي أكتر ما بيتمنى أو بيفكر الانسان"، لكنه رأي المتواضع شأن كل العظماء؛ لأنّ الحياة تُعطي دائمًا لمن لديه القدرة على العطاء، وعبدالحميد جودة السحّار كان ولازال عطاءًا لم ولن ينضب
اترك تعليق