حظيت مشاركة الرئيس عبد الفتاح السيسي في أعمال القمة الثامنة عشرة لتجمع بريكس، التي استضافتها العاصمة الهندية نيودلهي يومي 12 و13 سبتمبر 2026، باهتمام واسع من وسائل الإعلام الدولية، في ظل انعقاد القمة وسط تحولات جيوسياسية واقتصادية متسارعة، وتزايد الضغوط لإعادة تشكيل النظام الدولي وتعزيز دور دول الجنوب العالمي في صياغة القرارات الدولية.
رويترز: توسع بريكس يعزز نفوذه ويزيد التباينات داخله
وفي قراءة للمشهد قبيل انعقاد القمة، رأت وكالة رويترز أن توسع بريكس، الذي أصبحت مصر جزءًا منه إلى جانب إثيوبيا وإيران والإمارات وإندونيسيا، عزز الوزن الدولي للتجمع.
وأوضحت الوكالة أن القمة انعقدت في ظل تداعيات الحرب الأمريكية–الإسرائيلية على إيران، وما فرضته من ضغوط على دول بريكس للتوصل إلى موقف مشترك بشأن الأزمة، خاصة مع وجود إيران والإمارات داخل التجمع.
وأشارت رويترز إلى أن القمة تمثل اختبارًا لقدرة بريكس على الحفاظ على وحدته وتقديم نفسه كقوة مؤثرة في النظام العالمي.
وتكتسب هذه القراءة أهمية بالنسبة لمصر، التي تتحرك داخل التجمع باعتبارها دولة عربية وأفريقية ذات ثقل إقليمي، وتسعى إلى تعزيز حضورها في المنظمات والأطر الدولية متعددة الأطراف.
أسوشيتد برس: بريكس يطمح إلى إعادة صياغة دور الجنوب العالمي
من جانبها، ركزت وكالة أسوشيتد برس على التحول الذي طرأ على بريكس بعد توسع عضويته، مشيرة إلى أن التجمع بات يمثل نحو نصف سكان العالم، ويطرح نفسه بصورة متزايدة كمنصة لتعزيز نفوذ الدول النامية في عملية صنع القرار الدولي.
وأفادت الوكالة بأن قادة بريكس ناقشوا خلال القمة ملفات تتجاوز الاقتصاد إلى قضايا الأمن الدولي، والصراعات في الشرق الأوسط وأوكرانيا، والعقوبات الأحادية، والتجارة العالمية، وأنظمة المدفوعات، وأمن الطاقة والغذاء، والذكاء الاصطناعي والتغير المناخي.
كما رأت أسوشيتد برس أن بريكس يسعى إلى تقليل الاعتماد على المؤسسات المالية الغربية وتعزيز تمثيل آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية في مؤسسات الحوكمة العالمية.
وفي هذا السياق، تكتسب مشاركة مصر أهمية خاصة، باعتبارها إحدى الدول التي تربط بين العالم العربي وأفريقيا، وتمتلك موقعًا استراتيجيًا مؤثرًا في حركة التجارة والطاقة العالمية.
«فايننشال تايمز»: بريكس رمز لصعود القوى الناشئة
أما صحيفة فايننشال تايمز البريطانية، فرأت أن بريكس أصبح رمزًا لصعود القوى الناشئة ورغبتها في الحصول على نفوذ أكبر داخل النظام الدولي.
وأشارت الصحيفة إلى أن التجمع يمثل قرابة نصف سكان العالم ونحو 40% من الاقتصاد العالمي وفق تعادل القوة الشرائية، وأنه تطور من فكرة اقتصادية إلى تكتل سياسي واقتصادي ذي طموحات عالمية.
وتبرز مصر في هذا المشهد باعتبارها عضوًا جديدًا نسبيًا في التجمع، لكنها تمتلك شبكة علاقات واسعة مع القوى الكبرى، بما يسمح لها بالتحرك داخل بريكس من موقع يقوم على تنويع الشراكات وليس الاصطفاف مع محور دولي واحد.
«إنديان إكسبريس»: الدبلوماسية المصرية حاضرة في لحظة فارقة
وسلطت صحيفة إنديان إكسبريس الهندية الضوء على الحراك الدبلوماسي الذي شهدته قمة بريكس، مشيرة إلى الجهود التي بذلتها الهند للتوصل إلى توافق بين أعضاء التجمع بشأن القضايا الإقليمية والدولية الحساسة.
ووصفت الصحيفة هذه التطورات بأنها تعكس اتساع مساحة الدبلوماسية متعددة الأطراف داخل بريكس، وقدرته على لعب دور في تخفيف التوترات بين دول ذات مواقف متباينة.
ويمثل ذلك تطورًا لافتًا في صورة مصر داخل التجمع، إذ لا يقتصر دورها على المشاركة في القضايا الاقتصادية، وإنما يمتد إلى دعم المسارات الدبلوماسية المرتبطة بالأزمات الإقليمية.
الأمم المتحدة تشيد بالدور المصري
وكان من أبرز المؤشرات الدولية على أهمية الدور المصري، اللقاء الذي جمع الرئيس السيسي بالأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو جوتيريش على هامش قمة بريكس.
ووفق ما أورده مركز الأمم المتحدة في الهند، أكد جوتيريش أهمية الدور المصري في تسهيل الحوار من أجل تحقيق السلام والاستقرار في الشرق الأوسط، وهو ما يمثل إشادة مباشرة بالدور الذي تضطلع به القاهرة في الملفات الإقليمية.
وناقش الجانبان خلال اللقاء تطورات الشرق الأوسط وأوكرانيا، إلى جانب القضية الفلسطينية والوضع في غزة والضفة الغربية.
كما أبرزت الأمم المتحدة أهمية الدور المصري في الجهود الإنسانية والتعاون مع وكالات المنظمة الدولية.
وتعكس هذه الإشادة أن الحضور المصري في قمة بريكس لم يكن اقتصاديًا فقط، وإنما ارتبط كذلك بالدور السياسي والدبلوماسي الذي تلعبه القاهرة في إدارة الأزمات الإقليمية.
مصر والهند.. شراكة تتجاوز بريكس
وحظي اللقاء بين الرئيس السيسي ورئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بأهمية خاصة، في ظل العلاقات المتنامية بين القاهرة ونيودلهي.
وأبرزت وسائل الإعلام الهندية اللقاء في إطار المساعي الرامية إلى تعزيز العلاقات الثنائية والتعاون الاقتصادي والدفاعي والتجاري، في وقت تنظر فيه الهند إلى مصر باعتبارها شريكًا استراتيجيًا مهمًا في العالم العربي وأفريقيا.
كما أن موقع مصر الجغرافي وقناة السويس يمنحان العلاقات المصرية–الهندية بعدًا استراتيجيًا يتجاوز حدود التجارة الثنائية، ليشمل حركة سلاسل الإمداد والتجارة بين آسيا وأفريقيا وأوروبا.
قناة السويس.. ورقة مصرية مهمة داخل بريكس
وتبرز قناة السويس كأحد أهم عناصر القوة الاستراتيجية التي تضيفها مصر إلى تجمع بريكس.
ففي ظل اضطرابات طرق التجارة العالمية وارتفاع أهمية أمن الممرات البحرية وسلاسل الإمداد، يمثل الموقع المصري ميزة استراتيجية لدول بريكس التي تسعى إلى تعزيز الترابط التجاري والاقتصادي بين أعضائها.
ويمنح موقع مصر عند نقطة الالتقاء بين البحر المتوسط والبحر الأحمر، إلى جانب ارتباطها بالأسواق الأفريقية والعربية والأوروبية، القاهرة فرصة للعب دور أكبر في مشروعات التجارة واللوجستيات والطاقة داخل التجمع.
بريكس بين التعاون والمنافسة الدولية
وأظهرت التغطيات الدولية أن بريكس لا يتحول بالضرورة إلى تحالف مناهض للغرب، رغم الخطاب المتزايد حول إصلاح النظام الدولي.
وفي هذا الإطار، رأت إنديان إكسبريس أن الهند نجحت خلال القمة في الحفاظ على الطابع التعاوني للتجمع، وتجنب تحويله إلى كتلة جيوسياسية صريحة في مواجهة الولايات المتحدة أو الغرب.
وأشارت الصحيفة إلى أن إعلان نيودلهي ركز على التنمية، واستقرار سلاسل الإمداد، والأمن الغذائي والصحي، والابتكار الرقمي والذكاء الاصطناعي، بدلًا من تحويل بريكس إلى تحالف أيديولوجي.
وهنا تبرز أهمية الموقف المصري، الذي يقوم على توسيع الشراكات الدولية والحفاظ على علاقات متوازنة مع مختلف القوى الكبرى، بما يتسق مع طبيعة السياسة الخارجية المصرية القائمة على تنويع مصادر التعاون.
مصر أمام فرصة لتعزيز نفوذها
تكشف التغطية الدولية لقمة بريكس عن فرصة مهمة أمام مصر لتحويل عضويتها من مجرد حضور داخل تجمع دولي صاعد إلى أداة عملية لتعزيز نفوذها الاقتصادي والدبلوماسي.
فمصر تمتلك مقومات تجعلها ذات قيمة داخل بريكس، من بينها موقعها الجغرافي، وقناة السويس، وثقلها العربي والأفريقي، ودورها في ملفات الأمن الإقليمي، فضلًا عن علاقاتها المتوازنة مع الصين والهند وروسيا ودول الخليج وأوروبا والولايات المتحدة.
وفي المقابل، يتيح بريكس للقاهرة مجالًا أوسع لتنويع مصادر التمويل والاستثمار، وتعزيز التجارة، وتطوير التعاون في مجالات التكنولوجيا والطاقة والأمن الغذائي والبنية التحتية.
مشاركة تتجاوز حدود القمة
وبينما اختتمت قمة بريكس أعمالها بإعلان نيودلهي، بدا واضحًا أن مشاركة الرئيس السيسي حملت دلالات تتجاوز حدود الاجتماع السنوي للتجمع.
فمن ناحية، أكدت التغطية الدولية أن بريكس أصبح أحد أبرز المنصات التي تعكس صعود الجنوب العالمي، ومن ناحية أخرى أظهرت المشاركة المصرية أن القاهرة تسعى إلى أن تكون جزءًا فاعلًا من النقاش العالمي حول مستقبل النظام الدولي.
كما أن الإشادة الأممية بالدور المصري في دعم الحوار والسلام والاستقرار في الشرق الأوسط، إلى جانب الحضور المصري في الجهود الدبلوماسية المرتبطة بأزمات المنطقة، عززت صورة القاهرة باعتبارها لاعبًا إقليميًا قادرًا على التحرك بين الدوائر العربية والأفريقية والآسيوية والدولية.
وفي النهاية، يمكن قراءة مشاركة الرئيس السيسي في قمة بريكس باعتبارها محطة جديدة في مسار إعادة تموضع مصر داخل نظام دولي يتجه بصورة متزايدة نحو التعددية القطبية؛ نظام لا تُقاس فيه قوة الدولة بحجم اقتصادها فقط، وإنما بقدرتها على بناء الشراكات، وإدارة الأزمات، وربط الأسواق، والتأثير في مسارات الحوار الدولي.
وتبدو القاهرة، بما تمتلكه من موقع استراتيجي وثقل سياسي وشبكة علاقات دولية واسعة، في موقع يؤهلها للانتقال من مرحلة المشاركة في بريكس إلى مرحلة التأثير في أجندته.
اترك تعليق