تعود فكرة الطيران في مصر القديمة إلى آلاف السنين، فقد ظهرت أول إشارة إلى الطيران في اللغة المصرية القديمة المكتوبة بالخط الهيروغليفي المقدس حيث وجدت ثلاثة كلمات تحمل معنى "يطير"، وفي نصوص الأهرام التي تعود لأكثر من 4500 سنة مضت كان ملوك مصر القديمة يطيرون مع الآلهة الخالدة في الحياة بعد الموت في رحلة أزلية عبر النجوم على متن قوارب سماوية.
وسُجل ذلك لأول مرة على الجدران الداخلية لحجرات هرم "أوناس" (ملك مصري من فراعنة الأسرة الخامسة عام 2400 ق.م)، حيث قدمت متون الأهرام وصفاً لـ "عائمات السماء" هذه بأنها قادرة على حمل الملوك الآلهة والإبحار بهم بين النجوم، وظهرت نقوش مصرية تصور شخوصاً آدمية أضيفت إليها أجنحة من الريش لتطير مثل الطيور بل أنهم أضافوا أجنحة من الريش إلى حيوانات معروفة كانوا يعدونها حيوانات مقدسة ليجعلوها قادرة على الطيران ولو على سبيل الخيال أو الاعتقاد في الأسطورة والعقيدة السائدة وقتها، ولكن لم يعثر أبداً على أية آلة طائرة أو طائرة حقيقية أو حتى نموذج لها حتى جاء كشفالقطعة رقم (6347)، النموذج الفريد للطائرة المصرية القديمة.
ففي عام 1898، خرجت حملة من علماء الآثار الإنجليزللتنقيب في منطقة (سقارة) حول هرم زوسر وظل العلماء يبحثون طيلة شهر ونصف الشهر حتىاكتشفوا إحدى المقابرالفرعونية، وقد أسفرت الحملة عن العثور على عدة نماذج خشبية صغيرة صنفت على أنها نماذج لطيور كان من بينها نموذج الطائرة، وقد تم عرضها بالمتحف المصري بالقاهرة وسجلت بأرشيف المتحف على أنها نموذج خشبي لطائر يقدر عمره بحوالي 2000 عام، وظل المتحف يعرض هذا النموذج في الغرفة رقم 22 بالطابق الثاني ضمن مجموعات الطيور باعتباره نموذجاً لعصفور، لمدة تربو على سبعين عاماً، إلا أن ذلك التوصيف تغير قليلاً بعد ذلك.
التقط عالم الآثار المصري الدكتور خليل مسيحه الخيط وحمل النموذج وفحصه بكل روية وإمعان فوجد أن النموذج عبارة عن جسم له جناحان منبسطان وذيل رأسي بارزجداً ويحمل عبارة بحروف هيروغليفية دقيقة لم ينتبه إليها أحد من قبل وعندما ترجم العبارة تعاظمت دهشته، فقد كانت الكلمات المقدسة تقول: "هدية آمون..سيد الرياح".
كان قدماء المصريين مولعين بعمل نماذج مصغرة تحاكي كل ما هو حقيقي في حياتهم، فقد صنعوا نماذج لبيوت الفلاحين وقصور النبلاء ونماذج للقوارب وجنود الجيش ونماذج لحيوانات الطبيعة المصرية مثل التمساح وفرس النهر ونماذج للطيور وبعضها كانت مخصصة للعب الأطفال، كما في زماننا الحاضر، فلماذا لا يكون النموذج الصغير لعبة صغيرة تحاكي نموذجاً كبيراً لطائرة حقيقية لم تكشف عنها رمال مصر المليئة بالأسرار كل يوم.
قام العلماء بفحص الأخشاب المصنوع منها النموذج واختبروها بكل الوسائل العلمية المعروفة قبل أن يخرجوا بنتيجة حاسمة مؤداها أن تاريخ المنحوتة يتوافق مع العصر القديم الذي تنمتي إليه المقبرة التي تم العثور عليها فيها، وهو ما يعني أن قدماء المصريين قد صنعوا النموذج بأيديهموبعلومهم، وحتى هذه اللحظة لا يزال النموذج (6347) يعتبر لغزاً من ألغاز الفراعنة.
دخول مصر في مرحلة جديدة من الطيران ..
في أوائل القرن العشرين حضر رجل أعمال بلجيكي لمصر واشترى مساحة شاسعة من الصحراء في شرق القاهرة للاستثمار أطلق عليها "هليوبوليس" أي "مدينة الشمس" إحياءً للمدينة القديمة "عين شمس" التي اندثرت والتي كانت قريبة من تلك المنطقة منذ آلاف السنين ولم يبقى منها غير مسلة مشهورة وبعض الآثار القليلة الباقية، وخطط هذا الرجل البارون "إمبان" الأرض وقرر أن تكون مبانيها على الطراز العربي لتحتفظ بطابعها المميز.
ولكي يبيع قطع الأراضي رأى أن يقوم بعمل دعاية فريدة وغريبة من نوعها وذلك من خلال إقامة مهرجاناً للطيران !! .. كانت الفكرة غريبة حقاً .. وُجه فيه الدعوة إلى ثلاث عشر نجماً من نجوم الطيران العالميين ليحضروا لمصر بثمانية عشر طائرة ويحلقوا بطائراتهم في مجموعة مباريات مقابل حوافز ثمينة لمن يستطيع أن يطير أطول مسافة أو أعلى إرتفاعاً أو من يسابق منافسيه للوصول من صحراء "هليوبوليس" إلى أهرامات الجيزة.
ورغم أن أياً من هؤلاء الطيارين العالميين لم ينجح في إتمام هذه الرحلة والتي لا تتعدى ثلاثين كيلومتراً، إلا أن المهرجان كان نواة لإنشاء أول نادٍ للطيران في الوطن العربي وهو "نادي الطيران المصري" رأسه في ذلك الوقت الأمير أحمد فؤاد والذي أصبح فيما بعدملكاً على مصر والسودان، وانضم إلى الاتحاد الدولي للطيران FAI بنهاية الحرب العالمية الأولى.
كان هذا المهرجان نقطة البداية لكي ينطلق الشباب المصري ساعياً وراء حلم التحليق في الفضاء، فكانت محاولات شباب مصر في ذلك المضمار موازية لشباب العالم وإن سبقت مصر فيه العديد من باقي دول العالم.
كان هذا المهرجان هو الثالث في سلسلة مهرجانات الطيران العالمية بعد مهرجاني فرنسا وأمريكا للطيران، وبرغم هموم المصريين بالتحرر من الإستعمار البريطاني والتخلص من آثاره كانوا يتابعون أخبار الطيران بشغف.
اترك تعليق