مصر
  • 29℃ القاهرة, مصر

رئيس مجلس الإدارة

طارق لطفى

رئيس التحرير

أحمد سليمان

نقادة.. أرض القديسين وحارسة التراث القبطي

من دير الصليب إلى أبو الليف.. كنوز أثرية وأيقونات نادرة
وشجرة عمرها 1300 عام تروي تاريخ الرهبنة المصرية

في قلب صعيد مصر، وعلى الضفة الغربية لنهر النيل، تمتد مدينة نقادة بمحافظة قنا كواحدة من أهم محطات االسياحة الدينية والتراثية في مصر، حيث تحتضن مجموعة فريدة من الأديرة والكنائس الأثرية التي يعود تاريخها إلى القرون الأولى للمسيحية، لتشكل متحفًا مفتوحًا يروي صفحات مضيئة من تاريخ الرهبنة القبطية.


ولا تمثل أديرة نقادة مجرد أماكن للعبادة، بل تعد شواهد حية على حضارة عريقة امتزجت فيها الروحانية بالفنون المعمارية، واحتفظت بجدرانها وأيقوناتها ومخطوطاتها بذكريات آلاف الرهبان والقديسين الذين عاشوا في تلك البرية المقدسة، حتى أصبحت مقصدًا للزائرين والباحثين ومحبي التاريخ من مختلف محافظات الجمهورية.

وتضم برية الأساس بنقادة سبعة أديرة رئيسية، لكل منها طابعه الخاص وتاريخه المميز، إضافة إلى كنائس أثرية وأيقونات نادرة تعكس عظمة العمارة القبطية عبر العصور.

دير الصليب.. أقدم أديرة نقادة وأيقونة العمارة القبطية
يعد دير الصليب من أبرز الأديرة التاريخية في مصر، ويقع غرب مدينة نقادة بزمام حاجر دنفيق، ويرجع تاريخه إلى القرن السادس الميلادي، بينما تشير شواهد أثرية إلى أن إنشائه ربما يعود إلى القرنين الرابع والخامس الميلاديين، خاصة مع استخدام الأحجار والأعمدة الفرعونية في بنائه.

ويتميز الدير بأنه الدير الوحيد في مصر الذي يحمل اسم الصليب المقدس، كما يعد ثاني كنيسة في العالم تحمل هذا الاسم بعد كنيسة الصليب في القدس.

ويتكون الدير من ثلاث كنائس رئيسية كنيسة الصليب المقدس، وتضم ثلاثة مذابح باسم الصليب المقدس، والشهيد مارجرجس، والآباء الرسل وكنيسة السيدة العذراء ورئيس الملائكة جبرائيل وكنيسة القديس يوحنا المعمدان.

ورغم اندثار الكنائس القديمة بمرور الزمن، فقد أعيد تشييدها مع الحفاظ على الطراز المعماري الأثري الذي يميزها.

دير مارجرجس المجمع.. أكبر أديرة برية الأساس
على ربوة مرتفعة بصحراء نقادة يقف دير الشهيد مارجرجس المجمع شامخًا منذ أواخر القرن الرابع الميلادي، ويعد أكبر أديرة برية الأساس وأكثرها اتساعًا.. واشتهر الدير قديمًا بأنه كان يضم خمس كنائس كاملة، الأمر الذي أكسبه اسم "دير المجمع"، بينما يضم حاليًا ثلاث كنائس ما زالت شاهدة على عظمة المكان.

وكان موقعه المرتفع يمنحه قدرة على الإشراف على بقية الأديرة المنتشرة في البرية، وهو ما يعكس أهميته التاريخية والدينية عبر القرون.

دير الأنبا بسنتاؤس.. تحفة معمارية تتوجها 12 قبة
يبعد دير الأنبا بسنتاؤس نحو 12 كيلومترًا غرب مدينة نقادة، ويقع بين دير الصليب ودير مار بقطر، بالقرب من دير مارجرجس.. ويعد من الأديرة القبطية العامرة التي لا تزال تستقبل الزائرين، بينما تعد الكنيسة الحالية آخر ما تبقى من الكنيسة القديمة، ويرجع تاريخها إلى القرنين الثامن عشر والتاسع عشر.. ويتميز الدير بوجود 12 قبة تعلو الكنيسة، وهو تصميم معماري فريد يعكس جمال الفن القبطي، إلى جانب تخطيط الكنيسة الذي يحتفظ بخصوصيته التاريخية.

دير مار بقطر.. شاهد على تاريخ الرهبنة
يقع دير مار بقطر بجبل بشلاو غرب قرية الأوسط قمولا، على ربوة ترتفع نحو عشرة أمتار عن الأراضي المحيطة، ويبعد نحو 12 كيلومترًا جنوب مدينة نقادة.. ويعد من الأديرة التي حافظت على مكانتها التاريخية داخل برية الأساس، حيث يقصده الزائرون لما يتمتع به من هدوء وروحانية وطبيعة صحراوية مميزة.

دير أبو الليف.. موطن شجرة الهجليج النادرة
يتميز دير الأنبا أندرآس "أبو الليف" بكونه أحد أهم الأديرة الأثرية في برية نقادة، ويرجع تأسيسه إلى القرن السابع الميلادي، ويحمل اسم القديس الأنبا أندرآس، أحد تلاميذ الأنبا بسنتاؤس أسقف قفط.. ويضم الدير واحدة من أندر الأشجار في مصر، وهي شجرة الهجليج أو اللالوب، التي يقدر عمرها بنحو 1300 عام، وتقع في قلب الدير، وتعد من المعالم الطبيعية الفريدة التي تضفي على المكان قيمة تاريخية وبيئية خاصة.

دير الملاك ميخائيل.. أحد الأديرة السبعة التاريخية
يحتل دير رئيس الملائكة ميخائيل مكانة خاصة بين أديرة نقادة، إذ يقع بمنطقة جبل بنهدب في برية الأساس على بعد أربعة كيلومترات جنوب غرب المدينة.. وتشير الروايات الكنسية إلى أنه أحد الأديرة السبعة التي أنشأتها الملكة هيلانة، والدة الإمبراطور قسطنطين، وظل قائمًا رغم ما تعرض له من هدم وإعادة بناء عبر العصور.

ويضم الدير كنيستين الكنيسة الأثرية باسم رئيس الملائكة ميخائيل، والتي تضم أعمدة أثرية تعود للقرون الأولى للمسيحية  وكنيسة حديثة باسم السيدة العذراء.. كما شهد الدير خلال العقود الأخيرة عودة الحياة الرهبانية إليه بانتقال عدد من الرهبان من ديري المحرق والنقلون لاستكمال مسيرة التعمير الروحي.

كنائس أثرية تروي قصة الإيمان
ولا تقتصر قيمة أديرة نقادة على مبانيها فقط، بل تمتد إلى الكنائس الأثرية التي تضمها، بما تحتويه من مذابح وأيقونات وأعمدة تاريخية ومخطوطات نادرة، تجعل من المنطقة واحدة من أهم مراكز التراث القبطي في مصر.. وتعكس هذه الكنائس تطور العمارة القبطية عبر أكثر من ستة عشر قرنًا، حيث امتزجت البساطة بالرقي الفني، واحتفظت بملامحها الأصيلة رغم أعمال الترميم والتطوير التي شهدتها.

كنز سياحي ينتظر مزيدًا من الاكتشاف
تمثل أديرة نقادة ثروة حضارية ودينية فريدة، تؤهلها لتكون إحدى أهم محطات السياحة الدينية والثقافية في مصر، خاصة مع ما تتمتع به من تنوع أثري وروحي وطبيعة صحراوية خلابة.

وتعمل محافظة قنا على إبراز هذا التراث من خلال الفعاليات الثقافية ومهرجانات الفنون والحرف التراثية، بما يسهم في التعريف بتاريخ المنطقة، وتشجيع الحركة السياحية، ودعم المجتمعات المحلية المحيطة بالأديرة.

وبين جدران تلك الأديرة العتيقة، لا يزال التاريخ حاضرًا بكل تفاصيله، وتحكي الأحجار قصة حضارة وإيمان امتدت عبر القرون، لتبقى نقادة واحدة من أهم عواصم التراث القبطي والرهبنة في مصر، ووجهة تستحق أن تظل على خريطة السياحة الدينية العالمية.





تابع بوابة الجمهورية اون لاين علي

تابع بوابة الجمهورية اون لاين علي جوجل نيوز جوجل نيوز

يمكنك مشاركة الخبر علي صفحات التواصل

اترك تعليق