مصر
  • 29℃ القاهرة, مصر

رئيس مجلس الإدارة

طارق لطفى

رئيس التحرير

أحمد سليمان

قبل ثورة 30 يونيو.. «السنة السوداء» فى حكم الأخوان الارهابية

خبراء يرصدون كلفة عام "الجماعة" على الاقتصاد والمجتمع المصري:
احتياطي النقد الأجنبي يتهاوى..
وعجز الموازنة والدين العام .. يقتربان من مستويات خطرة

هروب الاستثمارات وتراجع السياحة.. وانهيار الثقة في بيئة الأعمال
أزمات الوقود والكهرباء وارتفاع الأسعار..
تضاعف معاناة المواطنين

الاستقطاب السياسي والانقسام..
يتركان جراحًا عميقة في النسيج الاجتماعي

غياب الرؤية الاقتصادية والاعتماد على «المسكنات»..
وضع مصر على حافة الانهيار

في عام واحد فقط من حكم جماعة الإخوان المسلمين لمصر، شهدت البلاد واحدة من أكثر الفترات اضطراباً على المستويين الاقتصادي والاجتماعي، حيث تداخلت الأزمات السياسية مع التحديات الاقتصادية لتُنتج حالة من عدم الاستقرار غير مسبوقة. فقد تراجعت مؤشرات الاقتصاد الكلي بصورة حادة، وتفاقمت أزمات الوقود والكهرباء ونقص النقد الأجنبي، بينما انعكست حالة الاستقطاب السياسي على النسيج الاجتماعي وأدت إلى انقسامات عميقة داخل المجتمع.


وبين تراجع الثقة في المؤسسات وتزايد الضغوط المعيشية على المواطنين، برزت تساؤلات عديدة حول أسباب هذا التدهور وتداعياته. وفي هذا التقرير، يرصد عدد من الخبراء والأكاديميين ملامح "السنة السوداء" من خلال قراءة تحليلية لأبرز الآثار الاقتصادية والاجتماعية التي خلفها حكم الجماعة على الدولة والمجتمع.

انهيار المؤشرات
أوضح د. أدهم البرماوي، أستاذ الاقتصاد والمالية العامة بالمعهد العالي للإدارة بكفر الشيخ، أنه من منظور الاقتصاد السياسي والمالية العامة، تميزت فترة حكم جماعة الإخوان المسلمين في مصر خلال الفترة من 2012 إلى 2013 بحالة من عدم الاستقرار الهيكلي العميق، نبعت أساساً من غياب رؤية اقتصادية واضحة، والاعتماد على حلول مسكنة وقصيرة الأجل لإدارة الدولة.

وأضاف أن ذلك جاء بالتوازي مع تصاعد الاضطرابات السياسية والأمنية التي أصابت مؤشرات الاقتصاد الكلي بشلل شبه تام، ووضعت البلاد على حافة الإفلاس غير المعلن.

وعلى صعيد المؤشرات المالية والنقدية، شهدت تلك الفترة استنزافاً حاداً للاحتياطيات الدولية من النقد الأجنبي لدى البنك المركزي المصري، إذ هبطت إلى مستويات حرجة بلغت نحو 14.9 مليار دولار بحلول منتصف 2013، وهي سيولة كادت لا تغطي واردات السلع الأساسية لأكثر من شهرين. وصاحب ذلك ارتفاع قياسي في عجز الموازنة العامة ليلامس 13.7% من الناتج المحلي الإجمالي، وتفاقم سريع في الدين المحلي جراء توسع الحكومة في الاقتراض من القطاع المصرفي عبر أذون وسندات الخزانة لتمويل الإنفاق الاستهلاكي الجاري دون توليد عوائد إنتاجية.

وعانت البيئة الاستثمارية والإنتاجية من حالة انعدام الثقة التي دفعت برؤوس الأموال الأجنبية والمحلية إلى الهروب السريع من السوق، خاصة "الأموال الساخنة" والبورصة. وتوقفت مشروعات الاستثمار الأجنبي المباشر تماماً نتيجة للاضطراب التشريعي والإعلانات الدستورية المتلاحقة. كما تلقت قطاعات حيوية كالسياحة ضربات قاصمة بفعل الخطاب السياسي المتشدد وغياب الاستقرار الأمني، مما حرم الدولة من أهم روافد تدفقاتها الدولارية اليومية المنتظمة. وبدأ الجنيه المصري رحلة تراجع حاد أمام الدولار، وظهرت معها بوادر السوق السوداء، وتضاعفت تكلفة الفاتورة الاستيرادية.

وفيما يخص الملف المعيشي اليومي للمواطن، تجسد الفشل في إدارة ملف الدعم وسلاسل الإمداد في أزمات خانقة وشلل في قطاع الطاقة. إذ عجزت الدولة عن سداد مستحقات شركات النفط والغاز الأجنبية، مما أدى إلى تراجع الإنتاج وتأخر الشحنات المستوردة. وشهدت البلاد انقطاعات كهربائية غير مسبوقة وطوابير ممتدة أمام محطات الوقود، فضلاً عن نقص السلع التموينية الأساسية وموجات تضخمية متلاحقة أكلت القوة الشرائية للطبقتين المتوسطة والدنيا.

وخلص البرماوي إلى أن إدارة الجماعة للاقتصاد اعتمدت على "نهج المسكنات" والاقتراض لأجل الاستهلاك بدلاً من الإصلاح. فحين عجزت الحكومة عن تقديم برنامج إصلاحي هيكلي جاد وموثوق للحصول على قرض صندوق النقد الدولي، استعاضت عن ذلك بالاعتماد التام على الودائع والقروض المؤقتة والمشروطة سياسياً من دول حليفة لها آنذاك، مثل قطر وتركيا. وهي أموال وُجّهت بالكامل لتثبيت سعر الصرف بشكل مصطنع وسد العجز الجاري دون بناء أصل إنتاجي واحد، مما عمّق الفجوة الهيكلية وجعل مسارات الإصلاح الشامل اللاحقة ضرورة حتمية لإنقاذ الدولة من الانهيار المالي الشامل.

أزمة النقد الأجنبي
من جانبه، يرى د. السيد خضر، الخبير الاقتصادي، أن فترة حكم جماعة الإخوان تعد واحدة من أكثر الفترات الحرجة والمضطربة في التاريخ الاقتصادي المصري الحديث. وتميزت هذه المرحلة بعدم الاستقرار المالي والسياسي، وتأثرت بمزيج من التحديات الهيكلية الموروثة والأزمات السياسية المتلاحقة.

وأشار خضر إلى أن قطاعَي السياحة والاستثمار الأجنبي تأثرا بشكل مباشر بحالة التوتر السياسي والاحتجاجات المستمرة في الشارع. فقد شهد قطاع السياحة، وهو مصدر رئيسي للعملة الأجنبية، تباطؤاً حاداً نتيجة غياب الأمن وتكرار الاشتباكات، مما أدى إلى انخفاض الإيرادات السياحية ومعدلات الإشغال الفندقي. كما أحجم المستثمرون الأجانب عن ضخ استثمارات جديدة، وشهدت البلاد خروجاً ملحوظاً لرؤوس الأموال الأجنبية من سوق الأوراق المالية والقطاعات الإنتاجية نتيجة غياب الرؤية الاقتصادية الواضحة وضبابية المشهد السياسي.

واجه البنك المركزي المصري ضغوطاً هائلة للحفاظ على قيمة العملة المحلية، واستمر نزيف احتياطي النقد الأجنبي. مما اضطر الحكومة إلى الاعتماد بشكل كبير على المساعدات والودائع الخارجية، خاصة من دولة قطر في ذلك الوقت، لتلبية الاحتياجات الأساسية واستيراد السلع الاستراتيجية. وشهد الجنيه المصري انخفاضاً ملحوظاً أمام الدولار الأمريكي، وبدأت تظهر ملامح "السوق الموازية" للعملة نتيجة شح المعروض النقدي في البنوك الرسمية.

وأضاف أن السياسات المالية ركزت على تلبية المطالب الفئوية الفورية وزيادة الأجور في القطاع الحكومي دون أن يقابل ذلك زيادة في الإيرادات أو الإنتاجية. وتمويلاً لعجز الموازنة المتزايد، توسعت الحكومة في الاستدانة المحلية عبر طرح أذون وسندات الخزانة، مما أدى إلى تفاقم حجم الدين العام الداخلي وارتفاع تكلفة خدمة الدين.

ولفت إلى فشل الحكومة في التوصل إلى اتفاق نهائي مع صندوق النقد الدولي للحصول على قرض بقيمة 4.8 مليار دولار، بسبب التردد في تنفيذ الإصلاحات الهيكلية المطلوبة، مثل إعادة هيكلة منظومة الدعم وضريبة القيمة المضافة، خوفاً من رد الفعل الشعبي.

كما شهدت البلاد نقصاً حاداً في المواد البترولية، مما أدى إلى تصاعد ظاهرة طوابير السيارات أمام محطات الوقود. وتسبب نقص الغاز الطبيعي المورد لمحطات توليد الكهرباء في انقطاعات متكررة وطويلة للتيار الكهربائي خلال صيف 2013. وأدى انخفاض قيمة العملة ونقص بعض السلع إلى ارتفاع أسعار المواد الغذائية والأساسية، مما زاد الأعباء المعيشية على الطبقات المتوسطة والفقيرة.

غياب الكفاءة
قال د. طاهر عبد الكريم، الخبير الاقتصادي، إن عام حكم جماعة الإخوان لم يكن مجرد عام سياسي مضطرب، بل كان عاماً اقتصادياً شديد الصعوبة، اجتمع فيه ضعف الإدارة مع تدهور المؤشرات المالية والنقدية. فقد تسلمت الجماعة الحكم في يونيو 2012 والاقتصاد متأثر بالفعل بتداعيات ما بعد 2011، لكنها لم تنجح في وقف النزيف، بل زادت الأزمة تعقيداً بسبب غياب الرؤية الاقتصادية الواضحة، وتقديم الولاء للجماعة على الكفاءة والخبرة والتخصص في كل المواقع والمستويات.

وأكد أن أخطر ما ميّز تلك المرحلة أن إدارة الملفات الاقتصادية لم تُبنَ على الخبرة المتخصصة بقدر ما ارتبطت بفكرة "أهل الثقة من الجماعة". فتم الدفع بعناصر محسوبة على الجماعة أو قريبة منها في مواقع سياسية وإدارية، بينما كانت الدولة تحتاج إلى كفاءات اقتصادية محترفة قادرة على إدارة أزمة عملة، وعجز موازنة، وتراجع سياحة واستثمار. والنتيجة أن القرار الاقتصادي أصبح مرتبكاً، والإصلاحات تأخرت، والثقة في الدولة والأسواق تراجعت.

وكشفت الأرقام حجم الأزمة، إذ وصل عجز الموازنة في العام المالي 2012/2013 إلى نحو 12.9% من الناتج المحلي الإجمالي، وهو معدل بالغ الخطورة يعني أن الدولة كانت تنفق أكثر بكثير من مواردها. كما اقترب الدين العام من نحو 98% إلى 99% من الناتج المحلي، بما وضع عبئاً ضخماً على الموازنة من فوائد وأقساط.

أما الاحتياطي النقدي الأجنبي، وهو خط الدفاع الأول لتأمين الغذاء والوقود والدواء، فقد هبط من نحو 35 مليار دولار في نهاية 2010 إلى حوالي 14.5 مليار دولار في يونيو 2013، أي ما يغطي قرابة 2.5 شهر فقط من الواردات. وهذا التراجع الحاد زاد الضغط على الدولار ورفع القلق من قدرة الدولة على توفير العملة الصعبة أو الوفاء بالتزاماتها.

وفي ملف الدين الخارجي، ارتفع من نحو 34.4 مليار دولار في 2011/2012 إلى حوالي 43.2 مليار دولار في 2012/2013. وفي الوقت نفسه ظل معدل النمو الاقتصادي ضعيفاً عند حدود دون 2% تقريباً، وهو معدل لا يكفي لاستيعاب البطالة أو تحسين مستوى المعيشة.

كما تضررت السياحة والاستثمارات الأجنبية بسبب الاضطراب السياسي، وتكررت أزمات الوقود والكهرباء بشدة، ما انعكس مباشرة على حياة المواطن وعلى الاستثمار. لذلك، يمكن القول إن الجماعة لم تقضِ على الأزمة، وفشلت في إدارتها، وعمّقتها عبر غياب الكفاءة، وتسييس الإدارة، وفقدان الثقة، حتى أصبح عامها في الحكم واحداً من أصعب الأعوام الاقتصادية في تاريخ مصر الحديث.

التصنيف الائتماني
أكد د. أحمد سمير، الخبير الاقتصادي، أن الاقتصاد المصري خلال الفترة من يونيو 2012 حتى يوليو 2013 مر بواحدة من أكثر الفترات حرجاً وتقلباً في التاريخ الحديث. ورغم الوعود الواسعة التي طرحت قبل تولي السلطة تحت شعارات "مشروع النهضة"، إلا أن الواقع على الأرض شهد عمقاً في الأزمات الهيكلية، وتراجعاً حاداً في المؤشرات الكلية نتيجة لغياب الرؤية الاقتصادية الواضحة، واستمرار حالة الاستقطاب السياسي.

وهبطت احتياطيات النقد الأجنبي لدى البنك المركزي المصري إلى مستويات حرجة جداً، حيث تراجعت من مستويات ما قبل 2011، نحو 36 مليار دولار، لتلامس حاجز 13.4 مليار دولار في أوائل عام 2013، وهو حد خطير كان يغطي بالكاد واردات السلع الأساسية والضرورية لثلاثة أشهر فقط. وعجزت الإدارة عن إيجاد مصادر مستدامة لتوليد العملة الصعبة، واعتمدت بشكل شبه كلي على الودائع والقروض المباشرة قصيرة الأجل من حلفاء إقليميين، مثل قطر وتركيا وليبيا، لضخ سيولة مؤقتة في البنك المركزي دون إحداث أي تنمية إنتاجية.

وشهد الشارع المصري خلال هذا العام شللاً شبه تام في بعض القطاعات الحيوية نتيجة سوء إدارة ملف الطاقة. وواجهت مصر أزمة حادة في توليد الطاقة الكهربائية نتيجة نقص إمدادات الغاز الطبيعي للمحطات، مما أدى إلى انقطاعات مستمرة للتيار الكهربائي تجاوزت عدة ساعات يومياً، وأضرت بالبيوت وبإنتاجية المصانع على حد سواء. كما تفاقمت أزمة نقص الوقود بشكل غير مسبوق، وامتدت طوابير السيارات والشاحنات أمام محطات التموين لعدة كيلومترات، مما تسبب في اختناق مروري دائم، وتأخر نقل البضائع، وارتفاع أسعار السلع الغذائية نتيجة زيادة تكلفة النقل.

وبدأ الجنيه المصري رحلة هبوط سريعة أمام الدولار الأمريكي، وفقد جزءاً كبيراً من قيمته، إذ ارتفع الدولار من حوالي 6 جنيهات إلى أكثر من 7 جنيهات في السوق الرسمية، وبمعدلات أعلى في السوق الموازية التي بدأت تظهر بقوة، مما فجّر موجات تضخمية أثقلت كاهل المواطن البسيط.

وخفضت وكالات التصنيف الدولية الكبرى، مثل "ستاندرد آند بورز" و"موديز" و"فيتش"، تصنيف مصر الائتماني عدة مرات خلال أقل من عام لتصل إلى درجات عالية المخاطر، مما عكس انعدام ثقة المؤسسات المالية الدولية في الإدارة الاقتصادية ورفع تكلفة الاقتراض الخارجي.

وأدى عدم الاستقرار السياسي، والاشتباكات في الشارع، والإصدار المتتالي لقرارات وقوانين مثيرة للجدل، مثل الإعلان الدستوري في نوفمبر 2012، إلى بيئة طاردة للاستثمار الأجنبي المباشر، وتراجع حاد في قطاع السياحة الذي يمثل شريان الحياة للعملة الأجنبية. وتعثرت المفاوضات الرسمية للحصول على قرض بقيمة 4.8 مليار دولار من صندوق النقد الدولي، نتيجة تردد الإدارة في اتخاذ خطوات إصلاحية واضحة، خوفاً من التبعات السياسية والشعبية قبل الانتخابات البرلمانية المرتقبة آنذاك، مما أرسل إشارات سلبية للمستثمرين محلياً وعالمياً.

الانقسام المجتمعي
على المستوى الاجتماعي، قالت د. هند فؤاد، أستاذ علم الاجتماع بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية، إن وصول جماعة الإخوان إلى الحكم عام 2012 لم يكن مجرد انتقال سياسي عادي، بل بدا تجربة اجتماعية شديدة التعقيد أعادت تشكيل العلاقات داخل المجتمع المصري بصورة غير مسبوقة. ففي ذلك العام، لم يكن الصراع فقط على السلطة، بل امتد إلى البيوت والشارع وأماكن العمل وحتى داخل العائلة الواحدة.

وتروي سيدة خمسينية من أحد أحياء القاهرة القديمة كيف تحولت جلسات الأسرة الأسبوعية إلى ساحات جدال دائم بين أبنائها، أحدهم مؤيد للجماعة والآخر معارض لها. وتقول: "لم نكن نختلف على السياسة بهذا الشكل من قبل، لكن وقتها أصبح الانتماء السياسي يحدد طريقة الكلام، ونظرة كل فرد للآخر".

ويصف علم الاجتماع السياسي تلك الحالة بأنها واحدة من أشد صور الاستقطاب المجتمعي، حين يتحول الخلاف من الرأي إلى الهوية، ويصبح الانتماء السياسي معياراً للحكم الأخلاقي على الآخرين. وخلال تلك الفترة، تزايدت لغة التخوين، وانتشرت فكرة "نحن" و"هم"، فتراجعت مساحات الحوار لصالح المواجهة.

وفي الجامعات، كان المشهد أكثر سخونة. وانقسم الطلاب بين مؤيدين ومعارضين، وتحولت مشادات أحياناً إلى اشتباكات. وفي أماكن العمل، لم يعد الحديث عن الأسعار أو الأحوال المعيشية هو المسيطر، بل عن مستقبل الدولة والدين والسلطة.

لكن التأثير الأعمق لم يكن في الجدل السياسي وحده، بل في شعور الناس المتزايد بعدم الأمان الاجتماعي. ومع تكرار أزمات الوقود والكهرباء وارتفاع الأسعار، بدأ المواطن البسيط يشعر بأن حياته اليومية تدخل نفقاً من القلق. وقال سائق تاكسي في الجيزة وقتها: "لم أعد أفكر في السياسة، أنا فقط أريد أن أعمل وأطعم أولادي". وكان هذا التحول من الأمل إلى الإنهاك أحد أهم المؤشرات الاجتماعية في تلك المرحلة.

وأشارت فؤاد إلى أن مفهوم الثقة نفسه تعرض لهزة قوية، سواء الثقة في مؤسسات الدولة أو في النخب السياسية أو حتى بين المواطنين أنفسهم. وشعر كثيرون بأن المجال العام أصبح ساحة صراع مفتوح، وأن كل طرف يسعى للإقصاء بدلاً من المشاركة. وأنتجت هذه الحالة نوعاً من الانسحاب الاجتماعي لدى البعض، حيث فضّل كثيرون الابتعاد عن النقاش العام تماماً.

وعلى مستوى المرأة، كانت المخاوف مضاعفة. إذ عبّرت بعض الناشطات وقتها عن قلقهن من تراجع مكتسبات المرأة، خاصة مع تصاعد خطابات محافظة اعتبرتها كثيرات تهديداً لدور المرأة في المجال العام. كما أثر الانقسام السياسي على مشاركة النساء في الفضاء العام بين الحشد والاحتجاج والمواجهة.

أما الأطفال والمراهقون، فقد كانوا شهوداً صامتين على حالة التوتر. ومشاهد المظاهرات والخلافات داخل البيوت والخوف من النزول إلى الشارع تركت آثاراً نفسية عميقة. وأشار علماء الاجتماع لاحقاً إلى أن تلك المرحلة زرعت لدى جيل كامل مشاعر مبكرة من القلق وعدم اليقين.

ومع تصاعد الغضب الشعبي وصولاً إلى احتجاجات 30 يونيو، لم يكن سقوط الحكم مجرد نهاية تجربة سياسية، بل كان انفجاراً اجتماعياً كشف حجم الاحتقان الذي تراكم خلال عام واحد فقط. فالملايين الذين خرجوا إلى الشوارع لم يكونوا يحتجون على قرارات سياسية فقط، بل على شعور واسع بأن النسيج الاجتماعي نفسه أصبح مهدداً.

واختتمت فؤاد بأن آثار تلك المرحلة لا تزال حاضرة في الذاكرة الجمعية للمصريين، ليس فقط باعتبارها عاماً سياسياً مضطرباً، بل كفترة كشفت هشاشة العلاقات الاجتماعية عندما تتحول السياسة إلى معركة وجود. وربما يبقى الدرس الأهم أن المجتمعات لا تنهكها الأزمات الاقتصادية وحدها، بل يرهقها أيضاً الانقسام الحاد حين يصبح الاختلاف سبباً للتفك بدلاً من التنوع.





تابع بوابة الجمهورية اون لاين علي

تابع بوابة الجمهورية اون لاين علي جوجل نيوز جوجل نيوز

يمكنك مشاركة الخبر علي صفحات التواصل

اترك تعليق