يلوح في الأفق الكثير من الجدل حول مصير مشروع قانون الأحوال الشخصية الجديد المحال من الحكومة إلى مجلس النواب ومدى احتمالية ترحيل المشروع إلى دورة برلمانية جديدة لمزيد من المناقشات، خاصة مع وجود معطيات أساسية لعل أبرزها أن المشروع سواء للدين الإسلامي أو المسيحي للوطن في حاجة إلى مزيد من التدقيق والملاحظة والمراجعة، كما أن مؤسسة الأزهر الشريف لم تحسم موقفها النهائي من مشروع القانون.
وأياً كان الوضع فإن المشروع ورغم تصريحات إيهاب الطماوي وكيل اللجنة التشريعية بمجلس النواب بشأن قيام اللجان المختصة ببدء اجتماعات موسعة هذا الأسبوع في صورة جلسات استماع ومواجهة تستمر نحو ١٣ جلسة إلا أن الموضوع مازال معقداً حتى الآن، ولعل اقتراب موعد انتهاء الدورة البرلمانية الحالية الشهر المقبل وازدحام جدول أعمال البرلمان بمناقشة مشروعات موازنة وخطة التنمية الاقتصادية والاجتماعية للعام المالي الجديد إضافة إلى بعض مشروعات القوانين الأخرى قد تجبر الجميع على ترحيل مشروع قانون الأحوال الشخصية.
وربما كما يتوقع البعض أن تتم مناقشة المشروع بالنسبة لشركاء الوطن على اعتبار أن المشروع قد حصل على توافق الإخوة الأقباط في الكنائس ولكن هنالك رأي آخر بأن المشروعين يجب أن يناقشا معاً وكل هذا قيد الانتظار والترقب البرلماني إضافة إلى ترقب الشارع.
ولعل أبرز ما يثار في الشارع حالياً استقطاب عدة نصوص للبعض من أعضاء البرلمان خاصة أحكام الرؤية للأطفال في حالة الانفصال واستحداث الرؤية الإلكترونية وهي من أهم مستجدات الملف إضافة إلى النفقة وحقوق الزوجة ويرى البعض أن هنالك إجماعاً في بعض الأمور وستكشف الأيام القادمة عن وجه الاعتراضات والتوافق ما بين الموافقة والرفض.. والجديد أنه رغم وجود عدد كبير من النائبات متحيزات للمرأة بصفة عامة إلا أن هنالك تحالفاً من الإناث في الآخر مع الرجال لأن هنالك أبناء من الشباب ربما يكون لديهم حافز لتغيير وجهتهم حفاظاً على حقوق الآباء والدفاع عنهم وعن مصالحهم في حالة الانفصال ومن هنا كان الرفض المطلق لما سمى بالاقتراح منح الزوجة نصف ثروة طليقها في حالة الانفصال.
ولعل دعوة لجنة حقوق الإنسان في مجلس النواب لأعضاء من مجلس الشيوخ للمشاركة في المناقشات كما يقول إيهاب الطماوي تبرز أهمية المشاركة البرلمانية بكل جوانبها في صياغة مشروع قانون خالٍ من الثغرات والمواثيق وبنصوص واضحة لا تقبل التأويل ولكن يبقى للأزهر الشريف رأيه في بعض النصوص التي يجب أن تتفق وأحكام الشريعة الإسلامية.
يهدف مشروع القانون الذي جاء تحت اسم "مشروع قانون الأسرة" إلى دمج وتوحيد التشريعات المعرفة المنظمة لشئون الأسرة، والتي يعود بعضها لأكثر من قرن، في قانون واحد يتضمن ما يقرب من ٢٥٥ مادة، تتناول مختلف جوانب العلاقات الأسرية، من الزواج والطلاق إلى الحضانة والنفقة والرؤية.
غير أن المشروع سرعان ما أثار انقساماً واضحاً في الرأي العام، خاصة مع تباين وجهات النظر حول عدد من المواد الخلافية، وفي مقدمتها قضايا الحضانة وحقوق الرؤية والنفقة وتنظيم إجراءات الطلاق، ما دفع بعض الأطراف إلى المطالبة بسحب المشروع أو إعادة صياغته بشكل شامل، بما يحقق توازناً أكبر بين أطراف العلاقة الأسرية.
وما زاد من حدة الجدل البيان الصادر عن مؤسسة الأزهر الشريف الذي نفى اطلاعه على مشروع القانون الذي أعدته الحكومة أو مشاركته في صياغة مواده مؤكداً أنه سيبدي رأيه الشرعي في مشروع القانون وفق ما جرى عليه العرف الدستوري والقانوني، عقب إحالته إليه رسمياً من مجلس النواب لإبداء الرأي بشأن مادة.. مادة.
بدوره، أكد عضو مجلس النواب عمرو درويش، أن مشروع قانون الأحوال الشخصية لا يزال قيد المناقشة داخل البرلمان، مضيفاً أن "المشروع ما زال مطروحاً أمام البرلمان باعتباره مشروع قانون خاضعاً للنقاش والدراسة، ويمكن أن تطرأ عليه تعديلات أو إضافات أو تغييرات قبل الوصول إلى صيغته النهائية".
وأكد "درويش" أن "جلسات الاستماع والمشاورات المتعلقة بالمشروع تعد جزءاً أساسياً من عملية مناقشته، خاصة أن بعض المؤسسات المعنية، وفي مقدمتها الأزهر الشريف، لم تنته بعد من إبداء رأيها وملاحظاتها بشأنه، وبالتالي لا يزال البرلمان في مرحلة تلقي الآراء والمقترحات من الجهات المختصة".
وشدد على أن "مسار المشروع يسير بصورة طبيعية وفق الإجراءات التشريعية المعتادة، كما جرى فتح المجال أمام المؤسسات المختلفة لتقديم ملاحظاتها وتعديلاتها بما يضمن الوصول إلى قانون متوازن يعالج القضايا المرتبطة بالأحوال الشخصية، وبالتالي يجب الاستناد إلى المصادر الرسمية المتمثلة في الحكومة ومجلس النواب في اعتبارها الجهات الوحيدة المخولة بالإعلان المستجدات المتعلقة بالقانون".
وبشأن موعد مناقشة مشروع القانون، قال هناك حالة من التفاؤل بشأن مشروع الأحوال الشخصية، ونأمل أن يصدر في أسرع وقت، لكن التوقيت المحدد لمناقشته منوط بتحديد اللجنة البرلمانية المسؤولة عن مناقشة هذا القانون، قبل أن يتم عرضه على الجلسة العامة للمجلس ومناقشته وإقراره.
أشار درويش إلى أن الأهم من توقيت إصدار القانون هو أن يخرج بصيغة تعبر عن احتياجات المجتمع المصري وتحقق التوازن المطلوب بين مختلف الأطراف، سواء تم ذلك خلال دور الانعقاد الحالي أو في دور انعقاد لاحق.
وفي تقييمه لمشروع القانون، أكد درويش أن أي تشريع للأحوال الشخصية يجب أن يستند إلى ثلاثة مرتكزات رئيسية، تتمثل في توافقه مع أحكام الشريعة الإسلامية والشريعة المسيحية وفقاً لنصوص الدستور، ومراعاة رأي المؤسسات الدينية المختصة، وفي مقدمتها الأزهر الشريف والكنيسة المصرية، فضلاً عن تعبيره عن الواقع المجتمعي واحتياجات الأسرة المصرية، موضحاً أن "قانون الأحوال الشخصية لا ينبغي تقييمه من خلال حالات فردية أو تجارب شخصية، وإنما من خلال قدرته على معالجة المشكلات التي تواجه المجتمع ككل، ومعالجة أزمة التصدع والعلاقات الأسرية بصورة عادلة ومتوازنة".
باعتباره الركيزة الأساسية لأي تشريع ينظم العلاقات الأسرية.
وقالت مها أبو بكر إن من أبرز النقاط الإيجابية التي تضمنها المشروع إقرار ملحق اتفاق يرفق بعقد الزواج منذ البداية، ويتمتع بقوة السند التنفيذي في حال وقوع الانفصال، بما يسمح بتنظيم المسائل المتعلقة بالأطفال والحقوق المالية والشرعية مسبقاً، ويحد من حجم النزاعات التي تنشأ بين الزوجين عقب انتهاء العلاقة الزوجية.
كما وصفت استحداث نظام "الملف الواحد" لقضايا الأسرة، بأنه يمثل نقلة مهمة في تبسيط الإجراءات القضائية، إذ يسهم في تقليل عدد الدعاوى المتنوعة التي كانت تضطر الأسر إلى رفعها أمام المحاكم، ويوفر الوقت والجهد والتكاليف على المتقاضين، فضلاً عن انعكاساته الإيجابية على كفاءة المنظومة القضائية.
وفي المقابل، رأت النائبة أن هنالك عدداً من المقترحات التي ترى ضرورة تضمينها في القانون، وفي مقدمتها إقرار الولاية المشتركة بين الأب والأم على الأطفال منذ لحظة الميلاد، بحيث يتقاسمان المسؤولية القانونية والإدارية عن شئون الأبناء، دون انتظار وقوع نزاع بينهما، ما من شأنه تسهيل إدارة الحياة اليومية للأطفال، والحد من اللجوء المتكرر إلى القضاء، لحسم الخلافات المتعلقة بالتعليم والعلاج والسفر وغيرها من المسائل الحياتية، كما يسهم في معالجة إشكاليات الوصاية على الأطفال القصر في حال وفاة أحد الوالدين.
وفيما يتعلق بالحضانة والاستعادة، أكدت أن الطفل يحتاج إلى وجود الأب في حياته بصورة فعالة، إلا أنها ترى أن تطبيق نظام الاستضافة أو توسيع نطاقها يجب ألا يتم قبل بلوغ الطفل سن السابعة، باعتبارها المرحلة التي يبدأ فيها الطفل التمييز والإدراك بصورة أكبر.
أما فيما يتعلق بترتيب الحاضنين، قالت المحامية المتخصصة في قضايا الأسرة إن هناك تحفظات على المقترحات التي تضع الأب في مرتبة متقدمة ضمن ترتيب الحضانة مرجعة ذلك إلى أن "الطفل خلال سنواته الأولى يحتاج بصورة أكبر إلى الرعاية النسائية المباشرة، ومن ثم يأتي ترتيب الحضانة بعد الأم لصالح أم الأم، ثم أم الأب، على أن يكون الأب في مرتبة لاحقة، بما يحقق التوازن بين احتياجات الطفل النفسية ومتطلبات الرعاية اليومية".
أكدت النائبة فاطمة عادل، عضو مجلس النواب عن حزب العدل، أن مشروع قانون الأحوال الشخصية الذي تعمل عليه اللجنة البرلمانية يهدف إلى تحقيق التوازن داخل الأسرة، مشددة على أن المصلحة الفضلى للطفل هي الأساس في جميع المواد المقترحة.
وأوضحت عادل مع منح القاضي سلطة تقديرية لتحديد ما إذا كان الطفل سيبقى مع والدته أو ينتقل إلى والده وفقاً لما يراه محققاً لمصلحة الطفل.
وأضافت أن الهدف من التشريع هو ضمان الاستقرار الأسري وعدم الانحياز إلى طرف على حساب الآخر، مؤكدة أن البرلمان منفتح على جميع الآراء والمقترحات، وأن القانون سيخضع لحوار مجتمعي واسع قبل إقراره.
قالت النائبة نشوى الشريف، عضو مجلس النواب عن تنسيقية شباب الأحزاب والسياسيين، إن قانون الأحوال الشخصية المعمول به حالياً تأثر كثيراً بالتجارب الشخصية، داعية لاستبعاد هذه التجارب في القانون الجديد.
"وقالت القانون القائم شرب بما فيه الكفاية من التجارب الشخصية وأحدث ما أحدثه في المجتمع بسبب التجارب الشخصية.. فالجوعى حرموا هذا القانون من تجاربكم الشخصية".
أكدت أنها ترفض هذا القانون بصفتها نائبة في البرلمان، وبعيداً عن تجاربها الشخصية، مضيفة "في الخارج يتم تجريم من يسيء لسمعة أو شكل الطرف الآخر أمام الطفل".
وأشار إلى أن قانون الأحوال الشخصية يتعامل مع "الأنفس البشرية" التي يجب التعامل معها بمراعاة القانون وروحه، معلقة: وأنا وجهة نظري تقى روح القانون هنا لازم تعالج النفوس.
اترك تعليق