في ظل استمرار الضغوط الاقتصادية العالمية وما تفرضه من تحديات على مستويات المعيشة، تتجه الأنظار إلى آليات تخفيف الأعباء عن المواطنين باعتبارها أحد أهم الملفات التي تمس الحياة اليومية للأسر المصرية..
وجاءت توجيهات السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي للحكومة بمواصلة اتخاذ إجراءات داعمة للمواطنين لتؤكد أن تحسين جودة الحياة يمثل أولوية في المرحلة الحالية، بالتوازي مع الحفاظ على الاستقرار الاقتصادي واستكمال مسيرة الإصلاح.. وبينما تتعدد الأدوات المتاحة أمام الحكومة، يؤكد خبراء الاقتصاد أن تحقيق نتائج ملموسة يتطلب رؤية متكاملة تقوم على تنشيط الإنتاج، وكبح التضخم، ورفع كفاءة الخدمات، وتوسيع مظلة الحماية الاجتماعية، حتى تتحول المؤشرات الاقتصادية الإيجابية إلى واقع يشعر به المواطن في تفاصيل حياته اليومية.
قال د. أحمد سمير الخبير الاقتصادي وعضو المجلس المصري للشئون الخارجية ان تكليف الرئيس عبد الفتاح السيسي للحكومة بالعمل على خفض الأعباء عن المواطنين في توقيت شديد الدلالة فالدولة المصرية تجاوزت مراحل صعبة من الضغوط الاقتصادية العالمية ونجحت في الحفاظ على استقرار مؤسساتها الاقتصادية وتعزيز احتياطيات النقد الأجنبي واستكمال مسار الإصلاح ولكن التحدي الحقيقي الآن لم يعد فقط في تحقيق مؤشرات اقتصادية إيجابية، بل في تحويل هذه المؤشرات إلى تحسن ملموس يشعر به المواطن في معيشته اليومية
أضاف أن المواطن لا يقيس نجاح الاقتصاد بحجم الاحتياطي أو معدل النمو وحدهما، وإنما يقيسه بسؤال بسيط ومباشر: هل أصبحت حياتي أقل تكلفة وأكثر استقرارًا؟ ومن هنا تأتي أهمية التكليف الرئاسي، لأنه يضع الحكومة أمام مسؤولية الانتقال من مرحلة إدارة الاقتصاد الكلي إلى مرحلة “اقتصاد المواطن”، حيث تكون الأولوية لتقليل الضغوط المعيشية واستعادة القوة الشرائية وتحقيق استقرار الاسواق
قال نجاح الحكومة في تنفيذ هذا التكليف يتطلب أن تنظر إلى خفض الأعباء باعتباره برنامجًا اقتصاديًا واجتماعيًا متكاملًا، لا مجرد إجراءات متفرقة أو حلول مؤقتة. فالمشكلة ليست في ارتفاع الأسعار وحده، وإنما في تداخل عوامل متعددة تشمل تكلفة الإنتاج، وسلاسل التوزيع، وهوامش الربح، ومستوى الدخول، وكفاءة الخدمات العامة لذلك فإن أي معالجة حقيقية يجب أن تبدأ من جذور المشكلة، وأن تجمع بين ضبط الأسواق، ودعم الإنتاج، وتحسين الدخول، وتوسيع الحماية الاجتماعية، وتعزيز الشفافية
يرى أن الأسواق المصرية شهدت خلال الفترات الماضية موجات من ارتفاع الأسعار، بعضها كان مبررًا بزيادة تكلفة الاستيراد ومدخلات الإنتاج، وبعضها الآخر ارتبط بالمضاربات والاحتكار والمغالاة في هوامش الربح ومن هنا يصبح المطلوب من الحكومة أن تنتقل من الرقابة التقليدية إلى الرقابة الذكية، عبر إنشاء قواعد بيانات لحركة السلع، وربط إلكتروني بين المنتج والموزع وتاجر التجزئة، ورصد أي ارتفاعات غير مبررة فور حدوثها كما يجب أيضا تشديد العقوبات على الممارسات الاحتكارية، وإلزام جميع حلقات التداول بإعلان الأسعار بصورة واضحة، مع التوسع في المنافذ الحكومية والمعارض الدائمة لتوفير السلع الأساسية بأسعار عادلة مضيفا الاستقرار السعري ليس مجرد هدف اقتصادي، بل هو أحد أهم عناصر الحماية الاجتماعية، لأنه ينعكس مباشرة على قدرة الأسرة المصرية على تلبية احتياجاتها الأساسية
أضاف د. أحمد أن خفض الأعباء لا يتحقق فقط بتخفيض الأسعار، بل يحتاج أيضًا إلى تحسين دخول المواطنين بصورة مدروسة ومستدامة فالمطلوب ليس مجرد زيادات مؤقتة في الأجور، وإنما سياسات ترفع الإنتاجية، وتخلق فرص عمل ذات دخل مناسب، وتشجع القطاع الخاص على التوسع في التوظيف والاستثمار وفي الوقت نفسه، يجب استمرار دعم الفئات الأولى بالرعاية من خلال برامج الحماية الاجتماعية، وزيادة المعاشات، وتقديم دعم نقدي للفئات الأكثر احتياجًا، حتى لا تتحول الضغوط الاقتصادية إلى عبء يفوق قدرة هذه الفئات على الاحتمال مضيفا لابد من خفض تكلفة الإنتاج هو الطريق الأقصر لخفض الأسعار حيث لن تنخفض الأسعار بصورة مستدامة إذا ظلت تكلفة الإنتاج مرتفعة ولهذا ينبغي أن تعمل الحكومة على تخفيض تكلفة النقل والخدمات اللوجستية، وتسريع الإفراج الجمركي عن مستلزمات الإنتاج، وتوفير التمويل المناسب للصناعة والزراعة، وتقليل الرسوم غير الضرورية على النشاط الإنتاجي حيث أن كل جنيه يتم توفيره داخل المصنع أو المزرعة ينعكس في النهاية على سعر المنتج النهائي، وبالتالي على قدرة المواطن الشرائية
أكد علي ضرورة بناء الثقة والشفافية فالمواطن يتفهم التحديات عندما يلمس وضوحًا في الرؤية وصدقًا في عرض الحقائق ومن هنا فإن الإعلان الدوري عن نتائج الإجراءات الحكومية، وحجم الانخفاض في الأسعار، وعدد السلع التي شهدت تراجعًا، وحجم التدخلات الرقابية، سيعزز ثقة المواطنين، ويؤكد أن الدولة تتابع الأسواق لحظة بلحظة كما أن الشفافية تساعد على مواجهة الشائعات والمبالغات التي قد تزيد من القلق المجتمعي وتؤثر على سلوك الأسواق حيث نجاح الحكومة سيُقاس بما يشعر به المواطن فالتاريخ الاقتصادي يؤكد أن الحكومات لا تقيم فقط بسلامة السياسات، وإنما بقدرتها على تحويل هذه السياسات إلى نتائج يلمسها الناس في حياتهم اليومية ولهذا فإن تنفيذ تكليف الرئيس السيسي يتطلب انتقالًا من إدارة الأزمات إلى إدارة الفرص، ومن التركيز على المؤشرات الكلية إلى تحسين تفاصيل الحياة اليومية للمواطن فالهدف لم يعد مجرد الحفاظ على الاستقرار الاقتصادي، وإنما تحويل هذا الاستقرار إلى انخفاض في الأسعار، وزيادة في فرص العمل، وتحسن في مستوى الخدمات، وارتفاع في القوة الشرائية وإن الحكومة تمتلك اليوم فرصة حقيقية لكتابة فصل جديد في مسار الإصلاح الاقتصادي، عنوانه “ثمار الإصلاح للمواطن”. فإذا نجحت في ضبط الأسواق، وتحفيز الإنتاج، وتوسيع الحماية الاجتماعية، وتحسين الخدمات، وتعزيز المنافسة، فإن تكليف الرئيس لن يبقى مجرد توجيه، بل سيتحول إلى واقع ينعكس على كل أسرة مصرية وعندها فقط، لن يتحدث المواطن عن أرقام الاقتصاد، بل سيشعر بها في فاتورة غذائه، وفي تكلفة علاجه، وفي دخله، وفي مستوى معيشته، وهو المعيار الحقيقي لأي نجاح اقتصادي
أكد د.عطا عيد عطا استاذ التمويل والاستثمار بالجامعة المصرية الصينية إن تكليف الرئيس السيسي للحكومة بالعمل على خفض الأعباء عن المواطنين ليس مجرد شعار سياسي، بل هو اختبار حقيقي لقدرة الدولة على إدارة مرحلة اقتصادية صعبة بأقل تكلفة اجتماعية ممكنة وهذا التكليف يضع الحكومة أمام معادلة دقيقة تتمثل في كيف تُخفِّف الضغط عن الأسر المصرية دون الإخلال باستقرار المالية العامة أو مسار الإصلاح الاقتصادي؟ إن الإجابة لا تكمن في قرار واحد بل في حزمة مترابطة من السياسات والإجراءات تُدار بكفاءة وحسّ اجتماعي عالي
يرى أن أول طريق لخفض الأعباء هو الاعتراف الصريح بأن المواطن لم يعد يحتمل زيادات مفاجئة في الأسعار أو تكاليف الخدمات الأساسية لذلك تحتاج الحكومة إلى سياسة واضحة لضبط أسعار السلع الاستراتيجية عبر تعزيز المنافسة ومراجعة هوامش الربح في الحلقات الوسيطة وتشديد الرقابة على الممارسات الاحتكارية ولا يكفي الإعلان عن مبادرات لتخفيض الأسعار حيث أن المهم أن يشعر المواطن بأن هناك استقرارًا نسبيًا في تكلفة سلة الغذاء والطاقة والنقل وهي عناصر تشكل الجزء الأكبر من إنفاقه الشهري
أضاف : في الوقت نفسه يجب أن تتحول برامج الحماية الاجتماعية من منطق الدعم العام إلى منطق الاستهداف الذكي والدعم المنتج، مع توسيع مظلة برامج "تكافل وكرامة" ومراجعة قيم الدعم النقدي لمواكبة تطورات الأسعار خطوة ضرورية ولكن الأهم هو ربط هذا الدعم بسياسات تشغيل وتدريب حقيقية حتى لا يتحول إلى مسكّن دائم بل إلى جسر مؤقت نحو سوق العمل هنا تظهر أهمية التوسع في برامج التدريب المهني الموجّهة لاحتياجات السوق، ودعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة في القرى والمدن، بوصفها أداة رئيسية لتوليد دخل وفرص عمل مضيفا من الإجراءات الحاسمة أيضًا تخفيف عبء التمويل عن المواطنين والشركات الصغيرة إعادة النظر في أسعار الفائدة وتوسيع برامج التمويل الميسر للمشروعات الصغيرة ومتناهية الصغر حيث يمكن أن يحوّل كتلة كبيرة من الطاقات المعطّلة إلى أنشطة اقتصادية منتجة هذا النوع من السياسات لا يخفف العبء فقط بل يعيد تشكيل العلاقة بين المواطن والبنوك من علاقة دائن بمدين إلى علاقة شراكة على النمو على مستوى الخدمات العامة خفض الأعباء لا يتحقق فقط بتقليل التكلفة المباشرة بل أيضًا برفع الجودة وتقليل الهدر في الوقت والمال .
أشار إلي أن خفض الأعباء عن المواطنين ليس قرارًا عابرًا بل هو مسار يتطلب إعادة ترتيب أولويات الموازنة العامة ومراجعة نمط إدارة الدعم والخدمات وتعزيز كفاءة الجهاز الإداري وإن تكليف الرئيس يفتح الباب أمام لحظة فارقة، إما أن تستثمرها الحكومة لبناء عقد اجتماعي جديد أكثر عدالة وتوازنًا، أو أن تتركها تمر كفرصة مهدرة تزيد الفجوة بين المواطن والسياسات الاقتصادية مضيفا نجاح الحكومة هنا سيُقاس بما يشعر به المواطن من تحسن بحياته اليومية لا بما يُكتب فقط في التقارير الرسمية
أوضح د. محمد راشد استاذ الاقتصاد المساعد بكلية السياسة والاقتصاد جامعة بنى سويف أنه في ظل التحديات الاقتصادية العالمية واستمرار الضغوط التضخمية التي أثرت على مختلف الاقتصادات تضع الدولة المصرية ملف الحماية الاجتماعية وتحسين مستوى معيشة المواطنين في صدارة أولوياتها ومن هذا المنطلق جاءت توجيهات الرئيس عبد الفتاح السيسي للحكومة بمواصلة تخفيف الأعباء عن المواطنين، خاصة الفئات الأولى بالرعاية ومتوسطي الدخل مع الحفاظ في الوقت ذاته على استقرار الاقتصاد الكلي واستمرار برامج الإصلاح الاقتصادي وتعكس هذه التوجيهات فلسفة تقوم على تحقيق التوازن بين متطلبات الإصلاح الاقتصادي من ناحية وحماية الفئات الأكثر تأثرًا من ناحية أخرى بما يضمن استمرار مسيرة التنمية دون تحميل المواطنين أعباء إضافية
يرى أن الأمر يتطلب حزمة متكاملة من الإجراءات وليس الاكتفاء بالدعم المباشر فقط من أهمها السيطرة على معدلات التضخم من خلال سياسات نقدية ومالية متوازنة، لأن تراجع التضخم ينعكس مباشرة على استقرار الأسعار وزيادة القوة الشرائية للمواطن مضيفا لابد من ضبط الأسواق وتشديد الرقابة لمنع الاحتكار والتلاعب بالأسعار، مع التوسع في المنافذ الحكومية وأسواق اليوم الواحد لضمان وصول السلع بأسعار عادلة مضيفا زيادة الإنتاج المحلي في الصناعة والزراعة لتقليل الاعتماد على الواردات، وخفض تكلفة السلع، وتوفير فرص عمل جديدة وايضا دعم القطاع الخاص وجذب الاستثمارات المحلية والأجنبية، باعتباره المحرك الرئيسي لخلق الوظائف ورفع الدخول وتحقيق نمو اقتصادي مستدام وايضا توسيع برامج الحماية الاجتماعية مثل "تكافل وكرامة"، مع توجيه الدعم إلى مستحقيه وزيادة كفاءة شبكات الأمان الاجتماعي
اختتم د. محمد بأن توجيهات الرئيس السيسي تمثل للحكومة رسالة واضحة بأن يظل المواطن محور عملية التنمية وأن ثمار الإصلاح الاقتصادي يجب أن تنعكس بصورة مباشرة على مستوى معيشته من خلال سياسات متوازنة تجمع بين الانضباط المالي والعدالة الاجتماعية بما يعزز قدرة الاقتصاد المصري على مواجهة التحديات وتحقيق تنمية شاملة ومستدامة يستفيد منها جميع المواطنين.
اترك تعليق