تمتلك مصر مقومات اقتصادية وجغرافية وصناعية تؤهلها للانتقال بخطى متسارعة من كونها سوقًا استهلاكية كبيرة إلى مركز إقليمي للإنتاج والتصنيع والتصدير، في ظل ما تشهده خريطة التجارة العالمية من إعادة تشكيل لسلاسل الإمداد وتزايد المنافسة على جذب الاستثمارات الصناعية. وبين الموقع الاستراتيجي الذي يربط ثلاث قارات، وشبكة الموانئ والمناطق الصناعية، وقاعدة الإنتاج المتنوعة، والسوق المحلية الواسعة، والاتفاقيات التجارية التي تفتح أبواب الأسواق الأفريقية والعربية والأوروبية، تتسع فرص مصر لتعظيم الاستفادة من إمكاناتها وتحويلها إلى قيمة مضافة حقيقية.
ويرى خبراء واقتصاديون أن الوصول إلى هذه المكانة لا يرتبط فقط بزيادة أعداد المصانع أو حجم الاستثمارات، وإنما بقدرة الدولة على بناء منظومة صناعية متكاملة يقودها القطاع الخاص، وتعتمد على تعميق التصنيع المحلي، ونقل وتوطين التكنولوجيا، وربط التعليم والبحث العلمي باحتياجات الصناعة، وتطوير الخدمات اللوجستية، وخفض تكلفة الإنتاج، وتعزيز القدرة التنافسية للمنتج المصري، بما يجعل «صنع في مصر» بوابة حقيقية للنفاذ إلى أسواق العالم.
قال الأستاذ الدكتور محمد شهاب نائب رئيس جامعة دمياط وأستاذ الاقتصاد بالجامعة أن الدولة تسعى للمزيد من المبادرات الجديدة الداعمة للقطاع الخاص الهادفة الى تحويل الاقتصاد المصري لمركز إقليمي للصناعة والتصدير في القارة الإفريقية ولمختلف دول العالم عبر تسهيل الاجراءات وحل المعوقات وتهيئة المناخ امام جميع المستثمرين والانطلاق بالمنتج المصري إلى أسواق أوسع، عبر الاستمرار في برنامج الاصلاح الاقتصادي وتذليل كل العقبات التي تواجه القطاع الخاص، اضافة الى اقرار المزيد من الحزم والحوافز المبادرات المشجعة على الاستثمار والتوسع لجذب المزيد من رءوس الأموال الأجنبية الجديدة إلى السوق.
ويعتقد البعض أن تفعيل حوافز الاستثمار المدرجة بقانون الاستثمار بصورة أوسع، مع توجيهها للمشروعات القادرة على التصنيع والتصدير ونقل التكنولوجيا، والتعاون حاليًا مع 27 جهة حكومية لتسهيل الإجراءات وتحقيق بيئة تنافسية جاذبة للمستثمرين المحليين والأجانب، وذلك كآلية تهدف لجعل مصر ضمن أفضل 50 دولة عالميًا فى مجال التجارة والاستثمار خلال العامين المقبلين، وهو ما يتطلب استمرار العمل الجاد والتنسيق بين جميع مؤسسات الدولة.
إن الدولة المصرية تشهد، خلال السنوات الأخيرة، تحولات واسعة في خريطة الاستثمار، مدفوعة بخطة متكاملة تستهدف تطوير البنية التحتية، وإنشاء مدن ومناطق صناعية واقتصادية جديدة، وتوفير بيئة أكثر جذبًا لرؤوس الأموال المحلية والأجنبية، بما يعزز مكانة مصر كمركز إقليمي للإنتاج والتجارة والخدمات في المنطقة، ويأتي تطوير البنية التحتية على رأس العوامل التي أسهمت في تعزيز تنافسية الاقتصاد المصري، حيث شهدت السنوات الماضية تنفيذ مشروعات ضخمة في قطاعات النقل والطرق والموانئ والطاقة والاتصالات، وهو ما انعكس على تحسين حركة التجارة وتقليل تكلفة نقل البضائع ودعم قدرة المستثمرين على إقامة مشروعات جديدة.
ويلعب تحقيق الربط الفعّال بين الجامعات المراكز البحثية من جهة، والقطاع الصناعي من جهة أخرى، الحلقة المفقودة لرفع التنافسية التكنولوجية وتحويل المخرجات الأكاديمية إلى منتجات ذات قيمة اقتصادية مضافة. ولتطبيق هذا الربط عملياً في مصر، يمكن الاعتماد على خريطة طريق ترتكز على عدة محاور أساسية مستدامة تجمع بين الجوانب الأكاديمية، الصناعة، الحكومة، والمجتمع المحلي. وتعزيز دور الحكومة كمنظم وميسّر لإبرام شراكات استراتيجية تخدم الاحتياجات التنموية والمحلية بكل محافظة أو إقليم صناعي، والتوسع في انشاء وتطوير المكاتب اللوجستية ونقل التكنولوجيا (TTOs)
وخاصة داخل الجامعات لتكون بمثابة "الوسيط التجاري والأكاديمي" الذي يُسوق للأبحاث القابلة للتطبيق ويحمي الملكية الفكرية. مع التوسع في إنشاء حاضنات أعمال مشتركة داخل المناطق الصناعية وتسهيل تأسيس الشركات الناشئة (Spin-offs): السماح للجامعات والباحثين بتأسيس شركات قائمة على مخرجات أبحاثهم بالترخيص والتسهيلات اللازمة وتقديم حوافز وخصومات أو إعفاءات ضريبية للشركات التي تستثمر في مراكز البحث والتطوير (R&D) بالجامعات المصرية
وعلى جانب آخر تمثل اتفاقية التجارة الحرة القارية الأفريقية (AfCFTA) نقطة تحول استراتيجية لمصر؛ كونها تجمع سوقاً يضم نحو 1.4 مليار مستهلك بناتج محلي إجمالي متكامل يُقدر بـ 3.4 تريليون دولار. وبحسب تقارير المؤسسات المالية والدولية، تُصنف مصر بين القوى الاقتصادية الأبرز المؤهلة لحصد مكاسب الصناعة والتجارة في إطار هذه الاتفاقية بفضل قاعدتها الصناعية المتنوعة وموقعها الجغرافي. ولكي تتحول مصر إلى بوابة ورابط لوجستي وصناعي للقارة، يمكن الاعتماد على خريطة طريق متكاملة ترتكز على محاور استغلال قواعد المنشأ لتأسيس "سلاسل قيمة إقليمية" مع العمل على استيراد المواد الخام الأفريقية (مثل المعادن والنحاس والأخشاب والمحاصيل) بأسعار تفضيلية، وتصنيعها أو معالجتها في المجمعات الصناعية المصرية لزيادة القيمة المضافة وإعادة تصديرها منتجاً نهائياً "صنع في أفريقيا" مع الاستفادة من الإعفاء الجمركي. ويجب التركيز على القطاعات المصرية التي تتمتع بميزة تنافسية عالية وطلب مرتفع في أفريقيا (مثل مواد البناء والحديد والأسمنت، الصناعات الغذائية والمصنعة، المنتجات الكيماوية، والأدوية والمنتجات الهندسية). وعلى الدولة المصرية أن تسرع خطط إنشاء وتشغيل ممر "القاهرة - كيب تاون" وممرات التجارة البرية مع السودان وليبيا، مما يقلل فترة نقل البضائع للداخل الأفريقي من أسابيع إلى أيام قليلة، وتدشين خطوط ملاحية سريعة ومباشرة بين الموانئ المصرية (مثل العين السخنة، شرق بورسعيد، ودمياط) والموانئ الرئيسية في شرق وغرب أفريقيا، مع توفير مراكز تجميع وتبريد خضروات وفواكه بالموانئ لتسهيل تجارة الغذاء، وإنشاء مراكز لوجستية وموانئ جافة في المناطق الحدودية (مثل أرقين وقسطل) لتكون محطات للفرز، والتغليف، والتجميع الجمركي قبل النقل للعمق الأفريقي. والعمل على تخصيص مساحات داخل المنطقة الاقتصادية لقناة السويس (SCZONE) لإنشاء مجمعات متخصصة في صناعات مطلوبة قاريًا للشركات الأجنبية الراغبة في النفاذ للأسواق الأفريقية بدون رسوم جمركية عبر مصر، مع تعزيز الشراكة مع البنك الأفريقي للتصدير والاستيراد (Afreximbank) والبنك الأفريقي للتنمية (AfDB) لتوفير آليات تمويل المبيعات وضمان مخاطر الصادرات للشركات المصرية.
يري الاستاذ الدكتور رشدي فتحي رئيس قسم الاقتصاد جامعة دمياط أن الصناعة هي العمود الفقري للاقتصاد وتعد الصناعة دعامة أساسية من دعائم التطور الاقتصادي للدول، وتتميّزُ الصّناعة بدورها الإيجابيّ والمُؤثّر في البيئة الاقتصاديّة، حيث تُساهم فى دفع عملية التنمية فى جميع الدول، كما تساهم فى تطوّر المستوى المعيشيّ للأفراد، ويدل تطورها على التقدم، وفى الاقتصاد تعني الصناعة ذلك النشاط البشري الذي يترتب عليه تغيير شكل المواد الخام، أو طبيعتها بمختلف أنواعها، أو بتغييرها جزئياً، لتصبح مواد خام لبعض الصناعات الأخرى.
و تُعد الصناعات التحويلية حجر الزاوية في دعم وتحقيق التنمية الاقتصادية، حيث يتوقف نجاح هذه العملية على قدرة الدول على تطوير هذا القطاع بشكل فعال. فزيادة النشاط التصنيعي أحد العوامل الرئيسية في تعزيز النمو الاقتصادي، وتحقيق التحول الهيكلي في الاقتصاد ومن ثم تشكل الصناعات التحويلية محر ًكا أساسيًا لتحقيق النمو الاقتصادي، حيث أن الدول التي حققت تقدًما الدول. في تقليص مستويات الفقر والجوع، مثل الدول الأوروبية والولايات المتحدة، كانت قد توجهت بنشاط نحو التصنيع. تاريخيًا.
ومصر لديها فرصة واعدة للتحول الي مركز إقليمي للتصنيع بما تتمتع به من عوامل الاستقرار السياسي والأمني في المتغيرات الجيوسياسية التي تعاني منها منطقة الشرق الأوسط ،و تطلب تحول مصر إلى مركز إقليمي للصناعة تعزيز الصناعات المتقدمة مثل السيارات الكهربائية ومكونات الطاقة المتجددة، وتطوير البنية التحتية واللوجستيات عبر المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، وتقديم حوافز لجذب الاستثمارات الأجنبية، وتعميق المكون المحلي.
وينم تطوير البنية التحتية والخدمات اللوجستية من خلال تحديث الموانئ البحرية والبرية والتوسع في إنشاء المناطق الصناعية المتخصصة والذكية وجذب مشغلي الخطوط الملاحية العالمية لتعزيز حركة الترانزيت والتصدير، كما تقوم الدولة المصرية بتوطين الصناعات الاستراتيجية والمغذية من خلال التركيز على صناعات ذات قيمة مضافة عالية مثل السيارات ومكوناتها والصناعات الخضراء، وبناء قاعدة قوية من الموردين المحليين والمصانع المغذية و تقليل فاتورة الاستيراد عبر تصنيع مدخلات الإنتاج محليا وكذلك تحسين بيئة الأعمال والاستثمار ب فعيل الحوافز الضريبية والجمركية للمستثمرين و تسهيل إجراءات تراخيص القنوات الصناعية وقطع الأراضي. و ربط التعليم الفني والجامعي باحتياجات سوق العمل الصناعي وزيادة المكون المحلي في التصنيع ونقل التكنولوجيا وخلقها وتطويرها محليا.
أوضح الدكتور طاهر عبد الكريم الخبير الاقتصادي أن مصر تمتلك مجموعة من المقومات التي تجعلها مرشحة بقوة للتحول إلى مركز إقليمي للصناعة والتصدير، ليس فقط لخدمة السوق المحلية، ولكن أيضًا للوصول إلى أسواق أوروبا وأفريقيا والشرق الأوسط.
أولى هذه المزايا هي الموقع الجغرافي. فمصر تقع عند نقطة اتصال طبيعية بين ثلاث قارات، وتطل على البحر المتوسط والبحر الأحمر، بينما تربط قناة السويس بين أهم ممرات التجارة العالمية. وهذا يمنح المصانع العاملة في مصر ميزة مهمة في الوصول إلى الأسواق الخارجية وتقليل المسافات والتكاليف اللوجستية.
وتأتي قوة السوق المحلي كعامل إضافي. فوجود قاعدة استهلاكية كبيرة يوفر للمصنع سوقًا محلية يمكنه الانطلاق منها قبل التوسع في التصدير، وهو ما يقلل مخاطر الاستثمار ويجعل مصر أكثر جاذبية للشركات التي تبحث عن قاعدة إنتاج تخدم أكثر من سوق في الوقت نفسه.
أما البنية التحتية، فقد أصبحت الموانئ عنصرًا أساسيًا في هذه المعادلة. فعلى سبيل المثال، يمتلك ميناء العين السخنة محطات حاويات بطاقة محتملة تصل إلى 2.9 مليون حاوية مكافئة سنويًا، بينما يتمتع ميناء شرق بورسعيد بأعماق تصل إلى 18.5 مترًا، إضافة إلى مناطق لوجستية يمكن أن تستضيف أنشطة ذات قيمة مضافة. (المنطقة الاقتصادية لقناة السويس)
والأهم أن مصر لا تعتمد على موقعها فقط، بل تمتلك بالفعل قاعدة تصديرية تنمو. فقد ارتفعت الصادرات المصرية غير البترولية إلى 44.4 مليار دولار خلال يناير–نوفمبر 2025، بزيادة 18.4% عن الفترة نفسها من 2024. وسجلت صادرات مواد البناء 13.7 مليار دولار، والصناعات الكيماوية والأسمدة 8.6 مليار دولار، والصناعات الغذائية 6.4 مليار دولار، والسلع الهندسية والإلكترونية 5.9 مليار دولار. (الهيئة العامة للتأمينات الاجتماعية)
كما تمتلك مصر شبكة واسعة من الاتفاقيات التجارية تفتح أمام المنتجات المصرية أسواقًا في أفريقيا وأوروبا والدول العربية وأمريكا الجنوبية، ومنها الكوميسا ومنطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية واتفاقية الشراكة مع الاتحاد الأوروبي.
لذلك، فإن الفرصة الحقيقية أمام مصر ليست فقط في جذب المصانع، وإنما في تحويل مصر إلى قاعدة إنتاج وتصدير: منتج يُصنع محليًا، يستفيد من السوق المصرية، ثم ينطلق عبر الموانئ والاتفاقيات التجارية إلى مئات الملايين من المستهلكين في الأسواق المحيطة. وهذه المعادلة، إذا استمرت في التطور، يمكن أن تجعل الصناعة أحد أهم محركات النمو والصادرات خلال السنوات المقبلة.
تابع الدكتور أحمد سمير الخبير الاقتصادي أنه لم يعد تحول مصر إلى مركز إقليمي للصناعة مجرد هدف طموح، بل أصبح خيارًا اقتصاديًا استراتيجيًا تفرضه إعادة تشكيل سلاسل الإمداد العالمية، وتزايد المنافسة على جذب الاستثمارات الصناعية. ومصر تمتلك مقومات نادرة: موقع جغرافي يربط ثلاث قارات، قناة السويس، موانئ ومناطق صناعية، سوق محلية ضخمة، قاعدة إنتاجية متنوعة، وقرب من الأسواق العربية والأفريقية والأوروبية.
لكن المشكلة ليست في نقص المقومات، وإنما في تحويل هذه المقومات إلى ميزة تنافسية قابلة للقياس.
المعادلة التي تحتاجها مصر بسيطة في صياغتها وعميقة في نتائجها: إنتاج أكثر قيمة، بتكلفة أقل، بجودة أعلى، موجه أساسًا إلى التصدير.
وهنا يجب أن تتغير فلسفة الصناعة المصرية من مجرد إحلال الواردات إلى التصنيع من أجل التصدير. فالإحلال يوفر العملة الأجنبية، لكن التصدير يولدها، ويمنح الصناعة القدرة على الاستمرار والمنافسة.
القوة الحقيقية لمصر ليست في انخفاض تكلفة عنصر واحد، وإنما في اجتماع الموقع والسوق والبنية التحتية والنفاذ التجاري. والتحدي هو تحويل الموقع من ميزة لوجستية إلى ميزة صناعية؛ أي ألا تمر البضائع عبر قناة السويس والموانئ المصرية فقط، بل تُصنع وتُجمع وتُعبأ وتُطور داخل مصر ثم تُصدر إلى الأسواق الإقليمية.
ومن هنا تأتي أهمية استهداف الصناعات التي تستطيع مصر بناء قيمة مضافة حقيقية فيها، مثل الصناعات الغذائية والدوائية والهندسية والكهربائية والإلكترونية والسيارات ومكوناتها والكيماويات والبتروكيماويات والمنسوجات ومكونات الطاقة المتجددة.
لكن المعيار ليس عدد المصانع، وإنما موقع مصر داخل سلسلة القيمة. فالتقدم الحقيقي ليس في تجميع السيارة، بل في تصنيع مكوناتها؛ وليس في تعبئة الدواء فقط، بل في إنتاج المواد الفعالة والتكنولوجيا الدوائية؛ وليس في تصدير الملابس، بل في امتلاك سلسلة تمتد من الخامات إلى التصميم والعلامة التجارية.
وهنا تكمن إحدى أهم القضايا الاقتصادية: كلما ارتفعت القيمة المضافة المحلية، ارتفع أثر الصناعة على النمو والتشغيل والعملة الأجنبية.
ولذلك فإن جذب الاستثمار الأجنبي يجب ألا يقاس بحجم الأموال الداخلة فقط، وإنما بما يتركه الاستثمار داخل الاقتصاد من تكنولوجيا، وموردين محليين، وفرص تصدير، ومهارات، وقيمة مضافة.
أما العقبة الأكبر فهي تكلفة الإنتاج. فالمصنع لن يصبح منافسًا إذا كانت تكلفة الطاقة أو التمويل أو النقل أو الجمارك أو مستلزمات الإنتاج أو الإجراءات الحكومية تلتهم هامش التنافسية.
ولهذا فإن الإصلاح الصناعي الحقيقي لا يبدأ من بوابة المصنع فقط، بل من بيئة الأعمال المحيطة به. المستثمر الصناعي يحتاج إلى تشريعات مستقرة، وإجراءات سريعة، وتمويل طويل الأجل، وطاقة تنافسية، وأراضٍ صناعية مجهزة، ونظام جمركي واضح، وسرعة في الإفراج عن مستلزمات الإنتاج.
والأهم أن تتحول المشروعات الصغيرة والمتوسطة من قطاع منفصل إلى شبكة موردين للصناعة الكبرى. فالمصنع العالمي لا يأتي وحده؛ وإنما يجلب معه منظومة من الموردين والخدمات والهندسة والنقل والتكنولوجيا. وإذا نجحت مصر في توطين هذه الشبكات، فإن الاستثمار الواحد يمكن أن يولد أثرًا اقتصاديًا مضاعفًا.
كما أن أفريقيا تمثل فرصة استراتيجية. فبدل أن تكون مصر سوقًا نهائية للمنتجات العالمية، يمكن أن تصبح قاعدة إنتاج تخدم الأسواق الأفريقية والعربية والأوروبية. وهذا يتطلب ربط المناطق الصناعية بالموانئ والمراكز اللوجستية، وتطوير تمويل وتأمين الصادرات، وتعظيم الاستفادة من الاتفاقيات التجارية.
لكن كل ذلك لن يكتمل دون رفع إنتاجية العامل المصري. فالميزة المستقبلية لن تكون في وفرة العمالة، وإنما في مهارتها وقدرتها على استخدام التكنولوجيا. الذكاء الاصطناعي والأتمتة والروبوتات وتحليل البيانات لم تعد رفاهية، بل أدوات لخفض التكلفة ورفع الجودة وزيادة القيمة المضافة.
ومن زاوية أخرى، يمكن أن تتحول الطاقة المتجددة إلى ميزة صناعية، خصوصًا مع اتجاه الأسواق العالمية نحو المنتجات منخفضة الانبعاثات. فمصر التي تستطيع توفير طاقة نظيفة وتنافسية تستطيع جذب صناعات تبحث عن مواقع إنتاج تتوافق مع المعايير البيئية العالمية.
الخلاصة أن مصر لا تحتاج إلى المزيد من المصانع فقط؛ وإنما تحتاج إلى صناعة أكثر ذكاءً.
صناعة تربط المصنع بالميناء، والجامعة بالمصنع، والبنك بالمشروع، والمورد المحلي بالمصنع الكبير، والطاقة بالإنتاج، والإنتاج بالتصدير.
والهدف النهائي يجب أن يكون الانتقال من “صنع في مصر” إلى “صنع في مصر للتصدير إلى العالم”.
إذا نجحت مصر في خفض تكلفة الإنتاج، ورفع الإنتاجية، وزيادة القيمة المضافة، وتوطين التكنولوجيا، وبناء سلاسل توريد محلية، وربط الصناعة بالأسواق الخارجية، فإن موقعها الجغرافي لن يكون مجرد ميزة على الخريطة، بل سيتحول إلى قوة اقتصادية منتجة.
وهنا تحديدًا يصبح التحول إلى مركز إقليمي للصناعة ممكنًا: ليس بكثرة ما ننتج، وإنما بارتفاع قيمة ما ننتج، وقدرتنا على المنافسة والتصدير.
فالمؤشر الحقيقي لنجاح الصناعة المصرية لن يكون عدد المصانع الجديدة، بل كم دولارًا من القيمة المضافة والصادرات وفرص العمل والتكنولوجيا يستطيع كل مصنع أن يضيفها للاقتصاد المصري.
اضاف الدكتور هانى عبيد أستاذ التخطيط الاستراتيجي الصناعي وعضو اتحاد الصناعات أن تمتلك مصر اليوم فرصة حقيقية للتحول من سوق استهلاكية كبيرة إلى مركز إقليمي للصناعة والتصدير وسلاسل الإمداد، مستفيدة من موقع جغرافي فريد، وقاعدة صناعية متنوعة، وسوق محلية واسعة، وشبكة من الموانئ والمناطق الصناعية، فضلًا عن اتفاقيات تجارية تتيح للمنتج المصري النفاذ إلى أسواق عربية وأفريقية وأوروبية واسعة. غير أن نجاح هذه الفرصة لن يتحقق بمجرد زيادة عدد المصانع، وإنما يتطلب بناء منظومة صناعية متكاملة يكون القطاع الخاص فيها المحرك الرئيسي للإنتاج والاستثمار والتصدير، بينما تركز الدولة على توفير البيئة التنظيمية واللوجستية والتمويلية الداعمة.
وقد شهدت الصناعة المصرية خلال الفترة الأخيرة مؤشرات تحسن لافتة، انعكست في ارتفاع معدلات نمو الصناعات التحويلية غير البترولية وفي التطور الملحوظ للصادرات. فقد اقتربت الصادرات المصرية غير البترولية خلال عام 2025 من 48.6 مليار دولار، بنمو بلغ نحو 17% مقارنة بالعام السابق، بالتوازي مع تراجع نسبي في العجز التجاري. كما برزت قطاعات مواد البناء، والصناعات الكيماوية والأسمدة، والصناعات الغذائية، والسلع الهندسية والإلكترونية، والملابس الجاهزة باعتبارها من أهم روافد النمو التصديري. والأهم من قيمة الصادرات ذاتها أن النمو أصبح موزعًا على عدد من القطاعات، وهو ما يمنح الاقتصاد قاعدة أكثر تنوعًا وقدرة على الاستمرار.
وفي تقديري، فإن صعود القطاع الخاص يمثل أهم عناصر التحول الصناعي المنتظر. فالصناعة بطبيعتها تحتاج إلى قرارات استثمارية سريعة، وابتكار مستمر، وقدرة على قراءة الأسواق الخارجية، وهي مجالات يستطيع القطاع الخاص التحرك فيها بمرونة أكبر. ومن ثم فإن دور الدولة في المرحلة المقبلة يجب ألا يتركز على منافسة المستثمر الصناعي، وإنما على تمكينه: بتوفير الأراضي المرفقة، والطاقة، والتمويل، وتبسيط التراخيص، وضمان استقرار السياسات، وتحقيق المنافسة العادلة، وتحسين كفاءة الموانئ والجمارك.
لكن التحدي الأكبر أمام مصر لا يتمثل فقط في زيادة الصادرات وتقليل الواردات، وإنما في زيادة القيمة المضافة المحلية. فليس من المنطقي أن يتم تجميع منتج نهائي في مصر بينما تظل غالبية مكوناته مستوردة. القوة الصناعية الحقيقية تبدأ عندما تتمكن الدولة من إنتاج نسبة متزايدة من المكونات والخامات الوسيطة والصناعات المغذية محليًا. ولهذا فإن سياسة إحلال الواردات يجب ألا تقوم على تقييد الاستيراد بصورة عشوائية، بل على دراسة دقيقة للسلع التي تستوردها مصر وتحديد ما يمكن تصنيعه محليًا بكفاءة وتنافسية، وتحويله إلى فرص استثمار واضحة أمام القطاع الخاص.
ومن هنا تصبح سلاسل القيمة هي جوهر الاستراتيجية الصناعية. ففي صناعة السيارات مثلًا، القيمة الحقيقية ليست في تجميع السيارة فقط، وإنما في تصنيع الإطارات والبطاريات والضفائر الكهربائية والزجاج والمقاعد والمكونات البلاستيكية والإلكترونية. والأمر ذاته ينطبق على الأجهزة المنزلية والأدوية والصناعات الغذائية والمنسوجات. وكلما ارتفعت نسبة المكون المحلي زادت فرص العمل، وانخفض الطلب على النقد الأجنبي، وارتفعت القدرة على التصدير.
وتمتلك مصر عددًا من القطاعات القادرة على قيادة هذا التحول، وفي مقدمتها الصناعات الهندسية والإلكترونية، والسيارات ومكوناتها، والصناعات الغذائية، والدوائية، والكيماوية، والمنسوجات والملابس، ومواد البناء، والطاقة الجديدة والصناعات الخضراء. والمطلوب هنا ليس توزيع الاستثمارات على عشرات المجالات بصورة متساوية، بل اختيار صناعات ذات أولوية وبناء تجمعات صناعية متخصصة حولها تضم المصنع الكبير وشبكة من الموردين المحليين والمشروعات الصغيرة والمتوسطة.
كما تمثل المنطقة الاقتصادية لقناة السويس أحد أهم الأصول التي يمكن لمصر البناء عليها. فالميزة الكبرى ليست فقط مرور جزء مهم من التجارة العالمية عبر قناة السويس، وإنما قدرة مصر على تحويل المنطقة المحيطة بها إلى منصة إنتاج وتصدير عالمية. والمستثمر الصناعي يبحث عن مصنع قريب من الميناء، وطرق سريعة، وخدمات لوجستية، وطاقة، وموردين، وإجراءات جمركية سريعة. وإذا نجحت مصر في دمج هذه العناصر، يمكن أن تتحول قناة السويس من مجرد ممر للتجارة إلى محور لإنتاج جزء من التجارة العالمية نفسها.
ولا يمكن تحقيق هذه الرؤية دون تطوير العنصر البشري. فالمنافسة الصناعية الحديثة لم تعد قائمة على انخفاض تكلفة العمالة وحدها، وإنما على الإنتاجية والتكنولوجيا والمهارات. ولهذا يجب ربط التعليم الفني والجامعات بصورة مباشرة باحتياجات المصانع، مع التوسع في التدريب العملي والأتمتة والذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي داخل خطوط الإنتاج.
وتظل الصادرات هي الاختبار الحقيقي لقوة الصناعة. فالمصنع القادر على المنافسة في الخارج هو مصنع يستطيع تقديم جودة مستقرة وسعر مناسب وتسليم في الموعد والالتزام بالمواصفات العالمية. والوصول إلى مستهدفات تقترب من 100 مليار دولار من الصادرات غير البترولية خلال السنوات المقبلة لن يتحقق بمجرد زيادة الكميات المصدرة من المنتجات الحالية، وإنما يحتاج إلى إدخال منتجات جديدة، وتعميق التصنيع المحلي، ورفع القيمة المضافة، وجذب شركات عالمية تستخدم مصر قاعدة للتصنيع والتصدير.
إن مصر تمتلك المقومات، لكن امتلاك المقومات لا يساوي امتلاك المركز الصناعي. الفارق تصنعه كفاءة التنفيذ واستقرار السياسات وسرعة اتخاذ القرار. فإذا نجحت الدولة في بناء شراكة حقيقية مع القطاع الخاص، وتحويل الواردات القابلة للتوطين إلى فرص تصنيع، وربط المصانع بالموانئ والأسواق والتكنولوجيا والتعليم، فإن الصناعة يمكن أن تتحول إلى المحرك الأكثر قدرة على توفير النقد الأجنبي، وخلق فرص العمل، وتحسين الميزان التجاري.
والهدف الاستراتيجي النهائي يجب ألا يكون أن تصبح مصر دولة تضم عددًا كبيرًا من المصانع، بل أن تصبح منصة صناعية إقليمية تختارها الشركات المصرية والعالمية لإنتاج السلع والمكونات وتصديرها إلى أفريقيا والعالم العربي وأوروبا. عندها فقط تنتقل مصر من معادلة الاستيراد والاستهلاك إلى معادلة أكثر استدامة: نصنع، نعمق المكون المحلي، نبتكر، ثم نصدر.
اترك تعليق