رائد الطب التجريبي في العالم ومؤسس علم الإسعافات الأولية ومبتكر مراهم الزئبق للعلاج
جوجل احتفل بذكرى ميلاده وجامعتان امريكية وفرنسية وضعتا اسمه وتمثاله داخل قاعاتها
أبو بكر الرازي .. أعظم أطباء البشرية على الإطلاق .. عالما موسوعيا من طراز فريد، قدم للبشرية العديد من الإنجازات منها انه مؤسس الطب التجريبي، وعلم الإسعافات الأولية التي تقدّم في حالات الحوادث، وهو أول من صنع مراهم الزئبق، واخترع الفتيلة المستخدمة عند إجراء العمليات الجراحية، كما كاو أول من أوجد فروقاً بين النزيف الشرياني، والنزيف الوريدي وبرع في جميع فروع العلوم؛ فكتب في الطب والفلسفة والكيمياء والرياضيات وعلم الأخلاق والميتافيزيقا والموسيقى وغيرها.
ذاعت شهرته في عصره حتى وصف بأنه جالينوس العرب، وقيل عنه: "كان الطب متفرقا فجمعه الرازي. وكانت مؤلفاته العديدة مرجعًا للعلماء والدارسين خاصة في الطب، وظلت تلك المؤلفات تدرَّس في جامعات أوروبا على مدى قرون طويلة، وفع الملك الفرنسي لويس الحادي عشر، الذهب الغزير لينسخ له أطباؤه نسخة خاصة من كتاب "الحاوي" ليكون مرجعًا لهم إذا أصابه مرض، كما وضعت كلية الطب بجامعة باريس نصبًا تذكاريًّا له، إضافةً إلى صورته في شارع سان جيرمان بباريس، وتحتفظ جامعة برنستون الأمريكية بكتب الرازي في قاعة باسمه اعترافًا بفضله الطب في العالم، واحتفل محرك البحث العالمي جوجل في عام 2012 بالذكرى الـ1147 لميلاد شيخ الأطباء الرازي.
نقترب من عالمنا الفذ لنتعرف عليه أكثر وأكثر
البطاقة الشخصية
الاسم: أبو بكر محمد بن يحيى بن زكريا الرازي
تاريخ الميلاد: 250 هجرية الموافق 864 ميلادية
محل الميلاد: منطقة الفارسيّة في مدينة الري بالقرب من طهران الحديثة.
المهنة: طبيبٌ وفيلسوفٌ وكيميائيٌ
الألقاب: أعظم أطباء البشرية على الاطلاق – أبو الطب العربي – مؤسس الطب التجريبي – جالينوس العرب- شيخ الأطباء
محطات مهمة في حياته:
اتصف أبو بكر الرازي بالفطنة والذكاء والعبقرية وعشق العلم منذ نعومة اظافره، تعلم الفيزياء، والطب، والكيمياء، والموسيقى، والميتافيزيقيا، والرياضيات، كما كان في صباه مغنيا يجيد العزف على العود. وكان وقته موزع بين القراءة والبحث في إجراء التجارب أو الكتابة والتصنيف. وكان حريصًا على القراءة مواظبًا عليها خاصة في المساء، فكان يضع سراجه في مشكاة على حائط يواجهه، وينام في فراشه على ظهره ممسكًا بالكتاب حتى إذا ما غلبه النعاس وهو يقرأ سقط الكتاب على وجهه فأيقظه ليواصل القراءة من جديد.
درس الطب والكيماء في بغداد وبعد إتمام دراساته الطبية عاد إلى مدينة الري بدعوة من حاكمها، منصور بن إسحاق، ليتولى إدارة مستشفى الري فألّف لهذا الحاكم كتابه «المنصوري في الطب» ثم «الطب الروحاني» وكلاهما متمم للآخر، فيختص الأول بأمراض الجسم، والثاني بأمراض النفس. وشغل مناصب مرموقة في الري ثم انتقل منها ثانية إلى بغداد ليتولى رئاسة البيمارستان المعتضدي الجديد، الذي أنشأها الخليفة المعتضد بالله.
وكان الرازي حاد الذكاء رحيما بالمرضى مجتهدا في علاجهم بكل وجه وسيلة ممكنة، حريصا على البحث في كل ما يخص صناعة الطب، والكشف عن حقائقها وأسرارها، حتى أطلق عليه "أبو الطب العربي"، فهو من الرواد الأوائل للطب ليس بين العلماء المسلمين فحسب، وإنما في التراث العالمي والإنساني بصفة عامة، من ناحية الأصالة في البحث، والخصوبة في التأليف، والتفرد في الكثير من الجوانب
كان من رواد الطب التجريبي في العلوم الطبية، وقد قام بنفسه ببعض التجارب على الحيوانات كالقرود، فكان يعطيها الدواء، ويلاحظ تأثيره فيها، فإذا نجح طبقه على الإنسان، ودعا إلى العلاج بالدواء المفرد (طب الأعشاب والغذاء)، وعدم اللجوء إلى الدواء المركب إلا في الضرورة، وفي ذلك يقول: "مهما قدرت أن تعالج بدواء مفرد، فلا تعالج بدواء مركب، كما اهتم بتاريخ المريض وتسجيل تطورات المرض؛ حتى يتمكن من ملاحظة الحالة، وتقديم العلاج الصحيح للمريض.
وكان يرى أن الطلاب إذا أرادوا ان يتعلموا صناعة الطب فيجب ان يعيشوا في المدن الكبيرة المزدحمة بالسكان، حيث يكثر المرضى ويزاول المهرة من الأطباء مهنتهم. ولذلك أمضى ريعان شبابه في بغداد، وكان مؤمنا باستمرار التقدم في البحوث الطبية، ولا يتم ذلك، على حد قوله، إلا بدراسة كتب الأوائل، فيقول في كتابه "المنصوري في الطب": (هذه صناعة لا تمكن الإنسان الواحد إذا لم يحتذ فيها على مثال من تقدمه أن يلحق فيها كثير شيء ولو أفنى جميع عمره فيها لأن مقدارها أطول من مقدار عمر الإنسان بكثير).
عندما عدد من كبار الأطباء في الحضارة الإسلامية، أن الطب أصبح مهنة للتكسب على حساب الإنسان، رأوا أن يقدموا خدمة للإنسانية من خلال توفير مجموعة من المؤلفات التي تساعد الفقراء على علاج أنفسهم دون الحاجة إلى طبيب، أو تصف لصغار الأطباء كيفية علاج الفقراء ومن أهم ما كتب في طب الفقراء كان أبو بكر الرازي وكان يوصف بأنه: (حسن الرأفة بالفقراء والمرضى حتى كان يُجري عليهم الجرايات الواسعة، وأنه رؤوف بالمرضى مجتهد في علاجهم).
ووضع “الرازي” كتابين، هما: "برءُ ساعة"، وهو رسالة صغيرة، وهي تشبه كتب الإسعافات الأولية والسريعة للأمراض التي يُصاب بها الإنسان، ويمكن للشخص أن يعالج نفسه منها، ولا تحتاج إلا لزمن قصير للشفاء، أما كتبه الثاني فهو كتاب "من لا يحضره طبيب" وهو كتاب كبير نسبيا، ويسمى، أيضا، “طب الفقراء والمساكين”، يقول في مقدمته: (لما رأيت الفضلاء والأطباء في تصانيفهم ذكروا أدوية وأغذية لا تكاد توجد إلا في خزائن الملوك، أحببت أن أجعل مقالةً وجيزةً في علاج الأمراض بالأغذية والأدوية المشهورة الموجودة عند العام والخاص، ليكون أحرى أن ينتفع بها الناس في مرحلهم ومرتحلهم).
قصة بناء مستشفى بغداد
ويروي المؤرخون قصة شهيرة تدل على ذكاء الرازي وعلمه فقد طلب منه الخليفة ان يبني مستشفى كبير في بغداد، فقام بما اعتبره البعض وقتها شيء غريبا وهو احضار عدد من الاعمدة الخشبية ووضعها في جهات مختلفة من بغداد وعلق على كل عامود منها قطعة لحم طازجة، وكان يمر عليها يوميًا لكي يري أي القطع فسدت، وفي المكان الذي فسدت فيه آخر قطع، أمر ببناء المستشفى في هذا المكان لان جوه نقي خالٍ من الدخان والغبار، ولأن المرضى يحتاجون إلى هواءٍ نقيٍ خالٍ من الملوثات). ليكتشف الجميع الذكاء الشديد الذي يتمتع به الرازي حيث تمكن بفكرة بسيطة وأدوات بدائية من معرفة أفضل مكان لبناء المستشفى.
مؤلفاته
قدم الرازي للمكتبة الإنسانية أكثر 200 كتاب ومقال في الكثير من العلوم، وامتازت مؤلفاته بالموسوعية والشمول، بما تجمعه من علوم اليونان والهنود بالإضافة إلى أبحاثه المبتكرة وآرائه وملاحظاته التي تدل على النضج والنبوغ، كما تمتاز بالأمانة العلمية الشديدة؛ إذ إنه ينسب كل شيء نقله إلى قائله، ويرجعه إلى مصدره. كما تميز في الكثير من الجوانب مما أكد ريادة وأستاذيته وتفرده في العلم.
حظيت كتب الرازي الطبية بشهرة عظيمة، وانتقلت نظرياته العلمية إلى أوروبا، وقد ترجم العديد من كتبه إلى اللغات الأوروبية، واعتمدت عليها جامعات أوروبا، وظلت مرجعها الأول في الطب حتى القرن السابع عشر مثل كتابه الحاوي في علم التداوي والذي ترجم إلى اللاتينية وطبع لأول مرة في بريشيا في شمال إيطاليا عام 891 هـ / 1486م، وهو أضخم كتاب طبع بعد اختراع المطبعة مباشرة، ثم أعيد طبعه مرارًا في البندقية في القرن 10هـ / 16م، وقسم كتاب الحاوي في الطبعة اللاتينية إلى خمسة وعشرين مجلدا.
وتتضح في هذا الكتاب الضخم مهارة الرازي في الطب، وتتجلى دقة ملاحظاته وغزارة علمه وقوة استنتاجه.
وكتابه "الجدري والحصبة" أعيدت طباعته أربع مرات بين عامي 903هـ / 1498م، و1283هـ / 1866م.
أما كتابه "المنصوري" فقد طبع لأول مرة في ميلانو عام 886هـ / 1481م، وأعيد طبعه مرات عديدة، وترجمت أجزاء منه إلى الفرنسية والألمانية. وظلت تلك المؤلفات من المراجع الأساسية لدراسة الطب في أوربا حتى القرن (11هـ = 17م)، ولا تزال "جامعة برنستون" الأمريكية تحتفظ بكتب الرازي في قاعة من أفخم قاعاتها، أطلق عليها اسمه اعترافًا بفضله ومآثره على علم الطب في العالم أجمع
إنجازاته
حقق أبو بكر الرازي العديد من الإنجازات في العديد من مجالات العلوم منها:
1-- أسّس علم الإسعافات الأولية التي تقدّم في حالات الحوادث.
2-- أول من وصف عملية استخراج الماء من العيون
3-- أول من صنع مراهم الزئبق.
4—أول من وصف آلية الإبصار في العين.
5-- اخترع الفتيلة المستخدمة عند إجراء العمليات الجراحية.
6-- أول من أوجد فروقاً بين النزيف الشرياني، والنزيف الوريدي استخدم الربط حتى يوقف النزيف الشرياني، واستخدم الضغط بالأصابع حتى يوقف النزف الوريدي، وهو ما زال استخدامه قائماً إلى الآن.
7-- أول من استخدم الأفيون في علاج حالات السعال الجاف.
8-- أول من اعتبر الحمَّى عرضًا لا مرضًا
9-- اكتشف بعض العمليات الكيميائية ذات العلاقة بالفصل والتنقية، كالترشيح، والتقطير.
10-- اخترع أداة لغرض قياس الوزن النوعي للسوائل.
11-- استخدم السكريات المتخمرة لتحضير الكحول.
12--أول من قام بإدخال المليِّنات في علم الصيدلة.
13-- أبدى اهتماماً في عمليّة تشريح جسم الإنسان.
14-- أول من ذكر حامض الكبريتيك الذي سمّي باسم الزيت الأخضر أو زيت الزاج.
15-- قسّم المعادن إلى أكثر من نوع على حسب خصائصها. حضّر عدداً من الحوامض التي ما زالت طرق تحضيرها متّبعة حتى وقتنا الحالي.
16-- وصف أمراض الأطفال والنساء والولادة والأمراض التناسلية وجراحة العيون وأمراضها
17—اول من وصف الجدري والحصبة وصفا دقيقا مميزا بالعلاجات الصحيحة
18-- استفاد من دلالات تحليل الدم والبول والنبض لتشخيص المرض.
19-- استخدم طرقًا مختلفة في علاج أنواع الأمراض.
20-- اهتم بالنواحي النفسية للمريض، ورفع معنوياته ومحاولة إزالة مخاوفه من خلال استخدام الأساليب النفسية المعروفة حتى يشفى، فيقول في ذلك: "ينبغي للطبيب أن يوهم المريض أبدا بالصحة ويرجيه بها، وإن كان غير واثق بذلك، فمزاج الجسم تابع لأخلاق النفس".
21-- اشتهر في مجال الطب الإكلينيكي
22-- اهتم بالتعليق على وصف البول ودم المريض للخروج منهما بمعلومات تفيده في العلاج
23-- نصح بتجنب الأدوية الكيميائية إذا كانت هناك فرصة للعلاج بالغذاء والأعشاب، وهو عين ما ينصح به الأطباء الآن
قالوا عنه.
1-- الألمانية زيغريد هونكه في كتابها شمس العرب تسطع على الغرب قالت:
(أعظم أطباء الإنسانية على الإطلاق”، فهو مؤلف “الحاوي في الطب”، الذي ضم كل المعارف الطبية منذ أيام الإغريق حتى عام 925م، وظل المرجع الطبي الرئيسي في أوروبا لمدة 400 عام بعد ذلك التاريخ)
2-- الشاعر الإنجليزي القديم "جوفري تشوسر":
مدح الرازي بالمدح في إحدى قصائده المشهورة في كتابه "أقاصيص كونتربري"!!
شبهات حول الرازي:
ذكر البعض ان الرازي كان لا يؤمن بالأنبياء
وقيا ان الفيلسوف الاسماعيلي أبو حاتم الرازي نقل بعض اراء أبو بكر الرازي على شكل حوار واصفاً إياه بـ «الملحد» ((دون أن يذكر اسمه)). من تلك الاقتباسات ما ذكره في بداية كتابه: «ثم ناظرني في امر النبوة وأورد كلاما نحو ما رسمه في كتابه الذي ذكرناه فقال: «من أين أوجبتم ان الله اختص قوما بالنبوة دون غيرهم وفضلهم على الناس وجعلهم ادلة لهم واحوج الناس إليهم، ومن أين أجزتم في حكمة الحكيم أن يختار لهم ذلك ويشلى بعضهم على بعض ويؤكد بينهم العداوات ويكثر المحاربات ويهلك بذلك الناس).
الرد على الشبهة:
هنا لابد من الإشارة بقوة إلى أن جميع كتب الرازي المتعلقة بالأديان مفقودة ولم يصل منها إلا اقتباسات ذكرها منتقديه ومعارضيه. ولذلك يشكك البعض في تلك المقالات
كما ان الكثير من المتخصصين الأقدمين والمعاصرين حطموا هذه الشبهة وردوا عليها بقوة منهم:
1-- الامام الذهبي في سير أعلام النبلاء وصفه قائلاً:
(الأستاذ الفيلسوف أبو بكر، محمد بن زكريا الرازي الطبيب، صاحب التصانيف، من أذكياء أهل زمانه، وكان كثير الأسفار، وافر الحرمة، صاحب مروءة وإيثار ورأفة بالمرضى، وكان واسع المعرفة، مكبا على الاشتغال، مليح التأليف، وكان في بصره رطوبة لكثرة أكله الباقلى، ثم عمي نسأل الله العافية)
2-- عبد اللطيف العبد في رسالة دكتوراه باسم «فلسفة أبي بكر الرازي»
قال: المؤلفات المنسوبة لـ ابي بكر الرازي وآرائه الفلسفية والتي تطعن بالدين والانبياء، في الحقيقة لم يصل شيء منها انما أخذت من مخطوطة منسوبه لابي حاتم الرازي (وهو فيلسوف ومتكلم اسماعيلي) اسمه (اعلام النبوة) وضع فيها مقتطفات من مؤلفات لملحد مجهول زعم البعض انه أبو بكر الرازي، الصفحة الاولى من هذه المخطوطة مفقودة فلا يعرف اسم الشخص والذي كان يرد عليه أبو حاتم.
3-- الدكتور راغب السرجاني:
اعتبر الكتابين «مخارق الأنبياء» و«حيل المتنبئين» منسوبان زورا لابي بكر الرازي بل هما ليسا من مؤلفات المسلمين من الأساس تفضحها ركاكة العنوان، واتهم الكتب والمواقع الغربية بعدم الإنصاف، واعتبر كتب الرازي صاحب ثناء من قبل علماء كالذهبي. كما أن لأبي بكر الرازي كتابا اسمه "إن للعبد خالقا" وآخر اسمه "أسرار التنزيل في التوحيد" فهل يعقل ان يكون من كتب هذين الكتابين ملحدا؟!!!!
وفاته:
قضى أبو بكر محمد بن يحيى بن زكريا الرازي الجزء الأخير من حياته في مدينة الري، وكان قد أصابه الماء الأزرق في عينيه، ثم فقد بصره وتوفى في مسقط رأسه سنة 313 هجرية الموافق 923 ميلادية.
اترك تعليق