أعدّ الله سبحانه وتعالى نبيّه صلى الله عليه وسلم إعدادًا خاصًّا يُتيح له تلقّي الوحي مِنْ جبريل عليه السّلام، ورؤيته والسّماع منه، وما يتّبعه مِنْ رؤية وسماع ما سواه مِنَ الأمور الغيبية التي أطلعه الله عليها، كالملائكة والجنّ والشّياطين، ورؤيته لمشاهد مِنَ الجنة والنار.. ومِن خصوصياته صلى الله عليه وسلم التي اختصه الله عز وجل وفضله بها في الدنيا أنه كان يسمَع ما لا يسمعه غيره، ويبصر ما لا يبصره سواه مِن أمورٍ غائبة، والأحاديث النبوية الصحيحة الدالة على ذلك كثيرة، ومنها عن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال: (بينما النّبي صلى الله عليه وسلم في حائط لبني النّجّار على بغلة له ونحن معه إذ حادت به فكادت تلقيه، وإذا أقْبر (جمع قبر) ستّة أو خمسة أو أربعة، فقال: مَنْ يعرف أصحاب هذه الأقبر؟ فقال رجل: أنا، قال: فمتى مات هؤلاء؟ قال: ماتوا في الإشراك، فقال صلى الله عليه وسلم: إنّ هذه الأمّة تبتلى في قبورها (تُمتَحَنُ وتُختبَرُ في القبرِ، ثُمَّ تُنعَّمُ أو تُعذَّب)، فلولا ألا تدافنوا (فلوْلا أنِّي أخْشى ألَّا تَدفنُوا مَوتاكم) لدعوتُ الله أن يسمعكم من عذاب القبر الّذي أسمع).. وفي الحديث ثُبوت عذابِ القبر، وأن النبي صلى الله عليه وسلم يسمع ما لا يسمعه الناس.
قال الشيخ الألباني: "النبي صلى الله عليه وسلم يسمع ما لا يسمع الناس، وهذا مِنْ خصوصياته عليه الصلاة والسلام، كما أنه كان يرى جبريل ويكلمه، والناس لا يرونه ولا يسمعون كلامه، فقد ثبت في البخاري وغيره أنه صلى الله عليه وسلم قال يوماً لعائشة رضي الله عنها: (هذا جبريل يقرأ عليك السلام، فقالت: وعليه السلام يا رسول الله، ترى ما لا نرى).
وعن أبي ذر الغِفاري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إنّي أرَى ما لا ترون، وأسمع ما لا تسمعون، أطّت السّماء (أصدَرَت صوتًا وصوَّتَت) وحُقّ لها أن تئط (لها الحقُّ في أَطيطِها ويَنبَغي عليها أن تَئِطَّ)، ما فيها موضع أربع أصابع إلاّ ومَلَكٌ واضع جبهته ساجدًا لله، والله لو تعلمون ما أعْلَمُ لضَحِكْتُم قليلاً، ولبكيتُم كثيرًا، وما تلَذَذْتُم بالنّساء على الفُرُش (أي: ولا هَنِئَ لكم الاستِمتاعُ بزَوجاتِكم مِن الخوفِ والفزَع وهول الأمرِ وشدَّتِه)، ولخرجتُم إلى الصّعدات (الطُّرقِ والسُّبلِ) تجأرون إلى الله (تتَضرَّعون إلى الله أن يُنجِّيَكم ويغفِر لكم ويَعفُوَ عنكم)).
وعن أسامة بن زيد رضي الله عنه قال: (أشرف النّبي صلى الله عليه وسلم على أطم من آطام المدينة (نظَر مِن مكانٍ عالٍ على حِصنٍ مِن حُصونِ أهلِ المدينة)، فقال: هل ترون ما أرى؟ إنّي لأرى مواقع الفتن خلال بيوتكم كمواقع القطر).. وفي هذا الحَديثِ عَلَمٌ مِن أعلامِ نُبوَّتِه صلى الله عليه وسلم، ومُعجزةٌ ظاهرةٌ له عليه الصَّلاة والسَّلام، حيثُ أخبَر ببَعضِ ما وقَع بعدَه، فقد أخبر أصحابه بما يَراه ببَصَرِه، وهو مَواضع سُقوطِ ونُزولِ الفِتَنِ الَّتي ستَكون في المدينة.
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: (صَلَّى بنَا رَسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلمذَاتَ يَومٍ فَلَمَّا قَضَى الصَّلَاةَ أقْبَلَ عَلَيْنَا بوَجْهِه، فقال: أيُّها النَّاس، إنِّي إمَامُكُمْ، فلا تَسْبِقُونِي بالرُّكُوع ولَا بالسُّجُود، ولَا بالقِيَام ولَا بالانْصِرَاف، فإنِّي أرَاكُمْ أمَامِي ومِنْ خَلْفِي).. وقال القرطبي: كان عليه الصلاة والسلام يرى في الظلام كما يرى في الضوء.. ويرى مِنْ خلفه كما يرى مِنْ بين يديه.. وذهب بعض أهل العلم إلى أن قوله إني لأبصر من ورائي راجع إلى العلم، وأن معناه إني لأعلم، وهذا تأويل لا حاجة إليه، بل حَمْل ذلك على ظاهره أوْلى، ويكون ذلك زيادة في كرامات النبي صلى الله عليه وسلم وفي فضائله.
وعن عبد الله بن عبّاس رضي الله عنه قال: (قالوا: يا رسول الله: رأيناك تناولتَ شيئا في مقامك هذا ثمّ رأيناك كففت؟! فقال: إنّي رأيت الجنّة فتناولت منها عنقودا ولو أخذته لأكلتم منه ما بقيت الدّنيا، ورأيتُ النّار فلم أر كاليوم منظرا قطّ).
إخبار النبي صلى الله عليه وسلم عن أمور غيبية وقعت في حياته، وعن أمور غيبية مستقبلية وقعت كما أخبر بها بعد مماته، كان وحْياً مِنَ الله عز وجل إليه، وذلك لبيان علو قدره ومنزلته، ودليلا من دلائل نبوته ومعجزة من معجزاته، فإنه صلوات الله وسلامه عليه لا ينطق عن الهوى.
اترك تعليق