أشاد الخبراء بتوجيهات الرئيس السيسي بإعداد برنامج اقتصادي وطني لمرحلة ما بعد برنامج الإصلاح الاقتصادي مع صندوق النقد الدولي مؤكدين أن برنامج الاقتصاد الوطني يمثل خطوة مهمة نحو الانتقال إلى مرحلة جديدة تعتمد على تعميق الإصلاحات، وزيادة الإنتاج، وتحفيز الاستثمار، وتعزيز قدرة الاقتصاد المصري على مواجهة التحديات العالمية، مع الحفاظ على الاستقرار المالي وتحسين مستوى معيشة الأفراد.
أكد الأستاذ الدكتور رشدي فتحي (وكيل كلية التجارة لشئون الدراسات العليا والبحوث جامعة دمياط) أن برنامج الاقتصاد الوطني يمثل خطوة مهمة نحو الانتقال إلى مرحلة جديدة تعتمد على تعميق الإصلاحات، وزيادة الإنتاج، وتحفيز الاستثمار، وتعزيز قدرة الاقتصاد المصري على مواجهة التحديات العالمية، مع الحفاظ على الاستقرار المالي وتحسين مستوى معيشة الأفراد.
أوضح أن الحكومة تستهدف بالتنسيق مع البنك المركزي تحقيق عدة أهداف واضحة ومحددة وقابلة للقياس تتمثل في : الحد من التضخم ورفع مستوى المعيشة ويتحقق ذلك من خلال السيطرة على الأسعار لضمان شعور المواطن بتحسن ملموس في الدخل ومستوى المعيشة. وتحقيق النمو الاقتصادي المستدام أي تحقيق معدلات نمو قوية ومستدامة تدعمها طاقات التشغيل الكاملة للمصانع والمنشآت الاقتصادية., و جذب الاستثمار الأجنبي والمحلي من خلال زيادة الاستثمارات الأجنبية المباشرة و التوسع في برنامج الطروحات الحكومية و تطوير سوق العمل بالربط بين برامج التدريب الفني واحتياجات سوق العمل لرفع كفاءة وإنتاجية العامل المصري وتعظيم الفائض الأولي في الموازنة العامة للدولة وزيادة رقعة الحيز المالي للحكومة ومن ثم توجيه الفوائض المتحققة في الموازنة العامة نحو برامج التنمية المجتمعية وتحسين الخدمات العامة. المتمثلة في الصحة والتعليم، وتنمية قطاع السياحة من خلال تعزيز دور السياحة كمصدر رئيسي ومستدام لتوفير النقد الأجنبي.
أضاف أن هذا البرنامج الوطني يركز على عدة ركائز أساسية لضمان استقرار وتنافسية الاقتصاد ومن أهمها: زيادة الإنتاج والتصدير من خلال دعم وتوطين القطاعات الإنتاجية الحيوية، وعلى رأسها قطاعي الصناعة والزراعة، لتقليل فاتورة الواردات، تعزيز دور القطاع الخاص بإعطاء الأولوية للقطاع الخاص ليصبح القاطرة الرئيسية للنشاط الاقتصادي وتوفير فرص العمل. وكذلك استكمال ما تحقق من إصلاحات هيكلية للبناء عليها ضمن رؤية مصر 2030، وتخفيف أعباء الدين العام الداخلي والخارجي بوضع آليات واضحة ومستدامة لخفض معدلات الدين العام والسيطرة على عجز الموازنة. ومرونة السياسات المالية والنقدية بالاستمرار في تبني سياسات اقتصادية مرنة تهدف إلى التوازن بين كبح معدلات التضخم وتحفيز النمو الاستثماري.
أوضح دكتور محمد راشد (أستاذ الاقتصاد بجامعة بني سويف) أنه مع اقتراب انتهاء مرحلة التعاون مع صندوق النقد الدولي تقف مصر أمام محطة اقتصادية فارقة تتطلب الانتقال من سياسات استعادة التوازن والاستقرار المالي إلى إطلاق برنامج اقتصادي وطني شامل يعكس أولويات الدولة واحتياجات المجتمع وفق توجيهات الرئيس السيسي وينبغي أن يستند هذا البرنامج إلى رؤية تنموية طويلة الأجل تحقق النمو المستدام وتزيد من قدرة الاقتصاد على مواجهة الصدمات الخارجية.
أضاف أن برامج الإصلاح السابقة نجحت في تعزيز مؤشرات الاستقرار الكلي وتحسين الاحتياطيات الأجنبية واستعادة ثقة المؤسسات الدولية والمستثمرين إلا أن المرحلة المقبلة تختلف في طبيعتها؛ إذ لم يعد الهدف الرئيسي هو معالجة الاختلالات الاقتصادية فحسب وإنما بناء اقتصاد أكثر إنتاجية وتنافسية يقوده الاستثمار والتصنيع والتصدير والابتكار.
ويجب أن يرتكز البرنامج الاقتصادي الوطني على مجموعة من الأهداف الاستراتيجية في مقدمتها رفع معدلات النمو الحقيقي بصورة مستدامة وزيادة مساهمة القطاع الخاص في النشاط الاقتصادي وتعميق التصنيع المحلي وتعزيز الصادرات وتوفير فرص عمل منتجة وتحسين مستويات المعيشة مع الحفاظ على استقرار الأسعار وخفض معدلات التضخم والدين العام تدريجيًا.
يرى أنه لتحقيق هذه الأهداف ينبغي أن تحكم البرنامج مجموعة من المحددات الأساسية أولها الحفاظ على الانضباط المالي والنقدي وعدم العودة إلى الاختلالات التي عانى منها الاقتصاد سابقًا. كما يجب مراعاة التوازن بين تحقيق النمو الاقتصادي وتوفير الحماية الاجتماعية للفئات الأكثر احتياجًا مع مراعاة المتغيرات الإقليمية والدولية التي تفرض قدرًا كبيرًا من المرونة في إدارة السياسات الاقتصادية.
كما ينبغي أن يقوم البرنامج على عدد من المحاور التنفيذية المتكاملة يأتي في مقدمتها تحسين مناخ الاستثمار من خلال تبسيط الإجراءات وتسريع إصدار التراخيص وتوحيد الجهات المعنية وتوفير الأراضي الصناعية المرفقة بما يسهم في جذب الاستثمارات المحلية والأجنبية. كذلك يمثل دعم الصناعة الوطنية أولوية قصوى عبر توطين التكنولوجيا وتعميق المكون المحلي وتطوير سلاسل القيمة وتحفيز الصناعات ذات القيمة المضافة العالية.
وفي الوقت ذاته يصبح تعزيز القدرة التصديرية للاقتصاد ضرورة ملحة من خلال فتح أسواق جديدة والاستفادة من اتفاقيات التجارة الحرة وتحسين جودة المنتجات المصرية وتطوير منظومة الخدمات اللوجستية والموانئ، بما يرفع تنافسية الصادرات ويزيد من تدفقات النقد الأجنبي.
ولا يقل أهمية عن ذلك الاستثمار في رأس المال البشري عبر تطوير منظومة التعليم والتدريب الفني وربطها باحتياجات سوق العمل مع تسريع التحول الرقمي والاعتماد على الاقتصاد المعرفي والذكاء الاصطناعي باعتبارها محركات رئيسية للنمو خلال العقود المقبلة.
أكد أنه من الضروري كذلك تعزيز الحوكمة والشفافية ورفع كفاءة الإنفاق العام وتطبيق نظم دقيقة لمتابعة الأداء وقياس النتائج بحيث يتم تقييم تنفيذ البرنامج بصورة دورية وفق مؤشرات أداء واضحة وقابلة للقياس مع إمكانية تعديل السياسات كلما استدعت المتغيرات ذلك.
كما يتطلب نجاح البرنامج وجود شراكة حقيقية بين الحكومة والقطاع الخاص والمجتمع المدني والمؤسسات البحثية فالتنمية الاقتصادية لم تعد مسؤولية الدولة وحدها وإنما عملية تشاركية تستفيد من خبرات جميع الأطراف وتضمن توافق السياسات مع احتياجات المستثمرين والمواطنين وبالتالي هناك ضرورة ملحة لتفعيل آليات الشراكة بين القطاعين العام والخاص مثل نظام ال B.O.T وغيره.
فنجاح أي برنامج اقتصادي وطني لما بعد صندوق النقد الدولي لن يقاس فقط بتحقيق معدلات نمو مرتفعة وإنما بقدرته على تحويل هذا النمو إلى تنمية شاملة يشعر بها المواطن في مستوى دخله الحقيقي ومعيشته وجودة الخدمات وتوافر فرص العمل واستقرار الأسعار. فالمرحلة المقبلة تمثل فرصة تاريخية للانتقال من اقتصاد يركز على إدارة الأزمات إلى اقتصاد يقود التنمية المستدامة ويعتمد على الإنتاج والابتكار والتنافسية وكذلك مدعوما بالاعتماد على آليات الاقتصاد الدائري والمعرفي والتوسع في توليد الطاقة النظيفة من مصادرها المتجددة مع التوسع في الاستثمار الصناعي والزراعي على حساب الاستثمار العقاري بما يعزز مكانة مصر كاقتصاد إقليمي قادر على تحقيق النمو الشامل في الأجلين المتوسط والطويل.
صرّح الدكتور أيمن غنيم، أستاذ الإدارة والخبير الاقتصادي والقانوني، أن توجيه الرئيس السيسي بإعداد برنامج اقتصادي وطني لمرحلة ما بعد انتهاء البرنامج الحالي مع صندوق النقد الدولي يمثل انتقالًا استراتيجيًا من إدارة الاختلالات الاقتصادية إلى بناء نموذج تنموي مصري متكامل. وأوضح أن المرحلة المقبلة يجب أن تبني على ما تحقق من إصلاح مالي ونقدي وهيكلي، وأن توجه ثماره نحو زيادة الإنتاج والاستثمار والتصدير وتحسين معيشة المواطن.
وأضاف غنيم أن البرنامج الجديد لا ينبغي النظر إليه باعتباره بديلًا من الإصلاح، وإنما امتدادًا وطنيًا أكثر شمولًا له؛ لأن انتهاء الترتيب التمويلي مع صندوق النقد لا يعني انتهاء الحاجة إلى الانضباط المالي أو مرونة سعر الصرف أو استقرار السياسة النقدية. فالهدف هو الانتقال من إصلاح تحكمه الضرورة إلى إصلاح تقوده رؤية مصرية طويلة الأجل، وتحدد أولوياته احتياجات المجتمع والاقتصاد الوطني.
وأوضح غنيم أن الرئيس عبد الفتاح السيسي يقود تحولًا تاريخيًا في بنية الاقتصاد المصري، من اقتصاد اعتمد لعقود بدرجات متفاوتة على الإيرادات الريعية والمصادر المتقلبة للعملة الأجنبية، إلى اقتصاد إنتاجي وخدمي وتصديري يقوم على الصناعة والزراعة الحديثة والسياحة والخدمات اللوجستية وتكنولوجيا المعلومات والطاقة النظيفة. وهذا التحول يستند إلى بنية تحتية واسعة تم إنشاؤها وتطويرها خلال الجمهورية الجديدة، وأصبحت جاهزة لاستقبال موجة جديدة من الاستثمارات الإنتاجية.
وتابع غنيم أن الإصلاح المالي نجح في إعادة ترتيب أولويات الموازنة وتعزيز الانضباط وتحسين كفاءة إدارة المالية العامة، بينما أعاد الإصلاح النقدي بناء سوق صرف أكثر مرونة وعالج الاختلالات التي أدت سابقًا إلى تعدد أسعار العملة ونقص النقد الأجنبي. وقد انعكس ذلك في ارتفاع صافي الاحتياطيات الدولية إلى نحو ٥٥.١ مليار دولار بنهاية يونيو ٢٠٢٦، بما يوفر قاعدة مهمة للاستقرار والثقة.
وأشار إلى أن الاقتصاد المصري سجل نموًا بلغ ٤.٤٪ خلال العام المالي ٢٠٢٤/٢٠٢٥، مقارنة بنحو ٢.٤٪ في العام السابق، ثم ارتفع معدل النمو إلى ٥.٣٪ خلال الربع الأول من العام المالي ٢٠٢٥/٢٠٢٦. وتؤكد هذه الأرقام أن الاقتصاد تجاوز مرحلة الانكماش النسبي وبدأ يستعيد قدرته على النمو، لكن التحدي المقبل هو ضمان أن يكون هذا النمو مستدامًا وكثيف التشغيل وقائمًا على الإنتاج والتصدير.
وأضاف أن من أهم المؤشرات الإيجابية ارتفاع استثمارات القطاع الخاص الحقيقية بنحو ٢٥.٩٪ خلال الربع الأول من العام المالي الجاري، واستحواذها على قرابة ٦٦٪ من إجمالي الاستثمارات المنفذة، وهي أعلى حصة مسجلة خلال الفترات القابلة للمقارنة. وهذا التحول يعكس نجاح الدولة في ترشيد الاستثمارات العامة وإفساح مساحة أكبر للقطاع الخاص ليقود النشاط الاقتصادي ويخلق الوظائف.
وأوضح أن البرنامج الوطني يجب أن يُعد من خلال لجنة اقتصادية دائمة تضم الحكومة والبنك المركزي والقطاع الخاص والجامعات واتحادات الصناعات والغرف التجارية والمصدرين وممثلي العمال والمجتمع المدني. فنجاح البرنامج يتطلب بناء توافق وطني حول أهدافه، وعدم قصر إعداده على الوزارات والجهات التنفيذية مهما بلغت خبرتها.
وتابع غنيم أن الحوار المجتمعي المزمع إجراؤه قبل إعلان البرنامج يمثل خطوة مهمة، بشرط أن يكون حوارًا حقيقيًا يؤدي إلى تعديل السياسات والاستفادة من الآراء الفنية، وليس مجرد إجراء شكلي. كما يجب نشر وثيقة واضحة تشرح للمواطن ما الذي تريد الدولة تحقيقه، وما الجدول الزمني، وكيف ستنعكس النتائج على الأسعار والدخول وفرص العمل والخدمات.
وأشار إلى ضرورة أن يتضمن البرنامج عددًا محدودًا من الأهداف القابلة للقياس، بدلًا من عشرات المستهدفات العامة التي يصعب متابعتها، وفي مقدمتها معدل النمو الحقيقي، ونسبة الاستثمار إلى الناتج، وحصة القطاع الخاص، ومعدلات التشغيل، والصادرات السلعية والخدمية، والإنتاجية، ومعدلات التضخم، ونسبة الدين، ومستوى الحماية الاجتماعية. ويجب أن يكون لكل هدف مسؤول تنفيذي وتاريخ محدد ومؤشر أداء معلن.
وأضاف غنيم أن الصناعة التحويلية غير البترولية يجب أن تكون المحور الأول للبرنامج، خاصة بعد أن حققت نموًا بلغ ١٤.٥٪ خلال الربع الأول من العام المالي ٢٠٢٥/٢٠٢٦. وينبغي التركيز على الصناعات الهندسية والسيارات ومكوناتها والأدوية والمنسوجات والصناعات الغذائية والكيماويات والأجهزة الإلكترونية والطاقة المتجددة، لأنها قطاعات تجمع بين إحلال الواردات وزيادة الصادرات ونقل التكنولوجيا وتوفير الوظائف.
وأوضح أن المطلوب ليس مجرد إنشاء مصانع جديدة، وإنما بناء سلاسل قيمة وطنية متكاملة تربط المصانع الكبرى بالمشروعات الصغيرة والمتوسطة والموردين المحليين ومراكز البحث والتدريب. فكلما ارتفعت نسبة المكون المحلي، انخفض الضغط على النقد الأجنبي، وارتفعت القيمة المضافة التي يحتفظ بها الاقتصاد المصري، وتحولت الصناعة من نشاط تجميعي إلى قاعدة حقيقية للنمو.
وتابع غنيم أن الاقتصاد الخدمي يجب أن يحظى بالأهمية نفسها، لأن مصر تمتلك ميزات تنافسية قوية في السياحة واللوجستيات وقناة السويس والموانئ والاتصالات والتعهيد والخدمات المالية والتعليم والصحة. كما تستهدف خطة الدولة الوصول بالصادرات الرقمية السنوية إلى نحو ٨.٥ مليار دولار، منها قرابة ٦ مليارات دولار من خدمات التعهيد، بما يؤكد أن الخدمات الحديثة أصبحت مصدرًا رئيسيًا للعملة الأجنبية.
وأشار إلى أن البرنامج يجب أن يضع التصدير في قلب جميع السياسات، بحيث لا يُنظر إلى الصادرات باعتبارها مسؤولية وزارة واحدة، وإنما نتيجة مشتركة للسياسات الصناعية والنقدية والضريبية والجمركية واللوجستية. وقد بلغت الصادرات المصرية غير البترولية نحو ٤٢ مليار دولار خلال عام ٢٠٢٤، لكن الإمكانات المتاحة تسمح بمضاعفة هذا الرقم تدريجيًا إذا تم تعميق التصنيع وتحسين الجودة وخفض تكلفة النقل والإنتاج.
وأضاف غنيم أن البنية الأساسية التي أنجزتها الدولة تمثل رأسمالًا إنتاجيًا ضخمًا يجب تعظيم عائده خلال المرحلة المقبلة، من خلال ربط الطرق والموانئ والطاقة والمدن الجديدة والمناطق الاقتصادية بمشروعات صناعية وزراعية ولوجستية قابلة للتصدير. فالعائد الحقيقي من البنية التحتية لا يقاس فقط بقيمتها الإنشائية، وإنما بحجم الاستثمارات والإنتاج والوظائف التي تجذبها حولها.
وأوضح أن البرنامج يجب أن يتضمن خريطة استثمارية قطاعية وجغرافية تحدد الفرص في كل محافظة، وتربط الحوافز بما تحققه المشروعات من تصدير وتشغيل ونقل للتكنولوجيا ومكون محلي. كما ينبغي منح الأولوية للمحافظات الأكثر احتياجًا، حتى يصبح الاستثمار أداة لتحقيق التنمية المتوازنة وتقليل الفجوات الإقليمية، وليس مجرد تركز إضافي للنشاط حول المراكز التقليدية.
وتابع غنيم أن استقرار السياسات الاقتصادية يمثل المحدد الأهم لنجاح البرنامج، لأن المستثمر يستطيع التعامل مع الضرائب أو أسعار الفائدة المرتفعة إذا كانت القواعد واضحة، لكنه يتردد عندما تتغير القرارات بصورة مفاجئة. ولذلك يجب اعتماد أجندة تشريعية وضريبية معلنة لثلاث أو خمس سنوات، وتطبيق مبدأ عدم مفاجأة المستثمر بقرارات جوهرية دون حوار وفترة انتقالية مناسبة.
وأشار إلى أن نجاح البرنامج يتطلب تنسيقًا كاملًا بين السياسة المالية والسياسة النقدية، حتى لا تعمل إحداهما في اتجاه معاكس للأخرى، مع الحفاظ على استقلال البنك المركزي في تحقيق استقرار الأسعار. كما يجب أن يؤدي تراجع التضخم تدريجيًا إلى خفض مستدام لتكلفة التمويل، بما يسمح بتوجيه الائتمان إلى الصناعة والزراعة والتصدير بدلًا من تركيزه في الأنشطة قصيرة الأجل أو الأقل إنتاجية.
وأضاف غنيم أن الحماية الاجتماعية يجب أن تكون جزءًا أصيلًا من البرنامج، وليس ملحقًا به، لأن الإصلاح لا يستطيع الاستمرار دون حماية الفئات الأكثر تأثرًا وضمان عدالة توزيع ثماره. لكن المرحلة المقبلة يجب أن تجمع بين الدعم والحماية من ناحية، والتمكين الاقتصادي والتدريب والتشغيل من ناحية أخرى، حتى ينتقل المواطن القادر على العمل تدريجيًا من تلقي المساعدة إلى المشاركة في الإنتاج.
وأوضح أن رأس المال البشري هو العامل الحاسم في التحول إلى اقتصاد إنتاجي وخدمي، ولذلك يجب ربط التعليم الفني والتكنولوجي باحتياجات المصانع وشركات الاتصالات والطاقة واللوجستيات، والتوسع في المدارس التطبيقية والتدريب داخل مواقع العمل. فالمصنع الحديث لا يحتاج فقط إلى أرض وتمويل وطاقة، وإنما يحتاج قبل ذلك إلى عامل وفني ومهندس يمتلكون المهارات المناسبة.
واختتم الدكتور أيمن غنيم تصريحه بالتأكيد على أن البرنامج الاقتصادي الوطني الذي وجه الرئيس عبد الفتاح السيسي بإعداده يمكن أن يصبح أهم وثيقة اقتصادية للمرحلة المقبلة، إذا جمع بين الطموح والواقعية، وبين الاستقرار المالي والنمو الإنتاجي، وبين دور الدولة وقيادة القطاع الخاص. وأضاف أن مصر أنجزت الجزء الأصعب من الإصلاح المالي والنقدي، وامتلكت بنية تحتية حديثة واستعادت النمو ورفعت احتياطاتها، وحان الوقت لتحويل هذه المكاسب إلى مصانع وصادرات وخدمات وفرص عمل ودخول حقيقية، حتى يشعر المواطن بأن الإصلاح لم يكن مجرد أرقام في التقارير، وإنما طريقًا إلى حياة أفضل واقتصاد وطني أكثر قوة واستقلالًا
اترك تعليق