ياسر عمار: السائح لم يعد يبحث عن صورة جميلة.. بل عن تجربة حقيقية ومعلومة موثوقة
لم تعد رحلة السفر تبدأ من المطار، كما لم يعد قرار اختيار الوجهة السياحية يُتخذ بالاعتماد على الإعلانات التقليدية وحدها. فقبل أن يحجز المسافر تذكرته أو يختار الفندق، أصبح الهاتف المحمول نافذته الأولى على العالم؛ يشاهد من خلاله الوجهات، ويتعرف على تفاصيلها، ويقارن بين التجارب، ويبحث عن إجابات لأسئلة ربما لا يجدها في الكتيبات السياحية التقليدية.
ومع الانتشار الواسع لمنصات التواصل الاجتماعي، تحولت صناعة المحتوى السياحي إلى عنصر مؤثر في قرار المسافر، خاصة لدى الجمهور العربي الذي يبحث عن محتوى باللغة العربية يقدم له صورة عملية وواقعية عن الوجهة التي يفكر في زيارتها.
وتبرز جورجيا باعتبارها إحدى الوجهات التي شهدت اهتمامًا متزايدًا من المسافرين العرب خلال السنوات الأخيرة، في ظل تنوعها بين المدن التاريخية والطبيعة والجبال والمنتجعات، وهو ما فتح المجال أمام صناع المحتوى والعاملين في القطاع السياحي لتقديم تجربة مختلفة تعتمد على المعلومة المباشرة والمشاهدة الواقعية.
ومن بين التجارب التي تجمع بين العمل السياحي وصناعة المحتوى الرقمي تجربة ياسر عمار، الذي ارتبط نشاطه بالسياحة في جورجيا، وركز جزءًا من حضوره الرقمي على تقديم معلومات وتجارب تساعد المسافر العربي على التعرف على الوجهة قبل اتخاذ قرار السفر.
السائح العربي يريد أن يرى الوجهة قبل أن يزورها
يرى ياسر عمار أن التغيير الأكبر في سلوك السائح خلال السنوات الأخيرة يتمثل في أنه لم يعد يكتفي بالمعلومات العامة عن الوجهة.
ويقول:
«السائح اليوم يريد أن يعرف التفاصيل قبل أن يصل. يريد أن يرى المكان، ويعرف طبيعة الطريق، وما يمكن أن يفعله هناك، وما يناسب ميزانيته ومدة رحلته. لذلك أصبح المحتوى الرقمي جزءًا من تجربة السفر نفسها، وليس مجرد وسيلة للإعلان عن الرحلة».
ويضيف أن التجربة الميدانية تمنح صانع المحتوى مسؤولية مختلفة، لأن المشاهد لا يبحث فقط عن صور جذابة، وإنما يريد معلومات يمكن أن يبني عليها قرارًا حقيقيًا.
ويؤكد أن الفرق بين المحتوى السياحي التقليدي والمحتوى الرقمي الحديث يتمثل في قدرة الأخير على نقل التجربة إلى المشاهد قبل أن يعيشها بنفسه.
جورجيا.. وجهة متعددة التجارب
ولا تقتصر جاذبية جورجيا بالنسبة للمسافر العربي على العاصمة تبليسي، إذ تتميز البلاد بتنوع جغرافي وسياحي يتيح للزائر الانتقال بين أجواء المدن والطبيعة والجبال والمنتجعات خلال الرحلة نفسها.
ويرى ياسر عمار أن هذا التنوع يمثل فرصة مهمة للسائح، لكنه في الوقت ذاته يجعل التخطيط للرحلة أكثر أهمية.
ويقول:
«جورجيا ليست مكانًا واحدًا أو تجربة واحدة. هناك من يأتي بحثًا عن الطبيعة والجبال، وهناك من يريد اكتشاف تبليسي، وهناك من يفضل الرحلات العائلية أو الأنشطة والمغامرات. لذلك لا توجد خطة واحدة تصلح لكل مسافر».
ويشير إلى أن أحد الأدوار المهمة للمحتوى السياحي هو مساعدة المسافر على فهم هذا التنوع واختيار التجربة التي تتناسب مع اهتماماته ومدة إقامته.
من الترويج إلى بناء الثقة
ويؤكد ياسر عمار أن التحدي الحقيقي أمام صانع المحتوى السياحي لا يتمثل في الوصول إلى المشاهد فقط، وإنما في الاحتفاظ بثقته.
ويقول:
«المشاهد يستطيع أن يميز مع الوقت بين المحتوى الذي يقدم تجربة حقيقية والمحتوى الذي هدفه الوحيد الترويج. بالنسبة لي، المصداقية هي الأساس؛ لأنني لا أقدم فيديو لمجرد الحصول على مشاهدة، وإنما أريد أن يحصل الشخص الذي يشاهد المحتوى على معلومة يستفيد منها عندما يقرر السفر».
ويضيف أن العلاقة بين السائح وصانع المحتوى لا تنتهي بانتهاء الفيديو، بل تستمر من خلال الأسئلة والتعليقات والتجارب التي يشاركها الجمهور بعد السفر.
ومن هنا، يرى أن صناعة المحتوى السياحي أصبحت مسؤولية تتطلب معرفة بالوجهة، وفهمًا لطبيعة الجمهور، وقدرة على نقل المعلومة بطريقة مبسطة دون مبالغة.
«تيك توك».. منصة غيرت قواعد اللعبة
ومع صعود الفيديو القصير، أصبحت منصات مثل «تيك توك» و«إنستجرام» أدوات مؤثرة في اكتشاف الوجهات السياحية.
ويعتقد ياسر عمار أن الفيديو القصير نجح في الوصول إلى الجمهور لأنه يختصر الكثير من المعلومات في تجربة بصرية سريعة، ويمنح المستخدم فرصة رؤية المكان بدلًا من الاكتفاء بوصفه.
ويقول:
«قبل سنوات كان المسافر يعتمد بشكل أكبر على البحث التقليدي أو سؤال الأصدقاء. اليوم يستطيع أن يرى عشرات التجارب خلال دقائق، ويقارن بينها، ثم يبدأ في بناء تصور خاص به عن الرحلة. هذه نقلة كبيرة في طريقة اتخاذ قرار السفر».
لكنه يرى في الوقت نفسه أن انتشار المحتوى يفرض مسؤولية أكبر على صناع المحتوى، لأن المعلومة غير الدقيقة قد تؤدي إلى توقعات غير واقعية لدى المسافر.
تجربة السائح أهم من عدد المشاهدات
وبحسب ياسر عمار، فإن نجاح المحتوى السياحي لا ينبغي أن يقاس فقط بعدد المشاهدات أو المتابعين، وإنما بمدى استفادة الجمهور من المعلومات التي يقدمها.
ويقول:
«عدد المشاهدات مهم، لكنه ليس المقياس الوحيد. بالنسبة لي، عندما يخبرني شخص أنه شاهد محتوى معينًا واستفاد منه في التخطيط لرحلته، فهذا نجاح حقيقي. الهدف النهائي هو أن يتحول المحتوى إلى قيمة يستفيد منها الناس».
ويشير إلى أن الجمهور العربي أصبح أكثر وعيًا في اختيار المحتوى الذي يتابعه، وأصبح يبحث عن صانع محتوى لديه تجربة فعلية وليس مجرد حضور على المنصات.
السياحة والمحتوى الرقمي.. علاقة تتجه إلى مزيد من التأثير
ويرى ياسر عمار أن السنوات المقبلة ستشهد مزيدًا من الاندماج بين القطاع السياحي وصناعة المحتوى، خاصة مع تطور أدوات الذكاء الاصطناعي والمنصات الرقمية وارتفاع اعتماد المسافرين على الإنترنت في مراحل التخطيط والحجز.
ويؤكد أن الوجهات السياحية لن تنافس فقط من خلال طبيعتها أو معالمها، وإنما أيضًا من خلال قدرتها على تقديم المعلومات وتجارب الزوار بصورة واضحة وواقعية.
ويقول:
«المنافسة السياحية لم تعد بين الأماكن فقط، وإنما أصبحت أيضًا منافسة على انتباه المسافر وثقته. المكان الجميل يحتاج إلى من يعرّف الناس به بطريقة صحيحة، والمعلومة الجيدة يمكن أن تكون سببًا في أن يضع شخص وجهة معينة على قائمة سفره».
نحو محتوى سياحي أكثر مهنية
وفي ظل هذا التحول، يعتقد ياسر عمار أن صناعة المحتوى السياحي أمام مرحلة جديدة تتطلب قدرًا أكبر من المهنية، سواء في التحقق من المعلومات أو اختيار الموضوعات أو التعامل مع تجارب الجمهور.
ويختتم قائلًا:
«السياحة بالنسبة لي ليست مجرد انتقال شخص من بلد إلى آخر. الرحلة تبدأ منذ اللحظة التي يفكر فيها المسافر في الوجهة، وتستمر حتى عودته إلى منزله. وكلما كانت المعلومات التي يحصل عليها قبل السفر أكثر وضوحًا وواقعية، أصبحت تجربته أفضل».
وبينما تتغير أدوات اكتشاف الوجهات، يبدو أن الهاتف المحمول أصبح جزءًا أساسيًا من الرحلة السياحية الحديثة؛ فمن خلال شاشة صغيرة يمكن للمسافر أن يكتشف مدينة لم يزرها من قبل، ويشاهد جبالًا وقرى وطرقًا لم يسمع عنها، ثم يحول تلك المشاهدة إلى خطة سفر حقيقية.
وهنا تبرز أهمية المحتوى السياحي المتخصص، الذي لا يكتفي بعرض المكان، وإنما يحاول أن يجيب عن السؤال الأهم لدى المسافر: ماذا سأجد عندما أصل؟
اترك تعليق