كثيرا ما ارتبط الميلاتونين في أذهان كثيرين بفكرة المكمل الطبيعي والآمن الذي يمكن اللجوء إليه للتغلب على الأرق وتحسين النوم، لكن دراسة أولية واسعة النطاق تفتح بابًا جديدًا من التساؤلات حول استخدامه لفترات طويلة.
وبحسب موقع «ساينس ديلي»، أظهرت الدراسة أن الأشخاص الذين يعانون من الأرق المزمن واستخدموا الميلاتونين لمدة عام على الأقل كانوا أكثر عرضة بنحو 90% للإصابة بفشل القلب خلال السنوات الخمس التالية، مقارنة بآخرين يعانون من الأرق المزمن ولم يُسجل لديهم استخدام للميلاتونين.
ورغم قوة الارتباط الذي رصدته الدراسة، يؤكد الباحثون أن النتائج لا تثبت أن الميلاتونين هو السبب المباشر في الإصابة بفشل القلب، وإنما تكشف علاقة تستدعي مزيدًا من البحث للتحقق من سلامة استخدام المكمل على المدى الطويل.
دراسة واسعة تبحث في سلامة الميلاتونين
اعتمد الباحثون على بيانات من شبكة TriNetX العالمية للأبحاث، وهي قاعدة بيانات كبيرة تضم سجلات صحية إلكترونية مجهولة الهوية، لدراسة بالغين شُخصت إصابتهم بالأرق المزمن.
وشمل التحليل 130828 شخصًا، بمتوسط عمر بلغ 55.7 عامًا، وكانت النساء يمثلن 61.4% من المشاركين.
ومن بين هؤلاء، كان هناك 65414 شخصًا لديهم سجل يشير إلى استخدام الميلاتونين لمدة عام على الأقل، بينما شُكلت مجموعة مقارنة من أشخاص يعانون من الأرق المزمن ولم يُسجل في ملفاتهم الطبية استخدام للميلاتونين.
وحرص الباحثون على استبعاد الأشخاص الذين سبق تشخيص إصابتهم بفشل القلب، وكذلك من تلقوا أدوية أخرى لعلاج النوم، ثم وازنوا بين المجموعتين وفق 40 عاملًا مختلفًا، شملت الخصائص الديموغرافية والحالات الصحية والأدوية المستخدمة.
ارتفاع خطر فشل القلب بنسبة 90%
خلال السنوات الخمس التالية، أصيب 4.6% من الأشخاص الذين كان لديهم استخدام طويل الأمد للميلاتونين بفشل القلب، مقابل 2.7% في المجموعة التي لم يُسجل لديها استخدام للمكمل.
وبذلك ارتبط الاستخدام طويل الأمد للميلاتونين بزيادة تقارب 90% في خطر الإصابة بفشل القلب.
ولم تتوقف الفروق عند الإصابة بفشل القلب، إذ أظهر التحليل أن الأشخاص الذين كان لديهم استخدام موثق للميلاتونين كانوا أكثر عرضة بنحو 3.5 مرة لدخول المستشفى بسبب فشل القلب، مقارنة بالمجموعة الأخرى.
كما سجلت الوفيات لأي سبب خلال فترة المتابعة معدلًا أعلى بين مستخدمي الميلاتونين؛ إذ بلغت 7.8% مقارنة بـ4.3% لدى غير المستخدمين، وفق نتائج الدراسة.
ماذا يحدث عند التأكد من الاستخدام طويل الأمد؟
أجرى الباحثون تحليلًا إضافيًا بهدف التأكد بصورة أكبر من أن الأشخاص المصنفين ضمن مجموعة الميلاتونين كانوا يستخدمونه بالفعل لفترة طويلة.
وفي هذا التحليل، اقتصروا على المشاركين الذين صرفوا وصفتين طبيتين على الأقل من الميلاتونين، بفاصل زمني لا يقل عن 90 يومًا.
وظل الارتباط قائمًا، إذ ارتفع خطر الإصابة بفشل القلب لدى هذه المجموعة بنسبة 82% مقارنة بغير المستخدمين.
لماذا لا تعني النتائج أن الميلاتونين يسبب فشل القلب؟
رغم الأرقام اللافتة، فإن الدراسة لا تستطيع إثبات علاقة سببية مباشرة بين الميلاتونين وفشل القلب.
فالتحليل اعتمد على سجلات طبية سابقة، ولم يكن تجربة سريرية يتحكم فيها الباحثون في استخدام الميلاتونين والعوامل الأخرى المؤثرة في صحة المشاركين.
كما أن هناك عوامل لم يتمكن الباحثون من قياسها بصورة كاملة، من بينها شدة الأرق، وبعض الاضطرابات النفسية المصاحبة مثل الاكتئاب والقلق، إلى جانب بعض التفاصيل المتعلقة باستخدام المكمل.
وهذه العوامل مهمة؛ لأن الأشخاص الذين يعانون من أرق شديد أو اضطرابات نفسية قد يكونون أكثر ميلًا إلى استخدام الميلاتونين، كما قد تكون لديهم مخاطر قلبية مختلفة بصورة مستقلة.
كذلك، لا تعكس السجلات الطبية بالضرورة جميع حالات استخدام الميلاتونين، خصوصًا في البلدان التي يُباع فيها المكمل دون وصفة طبية. فقد يشتري بعض الأشخاص الميلاتونين من تلقاء أنفسهم دون أن يظهر ذلك في ملفاتهم الطبية، ما يعني احتمال تصنيف بعض المستخدمين ضمن مجموعة غير المستخدمين.
الميلاتونين.. هرمون طبيعي ولكن
الميلاتونين هرمون ينتجه الجسم طبيعيًا عن طريق الغدة الصنوبرية في الدماغ، ويلعب دورًا أساسيًا في تنظيم دورة النوم والاستيقاظ.
ويرتفع إنتاجه عادة مع حلول الظلام، بينما تنخفض مستوياته خلال النهار.
أما الميلاتونين الصناعي، فهو مطابق كيميائيًا للهرمون الذي ينتجه الجسم، ويُستخدم على نطاق واسع للمساعدة في بعض اضطرابات النوم والتعامل مع اضطراب الرحلات الجوية الطويلة.
ويُباع الميلاتونين كمكمل غذائي دون وصفة طبية في عدد من الدول، لكن طبيعة تنظيمه تختلف من بلد إلى آخر، كما يمكن أن تختلف قوة المكمل ونقاوته بين المنتجات، بحسب موقع «ساينس ديلي».
الباحثون: نحتاج إلى مزيد من الأدلة
وقال إيكينيديليتشوكو ناندي، المؤلف الرئيسي للدراسة، إن نتائج البحث تشير إلى أن مكملات الميلاتونين ربما لا تكون آمنة بالقدر الذي يُعتقد على نطاق واسع، مؤكدًا أن تأكيد هذه النتائج من خلال دراسات أخرى قد يؤثر في الطريقة التي يقدم بها الأطباء النصائح المتعلقة بمساعدات النوم.
وفي المقابل، شدد الباحثون على ضرورة إجراء مزيد من الأبحاث قبل التوصل إلى أي استنتاج بشأن سلامة الميلاتونين على القلب.
كما أوضحت الباحثة في مجال النوم ماري بيير سانت أونج، التي لم تشارك في الدراسة، أن الميلاتونين ليس علاجًا معتمدًا للأرق في الولايات المتحدة، وأن استخدامه بصورة مزمنة ينبغي ألا يتم دون وجود مبرر طبي مناسب.
وتظل النتيجة الأساسية للدراسة هي وجود ارتباط بين الاستخدام طويل الأمد للميلاتونين وارتفاع مخاطر صحية خطيرة لدى الأشخاص المصابين بالأرق المزمن، وليس إثبات أن المكمل يتسبب في هذه المشكلات.
وتشير هذه النتيجة إلى أهمية عدم التعامل مع الميلاتونين باعتباره خيارًا خاليًا تمامًا من المخاطر لمجرد أنه يُصنف كمكمل طبيعي، خاصة عند استخدامه لفترات طويلة.
اترك تعليق