ولد علي باشا إبراهيم في 10 أكتوبر سنة 1880، في مدينة الإسكندرية. ووالده إبراهيم عطا من مواليد قرية "مطوبس" بمحافظة الغربية (كفر الشيخ حاليًا)، كان يعمل فلاحًا في قرية "منية المرشد". ووالدته هي الحاجة مبروكة خفاجي من مواليد قرية "مطوبس" أيضًا.
تزوج الوالدان ولكن الله لم يقدر لهذا الزواج أن يستمر طويلاً فسرعان ما تم الطلاق، وذهبت الأم إلى الإسكندرية حيث وضعت طفلها الصغير الذي أسمته "عليا".
حرصت والدة علي باشا إبراهيم على تعليمه، وكانت قد تكفلت بتربيته. واضطرها ذلك إلى أن تعمل قابلة كي تكسب بعض المال لتقيم أودها وأود ولدها.
في يوليو سنة 1882 عندما ضرب الأسطول البريطاني مدينة الإسكندرية وهربت الوالدة مع طفلها علي إبراهيم إلى المزارع خارج الإسكندرية وعاشا في العراء عدة أيام، والغريب أنه مع صغر سنه في ذلك الوقت إلا أنه ظل دائمًا يذكر منظر الحرائق التي اندلعت في حيه والتي تركت انطباعًا عنيفًا وعميقًا في نفسه. ولعل هذا كان السبب الذي دعاه فيما بعد إلى تبني مبدأ عدم تدخل الأجانب في إدارة شئون البلاد وكان منشأ وطنيته العارمة.
ما كاد علي إبراهيم يصل إلى الثامنة من عمره حتى أدخلته والدته مدرسة رأس التين الابتدائية، وكانت توفر له مصاريف الدراسة بصعوبة بالغة وكذلك الكتب، وما يكفي من القوت. ولقد كانت والدته تسبق تفكير عصرها، حيث رأت وهي السيدة الأمية أن المستقبل للعلم والمتعلمين. وقد كان علي إبراهيم يساعدها على ذلك حيث كان دائمًا موضع إعجاب مدرسية وأساتذته وذلك لتفوقه وحسن خلقه.
وقد حصل في هذه السن المبكرة على العديد من الجوائز التقديرية والتشجيعية التي كانت وسام شرف يحمله الطالب الصغير، ومن بين هذه الجوائز مجموعة من الكتب والقصص الروائية الإنجليزية الشائقة منها:
Picture Story Book"" وقد حصل عليه في السنة الدراسية الثالثة من المرحلة الابتدائية.
Merry Times For Tiny Folks"" وقد حصل عليه في السنة الدراسية نفسها.
Aesop’s Fables"" وقد حصل عليه في السنة الدراسية الرابعة.
The Mediterranean Illustrated"" وقد حصل عليه في السنة الدراسية نفسها.
في عام 1892 حصل علي إبراهيم على الشهادة الابتدائية، وكان ترتيبه الأول بين زملائه. وقد كانت الشهادة الابتدائية في ذلك الوقت تعادل الشهادة الجامعية من حيث الوجاهة الاجتماعية وفرصة الحصول على وظيفة محترمة. وما إن علم الأب بنبأ نجاح ابنه، حتى طلب ضمه إليه. فراوغت الأم كثيرًا حتى لا يبتعد فلذة كبدها عنها
ولكن ..
في ليلة من الليالي ذهب الأب إلى منزل الأم في الإسكندرية برفقة جماعة من الأصدقاء، بغرض أخذ علي للعمل معه. فما كادت الأم تعلم بهذا حتى تنبه عقلها إلى فكرة هروب علي إلى القاهرة لاستكمال تعليمه هناك. فبادرت بإعطائه ما تملك من المال وأعطته عنوان عائلة السمالوطي بالقاهرة، وجعلته يقفز إلى سطح الجيران وودعته حتى يتمكن من استكمال مشواره التعليمي.
حيث كان لأسرة السمالوطي بعض من يقطنون في الإسكندرية ويعرفون والدته. وبالفعل ما بزغ فجر اليوم الجديد حتى استقل علي أول قطار متجه إلى مدينة القاهرة لاستكمال طريق الكفاح من أجل العلم.
وفي القاهرة بمساعدة أسرة السمالوطي التحق علي إبراهيم بالقسم الداخلي في مدرسة الخديوية بدرب الجماميز، ليكمل دراسته الثانوية فأظهر نبوغًا في الدراسة كعادته. وقد نال شهادة البكالوريا بتفوق في 26 سبتمبر عام 1897.
في أثناء مرحلة الدراسة الثانوية، اتجهت ميول علي إبراهيم إلى العلوم الرياضية والتاريخ الطبيعي والكيمياء. فما لبث أن حصل على الشهادة الثانوية حتى التحق بمدرسة الطب بقصر العيني.
التحق علي إبراهيم بمدرسة الطب بقصر العيني في عام 1897 وتخرج منها في سنة 1901، وكانت مدة الدراسة في هذه الفترة أربع سنوات بعد أن كانت ست سنوات. وعندما دخل مدرسة الطب أراد أن يرد لوالدته بعضًا من هذا الجميل، وكان الطالب في مدرسة الطب حينئذ يتقاضى ثلاثة جنيهات شهريًا للتشجيع على الدراسة والاستمرار في طلب العلم. فكان علي إبراهيم يرسلها كاملة إلى والدته، وكان يتكسب من قراءة القرآن على المقابر أيام الجمعة
أثناء دراسة علي إبراهيم بمدرسة الطب سنة 1897، كان عدد الطلاب بالفرقة الأولى وقتها اثني عشر طالبًا كان هو من بينهم، وكانت المصرفات قد ألغيت عام 1896 لتشجيع طلبة البكالوريا على الالتحاق بمدرسة الطب، ولكن على الرغم من ذلك لم يكن الحال جيدًا في المدرسة. فقد كان مجموع الطلاب في بقية الفرق الخمسة للمدرسة خمسة عشر طالبًا.
تطلبت هذه الظروف التي تمر بها مدرسة الطب من عدم إقبال طلاب البكالوريا على الالتحاق بها؛ وضع سياسة جديدة للتعليم الطبي. فاستدعت السلطات الدكتور بري من مستشفى جاي Guy’s Hospital بلندن للحضور إلى القاهرة وإعداد تقرير عن حالة المدرسة ومقترحاته للإصلاح، فأعد تقريرًا ورد في مقدمته ضرورة أن تكون المدرسة والمستشفى تابعتين لمدير طبي واحد (كان المتبع هو وجود مديرين أحدهما للمستشفى والآخر للمدرسة)، تعاونه لجنة للمدرسة وأخرى للمستشفى من هيئة التدريس. وأكد على ضرورة التكامل في التدريس العلمي والتعليم الإكلينيكي بالمدرسة والمستشفى.
وبناءً على هذا التقرير عين الدكتور كيتنج أول مدير للمدرسة والمستشفى معًا، مما قلل من دور المستر ملتون كمدير للمستشفى، الذي ما لبث أن استقال في عام 1898. واشتمل تقرير الدكتور بري على العديد من المقترحات التي تم الأخذ بها، ومن بينها أن يكون التعليم باللغة الإنجليزية دون غيرها، وأن تخفض عدد سنوات الدراسة من ست إلى أربع سنوات مما ألغى تقريبًا تدريس علم البيولوجيا، كما تضمن التقرير مراجعة لهيئة التدريس وأوضاعها وتحويل العديد من وظائف نصف الوقت إلى كل الوقت، ومراجعة كاملة لمقررات الدراسة بمدارس الطب والصيدلة والتوليد.
أظهر علي إبراهيم نبوغًا فائقًا في مدرسة الطب كعادته دائمًا، فاهتم بالاستزادة من العلم، ولم يكتف بالمناهج المقررة فقط، بل كان يطلع على المجلات العلمية المتنوعة وأخذ ينافس أساتذته في علومهم ومعارفهم في المجال الطبي. حيث كان يدرك أن التعليم الصحيح هو التعليم القائم على البحث العلمي والقراءة الواسعة، لا على الحفظ والتلقين.
إلا أن الدراسة الأكاديمية في أول سنة بمدرسة الطب، لم تعجبه بالمرة، وكان يرى أن هذا يسبب نقصًا في عمله كطبيب، وكان يروي القصص العجيبة عن الفوضى في السنة الأولى والثانية في مدرسة الطب. فهو يروي أنه عندما كان يدرس التشريح، كان أستاذه الدكتور محمد صدقي يدرس المادة باللغة العربية، بينما كانت كتب التشريح كلها بالإنجليزية. وبعد فترة عين الدكتور صدقي محافظًا للقاهرة وأصبح الممتحن الخارجي للتشريح. وفي الامتحان الشفوي حينما جلس علي إبراهيم أمامه أعطاه جمجمة وقال له اشرح ما ترى في قاع هذه الجمجمة وما فيها من ثقوب والأعصاب التي تمر فيها. فقال له علي إبراهيم إني قرأت هذا الجزء باللغة الإنجليزية في كتاب جراي، ولا أستطيع أن أقوله باللغة العربية. فغضب الدكتور صدقي غضبًا شديدًا. ولكن علي إبراهيم أخذ يشرح باللغة الإنجليزية ونجح نجاحًا باهرًا في هذا الامتحان.
وليس أدل على نبوغه وتفوقه أكثر من عمله مساعدًا لأستاذه الدكتور سيمرس، أستاذ علمي الأمراض والميكروبات. وقد قضى علي إبراهيم عامين كاملين في هذا العمل، عامًا منهما وهو طالب بالسنة النهائية بمدرسة الطب، والآخر بعد أن حصل على دبلوم الطب في 15 أكتوبر سنة 1901.
تتلمذ علي إبراهيم على يد مجموعة من كبار أساتذة الطب المصري في ذلك الوقت حيث كان الدكتور كيتنج أستاذ التشريح ومديرًا للمدرسة (ظل مديرًا للمدرسة من 1898 وحتى سنة 1919)، وكان الأستاذ ويلسون أستاذًا للفسيولوجيا، وسيمرز للباثولوجيا، وشيمدت للكيمياء، والدكتور محمد الدري، والدكتور عثمان غالب للتاريخ الطبيعي.
كانت هناك صلة قوية تربط بين علي إبراهيم الطالب بمدرسة الطب وبين أستاذه الدكتور عثمان بك غالب. فكان يحمل كتبه إلى داره بعد المحاضرة ويقضي معه ساعات طويلة في حوار علمي شائق، تعلم منه طريقة التفكير العلمي الصحيح.
وللدكتور عثمان غالب باع طويل في مجال الدراسات الطبية، فقد كان متخصصًا في التاريخ الطبيعي، وله أبحاث قيمة في علم الديدان وله كتاب "علم الحيوانات اللافقارية". وأتقن علم النبات وألف فيه كتاب "مختصر تركيب أعضاء النبات ووظائفها".
أتم علي إبراهيم دراسته بمدرسة الطب سنة1901، وحصل بموجب ذلك على "إجازة طبيب وجراح ومولد للسيد علي أفندي إبراهيم، حيث أتم الدراسة المقررة لمدرسة الطب في سنة 1901 ليكون له حق التمتع بما تخوله له القوانين والأوامر المتبعة". وكان ترتيبه الأول بين زملائه، ويفوق مجموع درجاته درجات الثاني بفارق ثمانين درجة.
وفي 21 أكتوبر 1901 صدر تصريح من نظارة الداخلية، مصلحة الصحة العمومية بشأن مزاولة علي أفندي إبراهيم لمهنة الطب في القطر المصري، وتم إدراج اسمه بدفاتر الأطباء المعلومين تحت رقم 64.
استطاع علي إبراهيم أن يوفر مبلغ مائة جنيهًا اقتصدها أثناء عمله في مصلحة الصحة بقسم الأوبئة، فاتفق مع صديقة الدكتور عبد المجيد محمود أن يفتحا عيادة كانت بجوار جامع قجماس الإسحاقي(أبي حريبة)، وبالفعل تم لهم ذلك وافتتحا العيادة.
ولكن ...
أتت الريح بما لا تشتهى السفن حيث وجد علي أن العمل كان صعبًا جدًا فقد كان الإقبال كله على الأطباء الأجانب وكانت لهم الزعامة الطبية في مصر وكان الطبيب المصري غريبًا في وطنه.
عمل علي إبراهيم بمصلحة الصحة (وزارة الصحة حاليًا)، بقسم الأوبئة، وفيها ظهر نبوغه وعبقريته المعتادة في تشخيص بعض الأمراض التي أصابت الريف المصري وحار فيها الأطباء ومنها:
لم تطل إقامة علي أفندي إبراهيم في القاهرة طويلاً، حيث ظهر وباء غريب في قرية بوشا (بالقرب من أسيوط) عام 1902، كان من أعراضه الإسهال الشديد الذي يؤدي إلى الوفاة في أحوال كثيرة. واحتار فيه الأطباء في ذلك الوقت. فانتدب الدكتور علي إبراهيم للبحث عن سببه، وهنا ظهر تميزه وتفكيره العلمي الصحيح. حيث استنتج أن سبب الوباء هو الكوليرا الآسيوية. وأخذ يبحث عن مصدره، فوجد أن أحد الحجاج أتى بماء من السعودية يتبرك به، ولم تكن الأحوال الصحية في السعودية كما هي الآن، وشرب منه الأهالي وسرعان ما انتشر الوباء بين الناس. وأرسل بعينة من قيء المرضى للتحليل في القاهرة، وجاءت نتيجة التحليل سلبية. فلم ييأس ولم يتخل عن تشخيصه، فأعاد إرسال عينة أخرى للتحليل مرة ثانية. وجاءت نتيجة التحليل مؤكدة صحة تشخيص علي إبراهيم للمرض، وهو وباء الكوليرا الآسيوية.
وساعدت صحة التشخيص في حصر الوباء في أضيق الحدود. وكانت تلك خطوة أولى على طريق النجاح.
انتُدب علي أفندي إبراهيم مرة ثانية للريف لفحص وباء غريب يصيب السيدات عادة ويؤدي إلى الوفاة في كثير من الحالات. وقد استطاع علي إبراهيم في وقت قصير أن يشخص المرض بأنه وباء الجمرة الخبيثة، وأن السبب في إصابة السيدات أكثر من الرجال هو كثرة تعاملهن مع روث الحيوانات في صنع الوقود. حيث تكمن الجرثومة المسببة للمرض في روث الحيوانات. فاستطاع أن يحصر الوباء مرة ثانية في حدود ضيقة بفضل التشخيص المبكر للمرض.
نظرًا للمهارة الشديدة والنبوغ الذي أظهره علي إبراهيم في مجال مكافحة الأوبئة في الريف المصري، كوفئ بتعيينه حكمباشي (مديرًا) بمستشفى بني سويف.
كانت أولى العمليات الجراحية التي أجراها الدكتور علي إبراهيم هي عملية استئصال كلية. وتعتبر هذه العملية من العمليات الكبرى التي لا يقدم عليها الجراح إلا بعد أن يكون قد ساعد في عدد منها ثم قام بإجرائها تحت إشراف أستاذه حتى يتمكن من الاعتماد على نفسه. ولكن علي إبراهيم أقدم على هذه العملية دون سابق خبرة أو تجربة وفي ظل ظروف غير مواتية بالمرة من حيث عدم وجود لنقل الدم أو حقن الجلوكوز أو المضادات الحيوية. ولم يكن ذلك اندفاعًا منه أو غرورًا، بل كان ثقة في توفيق الله سبحانه وتعالى له أولاً، وفي قدرته على إتمام العملية بنجاح ثانيًا. فهو يرى أن نجاح العملية هو شفاء المريض، وأنه لا فائدة من نجاح عملية إذا توفى المريض. وبالفعل فقد نجحت العملية نجاحًا تامًا. ويذكر علي إبراهيم أن طبيب التخدير في هذه العملية هو الدكتور مصطفى فهمي الذي أصبح فيما بعد وكيلاً لمستشفى القصر العيني.
من أبرز العمليات التي أجراها علي إبراهيم أيضًا في بداية حياته، عملية تفتيت حصوة في المثانة دون إجراء جراحة كبيرة. فقد كان المتبع في ذلك الوقت هو شق العجان لاستخراج الحصوة، وهي عملية كانت تستدعي البقاء أيامًا طويلة في المستشفى مع وجود احتمالات عالية في الوفاة.
تبدأ قصة هذه العملية عندما ذهب إليه أحد عُمد القرى بابنه في مستشفى بني سويف ليجري له عملية تفتيت الحصوة. وبعد أن وقع علي إبراهيم الكشف الطبي على المريض قرر عمل العملية في الصباح وأن المريض سيغادر المستشفى في المساء. فدهش الأب عندما سمع هذا الكلام من علي إبراهيم. وبالفعل تم تفتيت الحصوة بنجاح، حيث كان علي إبراهيم يستطيع بواسطة المجس (آلة طبية) أن يعرف حجم الحصوة وصلابتها وعدد الحصوات الموجودة بالمثانة. ومن هنا انطلقت شهرة علي إبراهيم تدوي في أنحاء بني سويف.
اترك تعليق