نجم لمع اسمه في سماء الفن المصري، موهبة لا يختلف عليها اثنان، يعشقه القاصي والداني بلا أي سبب أو مصلحة، موهبته جواز مرور لكل بيت مصري وعربي، ملامحه الهادئة القريبة منّا رسمت الدرب الذي سار عليه منذ دخل الفن لأول مرة في سبعينيات من القرن الماضي، عندما تراه في أي عمل لا تُصدق أنه يُمثل، بل هي طبيعته، شخصيته تظهر على الشاشة، حتى وإنْ كان يؤدي دورًا يتسم بالشر، نُصدقه فيه جملةً وتفصيلاً؛ بسبب تقمصه الشديد والرائع لأي دور يُجسده، عن الراحل المبدع أحمد زكي أتحدث.
تداول الإعلام في الآونة الأخيرة نية إحدى شركات الإنتاج، تناول قصة حياة النمر الأسود في عملٍ فني يحمل اسم الامبراطور، وتسارع الجميع في معرفة من الأصلح للقيام بدوره عبر الشاشة من بين كلٍ من (آسر ياسين، ومحمد رمضان، وعمرو سعد)، الذين يحملون النكهة السمراء، وإن اختلف أداء كل واحد فيهم من حيث الشكل والمضمون
وفي هذا التقرير سنقوم بإلقاء الضوء على الأقرب لتجسيد دور العبقري الراحل؛ ليس من حيث الشكل فقط؛ لأنّ المكياچ من السهل عليه جعله شبيهه من هذه الزاوية، لكن الأهم من مِن هؤلاء حقًا، الأكثر امتلاكًا لأدواته؛ حتى يتمكن من إقناعنا بأنه بالفعل "منتصر عبدالغفار، أو عبدالسميع، أو مصطفى خلف المحامي، أو العقيد هشام أبو الوفا"
بدايةً الثلاثة أعمارهم مُتقاربة إلى حدٍ ما – إلا أنّ عمرو وآسر يكبران رمضان بعشرة أعوام تقريبًا – وهو رقم ليس بالأهمية، إذا ما أخذناه من ناحية العمر الفني لكلٍ منهم؛ لأنّ رمضان قد عوضه بكثرة أعماله في مجال الفن
فنجد مثلاً عمرو سعد رغم أنه أكبرهم سنًا (مواليد 77)، إلا أنه قد مثّل حوالي 30 عمل فني، ورمضان مثل آسر تقريبًا في عدد الأعمال (حوالي 50 عمل)؛ على الرُغم من أنّ آسر يَكبره بحوالي 7 أعوام
وهنا يجب تحري الدقة في نوعية هذه الأعمال التي قدمها الثلاثة طوال مشوارهم الفني، وهل هذه الأعمال من الجودة بمكان، بحيث تُمكن أحدهما من تجسيد شخصية عبقري الأداء الراقي في العمل المُزمع إنتاجه؟!
فلنرى سويًا من الأجدر خلال السطور التالية ......
الفنان الراحل لديه رصيد هائل من الأعمال سواء في بداية مشواره الفني، أم بعد وصوله إلى مرحلة النضج، وما اختتم به حياته من رصيدٍ فني متميز
لكن عند تفنيد الأكثر جماهيرية لدى المشاهدين سنجد (البيه البواب، زوجة رجل مهم، الهروب، ناصر 56، السادات، اضحك تطلع الصورة حلوة، ضد الحكومة، شادر السمك، الراقصة والطبّال)، سنُلاحظ مع هذه الأعمال تحديدًا، مدى التنوع المُبهر في الشخصيات الذي قام بأدائه النجم الكبير، وقد صاحب هذا التنوع إقناع غير عادي لكل من شاهده على الشاشة حتى وقتنا هذا
بالنسبة لـ عمرو سعد – سآخذهم بالترتيب العمري – وعلى الرغم أنه ليس خريح معهد الفنون المسرحية، إلا أنّ موهبته ساعدته على أن تكون بدايته الفنية مُشرقة عندما قدّم عملين فنيين مع مخرجين من العيار الثقيل، وهما يسري نصرالله ويوسف شاهين، وهذا معناه أنّ إمكانيات سعد الفنية جعلته محط أنظار مثل هؤلاء المبدعين؛ ليُشارك معهم في عمليّ "المدينة والآخر"، ليُقدم بعدها عمرو أعمال سينمائية مهمة، وضع فيها بصمته الخاصة كـ "دكان شحاته، حين ميسرة، ومولانا"، وهي أعمال متنوعة حرص خلالها على عدم حصر نفسه في تجسيد نوع معين من الأدوار، لكن نجاحاته الحقيقية والتي رفع له الجميع القبعة لها كان من خلال الشاشة الصغيرة، حين قدّم أدوارًا متميزة لاقت استحسانًا ونجاحًا جماهيريًا منقطع النظير
مثل (شارع عبدالعزيز، يونس وِلد فضة، بركة، وضع أمني)، وكان في شارع عبد العزيز، ويونس وِلد فضة مُبهرًا لأقصى حد، وتأكد الجميع أنه أمام موهبة طاغية تبرع في الأداء مهما كانت صعوبة الدور، وكان لتنوع أدواره في هذه الأعمال بوابة العبور له كممثل متمكن من أدواته
أما آسر ياسين، فهو عكس عمرو سعد تمامًا، فنجد أنّ أكثر أعماله الفنية على الشاشة الفضية لا الصغيرة، وفي معظم هذه الأعمال لم يكن هو البطل، فكان دائمًا مُشاركًا في البطولة حسب حجم ونوع الدور الذي يؤديه، لكن هذا لا يمنع أنه كان بطلاً لأكثر من عمل مثل (بيبو وبشير، إحنا اتقابلنا قبل كده، رسائل البحر، والوعد، وآخرهم والذي وصل فيه إلى مرحلة متقدمة من النضج الفني "تراب الماس")، وهو في كل أدواره تقريبًا كان حريصًا على التنوع، وآخرها في "بـ 100 وش" الذي لم يكن مُتفردًا فيه فقط، بل ظهر علينا بتغيير كلي لجلده وأجاد في هذا الدور بشهادة النقاد والجمهور، لكنه لم يكن تنوعًا على مستوى كبير مثلما الحال مع عمرو سعد الذي كان محظوظًا بقيامه بأدوار بطولة متعددة وكان لديه الفرصة في تقديم نفسه في أكثر من شخصية
ونأتي إلى الرجل الذي تحدثت عنه الأغلبية، أنه الأنسب للدور - من ناحية الشكل بالطبع – وهو محمد رمضان، فغير معروفٍ لكثيرين أنه حصل على جائزة أحسن موهوب على مستوي الجمهورية ثلاث مرات متتالية، في بداياته الفنية، وهي جائزة لم يحصل عليها أي ممثل على الإطلاق سواه، وهذا معناه أنّ رمضان موهوب حقًا وصدقًا، لكن المخرجين والمنتجين قد حصروه، ولفترةٍ طويلة في أدوار بعينها – من زاوية المادة طبعًا – لأنّ أفلامه السينمائية تُدر دخلاً كبيرًا من وجهة نظر صُناع هذه الأعمال، فظهر بشخصية المُهمش الذي يريد الثأر والثورة على أوضاعه المعيشية، أو الانتقام ممن ظلموه، أو في دور ضابط الشرطة الذي قدمه على شاشة السينما وعلى شاشة التليفزيون أيضًا
وهم بذلك يقومون باستنزاف موهبة، هو نفسه يساعدهم على استنزافها دون أنْ يوقف مخططهم في تدمير هذه الهدية الربّانية التي يتمناها كثيرٌ من الشباب في وقتنا الحالي، أنْ تكون لديهم، مع نعمة القبول لدى الناس، وهنا يكمن الخطر في التشكيك لكيفية أدائه لهذا الدور، هل سيُجيده فعلاً، وهل شكله القريب من نجمنا الراحل سيكون كافيًا؛ لكي ننسى أنه ليس لديه القدرة على التنوع – مع أنه قد قام بأداء دور زكي في مسلسل السندريلا، وكذلك قام بدور السادات في كاريوكا – ولن أنكر أنه إذا رُشح للدور سيكون العمل محط مشاهدة عالية؛ لأننا جميعًا نعلم أنّ رمضان نجم جاذب للمشاهدين على الشاشتين، وهو أمر من الممكن أنْ يُرجح كفته، لكنه وللأمانة لم يُقدم نفسه "فنيًا" بالشكل الذي يؤهله ليكون أحمد زكي في عملٍ ما، فـ لكي تكون هذا النجم القدير عليك أنْ تكون ذو خلفية فنية واسعة ومتنوعة، حتى تُقنع كل من سيُشاهدك أنك تصلح لهذا الحِمل الثقيل الذي أُلقيّ على عاتقك؛ لأنّ التركة الفنية التي خلفها الراحل وراءه ثقيلة جدًا، ولن يستطيع حِملها إلا من كان له تاريخ فني محترم ومتنوع؛ لكي يكون قادرًا على أنْ يكون "أحمد زكي .. عبقري الأداء الراقي"
اترك تعليق