منذ حوالي 15 سنة تزوجت، وأقمت في شقة بعمارة كبيرة بأحد المناطق الشعبية. ومنذ اليوم الأول لزواجي وأنا أسمع صوت صريخ وبكاء في الشقة التي تعلوني. فسألت زوجي، الذي قام بدوره بسؤال الجيران، فأكدوا له أن من يقيم في هذه الشقة أرملة وأربعة أبناء تربيهم وحدها، وليس لها دخل سوى معاش بسيط عن والدها، والمساعدات التي تصلها من هنا وهناك. وأنها شديدة الغضب والعصبية بسبب ظروفها، وكثيراً ما تضرب أولادها، ويتدخل الجيران لفض الاشتباك بينهم.
بدأت أرسل لها ما تيسر لي من مساعدات مالية أو طعام أو ملابس لأولادها.
مضت السنون، وكبر الأولاد، وكبرت المشاكل في بيتهم، لدرجة أن الأم بدأت تتعدى عليهم بالضرب المبرح لدرجة الإصابات الخطيرة التي تستدعي النقل للمستشفى. وفي المرة الأخيرة قامت بإلقاء مكواة الملابس على ابنها الكبير الذي يبلغ 16 عاماً، فأصيب بجرح غائر في يده استدعى خياطة 15 غرزة.
وذات مرة سمعت ابنتها تصرخ، فوجدتني دون وعي أجري عليها لحمايتها. وجدت أمها تقذفها بسلة القمامة بما فيها، فأصيبت البنت بحالة من الهلع، وظلت تتقيأ حتى غابت عن الوعي. فلم ترق الأم لحالها، وواصلت ضربها دون أن أستطيع إنقاذ البنت من يدها.
حاولت الجلوس معها والتفاهم معها عندما هدأت، وأؤكد لها أن أولادها الأربعة غاية في الأدب والأخلاق، فضلاً عن أنهم متفوقون دراسياً في مدارسهم التجريبية، ويخرجون للعمل في العطلات الصيفية. وهي تصر على أنها لا تسمح منهم بأي خطأ أو تجاوز، وأنها ضحت من أجلهم وأنهم لا يقدرون هذه التضحية.
عدت لشقتي وأنا في حالة غضب شديد، وظللت أبكي وأدعو الله أن يلهمني بالحل السليم مع هذه الأسرة قبل أن تحدث جريمة كبرى فيها. سألت متخصصين في علم النفس والتربية، وتطوع طبيب وأخصائي نفسي لعلاجها مجاناً، وتقرر جلسات وأدوية مهدئة، انتظمت عليها فترة ثم توقفت بحج واهية.
هنا نصحني الطبيب بإبلاغ "نجدة الطفل" لحماية هؤلاء الأطفال من أمهم، وأكد لي أنني وباقي الجيران أخطأنا في حق هؤلاء الأطفال عندما تركناهم يتعذبون على يد أقرب الناس، وكان يجب علينا أن نتدخل منذ البداية، لأن "الساكت عن الحق شيطان أخرس".
يومها شعرت أنني فعلاً أخطأت عندما شاركت بصمتي في كل الجرائم التي ترتكب ضد هؤلاء الأطفال بحجة أن الأم تعاني من ضغط المسؤولية، وأن الحالة النفسية بسببهم.
تواصلت مع "نجدة الطفل" وطلبت منهم حلاً لا يؤذي الأم.
أرسلوا لجنة مكونة من ثلاثة متخصصين لهذه الأسرة، وبعد شهر من المتابعة الدورية تواصلت معهم، فطمأنوني بأن الأمور تسير على ما يرام، دون أن يخبروني بأي تفاصيل لأن ذلك يعتبر من الأمانة.
هنا هدأ بالي، وشعرت أنني نفذت ما علي فعله أمام الله، ولم يعد علي سوى الدعاء ومواصلة المساعدة المالية لهذه الأسرة المسكينة.
اترك تعليق