وسط الحقول الخضراء بمركز طنطا، تقف قريتا حصة شبشير وشبشير الحصة كواحدة من أبرز النماذج المصرية للقرى المنتجة، بعدما نجحتا على مدار عقود في تحويل تربية النحل من حرفة بسيطة إلى صناعة متكاملة، جعلت محافظة الغربية تتربع على عرش إنتاج العسل الطبيعي في مصر، حتى أصبحت القريتان تنتجان أكثر من 70% من إجمالي العسل المصري، إلى جانب تصدير النحل الحي والعسل ومستلزمات المناحل إلى العديد من الدول العربية، بما يحقق عائدًا اقتصاديًا كبيرًا.
ولم تعد صناعة العسل في الغربية مجرد نشاط زراعي، بل أصبحت أحد أهم التكتلات الاقتصادية التي تعتمد عليها آلاف الأسر، وترتبط ارتباطًا وثيقًا بالإنتاج الزراعي، حيث يسهم النحل في تلقيح المحاصيل وزيادة إنتاجيتها، فضلًا عن توفير فرص عمل مباشرة وغير مباشرة في مجالات التربية والتعبئة والتسويق والتصدير.
حرفة توارثتها الأجيال
منذ أربعينيات القرن الماضي، توارث أبناء حصة شبشير وشبشير الحصة مهنة تربية النحل جيلًا بعد جيل، حتى أصبحت المهنة السائدة داخل القريتين، ويعمل بها معظم السكان، فيما تضم القريتان أكثر من 3 آلاف نحال يمتلكون آلاف الخلايا التي تنتج أجود أنواع العسل الطبيعي.
ويؤكد النحالون أن أكثر من 90% من أبناء القرية يعملون في هذا المجال، سواء في إنتاج العسل أو تربية الملكات أو تجهيز طرود النحل أو تصنيع مستلزمات المناحل، لتتحول القرية إلى مجتمع إنتاجي متكامل يكاد يخلو من البطالة.
70 % من عسل مصر.. وتصدير النحل الحي للخارج
لا يقتصر نشاط أبناء القريتين على إنتاج العسل فقط، بل يمتد إلى تصدير النحل الحي، خاصة ما يعرف بـ"النحل المرزوم"، إلى عدد من الدول العربية، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية والإمارات، فيما تتميز مصر بكونها من الدول القليلة القادرة على تصدير النحل الحي بكميات كبيرة.
وتصدر مصر سنويًا نحو 1.3 مليون طرد نحل حي، بعائد يقترب من 350 مليون دولار، وهو ما يعكس أهمية هذا القطاع في دعم الاقتصاد الوطني وزيادة حصيلة الصادرات الزراعية.
العسل ليس المنتج الوحيد
ويؤكد العاملون بالمهنة أن النحل ينتج العديد من المنتجات ذات القيمة الاقتصادية والطبية، منها غذاء ملكات النحل، وحبوب اللقاح، والشمع الطبيعي، والبروبوليس، وسم النحل، وهي منتجات تدخل في الصناعات الدوائية والغذائية والتجميلية.
كما يمثل النحل عنصرًا أساسيًا في زيادة إنتاجية المحاصيل الزراعية، إذ تعتمد نسبة كبيرة من الزراعات على عمليات التلقيح التي يقوم بها، وهو ما ينعكس على إنتاج القمح والذرة والموالح والفاكهة والفراولة وغيرها من المحاصيل.
مواسم إنتاج على مدار العام
ويتنقل مربو النحل بخلاياهم بين المحافظات وفقًا لمواسم الإزهار، حيث يبدأ موسم البرسيم، ثم موسم الموالح الذي يستمر نحو 45 يومًا، ليجمع النحل الرحيق وحبوب اللقاح ويحولها إلى عسل طبيعي عالي الجودة، بينما يتم خلال فصل الشتاء توفير التغذية البديلة للحفاظ على قوة الطوائف واستمرار الإنتاج.
"قرية الشفاءين".. القرآن والعسل
ولا تشتهر حصة شبشير بإنتاج العسل فقط، بل يطلق عليها أيضًا" قرية الشفاءين"؛ إذ تجمع بين حفظ القرآن الكريم وانتشار الكتاتيب ودور التحفيظ، وبين صناعة العسل التي أصبحت مصدر الرزق الرئيسي لأبنائها، في مشهد يعكس خصوصية القرية وتميزها على مستوى الجمهورية.
دعم كامل للنحالين والتكتلات الاقتصادية
وفي إطار توجهات الدولة لدعم الصناعات المحلية، عقد اللواء الدكتور علاء عبد المعطي محافظ الغربية اجتماعًا موسعًا مع منتجي عسل النحل، بحضور القيادات التنفيذية وممثلي الجهات المعنية، لبحث سبل تطوير القطاع والاستماع إلى مطالب النحالين.
وأكد المحافظ أن الغربية تمتلك جميع المقومات التي تؤهلها للحفاظ على مكانتها كعاصمة لإنتاج العسل الطبيعي في مصر، مشددًا على أن المحافظة تنفذ رؤية متكاملة لدعم القرى المنتجة والتكتلات الاقتصادية، وتعظيم القيمة المضافة للصناعات المحلية.
ووجه المحافظ بسرعة دراسة مطالب المنتجين، وإزالة المعوقات التي تواجههم، مع إعداد برامج تدريبية متخصصة لرفع كفاءة النحالين، وتطبيق أحدث أساليب التربية والإنتاج، بما يسهم في تحسين جودة المنتج وزيادة قدرته على المنافسة في الأسواق المحلية والعالمية.
ويمثل تطوير صناعة عسل النحل بمحافظة الغربية نموذجًا ناجحًا للاستثمار في الميزة النسبية للمحافظات، فمع توافر الخبرة المتوارثة، والسمعة المتميزة للعسل المصري، والدعم الحكومي المتزايد، تواصل الغربية ترسيخ مكانتها كأحد أهم مراكز إنتاج وتصدير العسل والنحل الحي في المنطقة، لتظل قريتا حصة شبشير وشبشير الحصة عنوانًا للإنتاج والعمل، ونموذجًا مشرفًا للقرية المصرية القادرة على تحويل مواردها المحلية إلى قصة نجاح اقتصادي وتنموي.
اترك تعليق