لم تعد العلاقات المصرية الصينية حبيسة الملفات السياسية والاقتصادية، بعدما امتدت خلال السنوات الأخيرة إلى استثمارات ومشروعات صناعية ولوجستية كبرى، يأتي في مقدمتها منطقة التعاون الاقتصادي والتجاري المصرية الصينية "تيدا" بالعين السخنة، التي تحولت إلى نموذج بارز للشراكة بين البلدين.
وتضم المنطقة أكثر من 200 شركة ومشروع، فيما تجاوزت الاستثمارات الصينية بها 4 مليارات دولار وفق بيانات حديثة، لتصبح واحدة من أبرز نقاط الحضور الاقتصادي الصيني في مصر.
لكن أمام هذا الحضور الاقتصادي الكبير يبرز سؤال آخر يخص قطاع السياحة: هل يمكن أن تتحول الشراكة الاقتصادية المتنامية بين القاهرة وبكين إلى فرصة لزيادة أعداد السائحين الصينيين، وجعل مصر مقصدًا أكثر جذبًا لهذا السوق الضخم؟
السياحة الصينية.. سوق تتحرك نحوه مصر
المؤشرات الرسمية تكشف أن السوق الصينية تحظى باهتمام متزايد من جانب وزارة السياحة والآثار، إذ شاركت الوزارة ممثلة في الهيئة المصرية العامة للتنشيط السياحي في معرض ITB China 2026 بمدينة شنغهاي، ضمن جهودها لدفع الحركة الوافدة من الصين.
وخلال المشاركة، جرى عقد لقاءات مع منظمي الرحلات وشركات ومنصات السفر الصينية، بالتزامن مع وجود رحلات طيران مباشرة تربط القاهرة بـ6 مدن صينية كبرى، وهو عامل يمكن أن يسهم في تسهيل وصول السائح الصيني إلى مصر.
كما تنفذ هيئة تنشيط السياحة حملات ترويجية مشتركة وأنشطة إلكترونية للتعريف بالمنتج السياحي المصري، مع التركيز على تنوع المقصد المصري وقدرته على تلبية اهتمامات شرائح مختلفة من السائحين الصينيين.
وتبدو هذه التحركات أكثر أهمية في ظل اتساع قاعدة العلاقات الاقتصادية بين البلدين، ووجود آلاف الشركات الصينية في السوق المصرية، إذ أشارت بيانات وزارة السياحة والاثار إلى وصول عدد الشركات الصينية العاملة في مصر إلى نحو 3971 شركة حتى نهاية يونيو 2026.
من "تيدا" إلى الأهرامات.. هل يمكن بناء جسر بين الاستثمار والسياحة؟
وجود هذا العدد الكبير من الشركات الصينية لا يعني بالضرورة زيادة السياحة، لكنه يخلق قاعدة بشرية واقتصادية يمكن لقطاع السياحة البناء عليها.
فالعاملون الصينيون في مصر، ورجال الأعمال والمستثمرون والخبراء، يمثلون شريحة لديها معرفة مباشرة بالمقصد المصري، ويمكن أن تكون زياراتهم السياحية وتجاربهم الشخصية نقطة انطلاق للترويج لمصر داخل السوق الصينية.
هكذا يوضح الخبير السياحي مصطفى جمال، عضو لجنة السياحة والطيران بجمعية رجال الأعمال المصريين، أن العلاقة بين الاقتصاد والسياحة يمكن أن تكون أكثر تكاملًا، مشيرًا إلى أن التوسع في الاستثمارات الصينية يمنح مصر فرصة لبناء جسور جديدة مع السوق السياحية الصينية.
ويشير إلى أن منطقة "تيدا" ترتبط بمسار أوسع للتعاون المصري الصيني، وتمثل أحد أبرز نماذج الشراكة الاقتصادية بين البلدين، كما أن موقعها بالقرب من قناة السويس يمنحها أهمية لوجستية واستثمارية كبيرة.
ويرى أن هذا التعاون يمكن أن يمتد إلى القطاع السياحي، من خلال زيادة التنسيق بين الجهات السياحية وشركات الطيران ومنظمي الرحلات والمنصات الرقمية الصينية، بما يسهم في الوصول إلى شرائح أكبر من المسافرين الصينيين، خاصة مع وجود رحلات جوية مباشرة بين القاهرة وعدد من المدن الصينية.
ولا تقتصر الفرصة على زيادة أعداد الوافدين فقط، وإنما تمتد إلى حجم السوق المستهدف مستقبلًا.
ويقول هيثم عرفة، عضو مجلس إدارة غرفة شركات ووكالات السفر والسياحة ورئيس لجنة التدريب، إن نحو 360 ألف سائح صيني زاروا مصر خلال عام 2025، مشيرًا إلى أن مصر تستهدف الوصول إلى مليون سائح صيني سنويًا خلال السنوات المقبلة، مع طموحات بعيدة المدى للوصول إلى 3 ملايين سائح سنويًا.
السائح الصيني.. ماذا يريد؟
لكن الوصول إلى هذه الأرقام لا يرتبط بالترويج فقط، وإنما بمدى قدرة المقصد المصري على تقديم تجربة تتناسب مع احتياجات السائح الصيني.
ويقول أسامة سعيد، مرشد سياحي يجيد اللغة الصينية، إن السائح الصيني لا يبحث فقط عن زيارة الأهرامات والمناطق الأثرية، رغم أنها تمثل عنصر جذب رئيسيًا بالنسبة إليه، وإنما يهتم أيضًا بأن تكون التجربة السياحية متكاملة، بداية من سهولة الوصول إلى المقصد، مرورًا بوسائل الانتقال والإقامة والمرشد السياحي، وصولًا إلى الخدمات المقدمة داخل المواقع السياحية والفندقية.
ويوضح أن اللغة تمثل عنصرًا مهمًا في نجاح التجربة السياحية، خاصة أن وجود مرشدين يجيدون اللغة الصينية يمكن أن يساعد السائح على فهم التاريخ والحضارة المصرية بصورة أكثر قربًا من ثقافته، وهو ما قد يترك انطباعًا أكثر إيجابية عن الزيارة.
ويشير إلى أن منطقة العين السخنة تمثل نموذجًا يمكن البناء عليه، في ظل وجود استثمارات وصناعات صينية بها، بالتزامن مع قربها من أحد أبرز المقاصد الساحلية في مصر، بما يتيح إمكانية الربط بين رحلات الأعمال والاستثمار والبرامج السياحية.
اترك تعليق