بين تهديد أمريكي باستئناف الحرب على إيران وتهديد إيراني غير مباشر بالكابلات البحرية أسفل مضيق هرمز، دفعت الاقتصادات الناشئة ثمن مواجهة لا تملك فيها سوى موقعها الجغرافي. فبعد اضطراب الملاحة في مضيق هرمز وارتفاع أسعار الطاقة، انتقل القلق العالمي من ناقلات النفط إلى شيء أكثر هشاشة بكثير: خيوط ألياف ضوئية لا يتجاوز قطر بعضها 25 ملم، لكنها تحمل يوميًا أكثر من 10 تريليونات دولار من التدفقات المالية العالمية.
تحت 8000 قدم من المياه قرب سواحل اليمن، تمر الكابلات التي تنقل 98% من بيانات المعاملات الدولية و44.8 مليون رسالة يومية عبر شبكة SWIFT. هذه البنية التي تضم نحو 597 نظامًا كابليًا بطول يتجاوز 1.7 مليون كيلومتر، أصبحت تمثل نقطة الضعف الأكثر حساسية في الاقتصاد الرقمي العالمي، خصوصًا مع تركز المسارات بين آسيا وأوروبا عبر مصر والبحر الأحمر.
التهديد ليس جديدًا. ففي 1914 قطعت بريطانيا الكابلات الألمانية مع الساعات الأولى للحرب، بينما أدى انقطاع ثلاثة كابلات في البحر المتوسط عام 2008 إلى تعطيل اتصال عشرات الملايين.
أما حوادث بحر البلطيق بين 2023 و2024 فقد أعادت إحياء سؤال قديم في الجغرافيا السياسية: ماذا يحدث حين تتحول البنية الرقمية إلى ساحة ردع؟
يرى د. أشرف درويش استاذ الذكاء الاصطناعى بجامعة العاصمة أن الإنترنت يُنظر إليه عادةً كفضاء غير مرئي قائم في السحاب، بينما الحقيقة أن الاقتصاد الرقمي العالمي يعتمد على بنية مادية بالغة الهشاشة. مئات الكابلات البحرية الممتدة عبر قاع المحيطات تنقل الغالبية الساحقة من البيانات الدولية، من المعاملات المالية إلى خدمات الحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي. هذه الشبكة، لا الأقمار الاصطناعية، هي العمود الفقري الحقيقي للاتصال العالمي.
ويُحدد درويش مضيق هرمز بوصفه نقطة اختناق مزدوجة للطاقة والبيانات في آنٍ واحد. فإلى جانب عبور نسبة كبيرة من تجارة النفط العالمية، تمر عبره كابلات تربط آسيا بالخليج وأوروبا، ما يجعل أي اضطراب جيوسياسي في المضيق قادراً على التحول سريعاً إلى أزمة رقمية عابرة للحدود.
هذا التداخل بين الطاقة والبيانات في نقطة جغرافية واحدة هو ما يمنح هرمز ثقلاً استراتيجياً لم يكن له نظير في أي حقبة سابقة من تاريخ الصراعات الدولية. ويؤكد درويش أن الاعتماد الهائل على الكابلات البحرية جعلها جزءاً من الحسابات الجيوسياسية الحديثة بصورة لا يمكن تجاهلها.
اشار الى ان البنية التي تنقل البيانات بين البنوك ومراكز التداول العالمية هي نفسها التي تعتمد عليها شركات الحوسبة السحابية العملاقة كـ Microsoft وAmazon، إضافةً إلى تطبيقات الذكاء الاصطناعي والخدمات الرقمية اليومية. ومع تزايد الاعتماد العالمي على هذه الأنظمة، باتت أي نقطة اختناق بحرية تحمل وزناً اقتصادياً يتجاوز كثيراً بُعدها الجغرافي المجرد
ويُشير درويش إلى أن دول الخليج هي الأكثر تعرضاً للمخاطر المباشرة، بحكم اعتمادها شبه الكلي على المسارات العابرة لهرمز. في المقابل، تواجه أوروبا وآسيا تباطؤاً في نقل البيانات وارتفاعاً في زمن الاستجابة إذا تعرضت هذه الخطوط للضغط أو التعطيل، حتى لو لم تنقطع كلياً. فالكابلات البحرية مُصمَّمة مع مسارات بديلة، لكن تعطّل عدد محدود منها يفرض إعادة توجيه هائلة لحركة البيانات، ما يُفضي إلى بطء واسع وضغط متراكم على الشبكات الأخرى، مع اضطرابات متفاوتة تبعاً لقدرة كل دولة على الوصول إلى بدائل فعلية.
ويختم درويش بما يراه المفارقة الكبرى لعصرنا: الاقتصاد الرقمي الأكثر تطوراً في التاريخ يعتمد، في نهاية المطاف، على خيوط رفيعة مستقرة في قاع البحر. أي خلل فيها لا يُبطئ الإنترنت فحسب، بل يختبر استقرار التجارة والمال والاتصالات العالمية معاً في لحظة واحدة. وهذه الهشاشة المُركَّبة هي ما يجعل الكابلات البحرية من أدوات الضغط الجيوسياسي الأكثر فاعلية وأقلها تكلفة في منطق الحرب الهجينة الحديثة.
يشير أسامة حمدي الباحث فى الشان الايرانى الى أن مصر تتحرك في أزمة الكابلات البحرية من موقع الوسيط أكثر من موقع الطرف، إذ تركز دبلوماسيتها على منع اتساع الصراع الإقليمي وخفض احتمالات الانزلاق نحو استهداف البنية الرقمية العالمية. فالقاهرة، التي تعتمد اقتصاديًا على استقرار الملاحة في قناة السويس وعلى تدفقات الاتصالات العابرة للبحر الأحمر، ستكون من أوائل المتضررين من أي اضطراب واسع، سواء عبر إغلاق مضيق باب المندب أو تعطيل شبكات الكابلات البحرية.
ويشير إلى أن استهداف البنية الرقمية الدولية سيضع الدولة مسؤولة عنه في مواجهة مباشرة مع القانون الدولي، بما يفتح الباب نظريًا أمام دعاوى تعويض واسعة النطاق من الدول المتضررة. غير أن فعالية هذا المسار تبقى محدودة عمليًا، إذ إن التقاضي أمام محكمة العدل الدولية قد يمتد لسنوات، من دون ضمانات حقيقية لإلزام الطرف المدان بالتعويض.
ولهذا يرى أن اللجوء الإيراني إلى هذا الخيار يظل مستبعدًا، لأنه سيحوّل طهران من طرف إقليمي قابل للاحتواء إلى دولة يُنظر إليها باعتبارها في مواجهة مباشرة مع النظام الدولي نفسه.
وبحسب حمدي، فإن التهديد بالكابلات يندرج ضمن ما تسميه الأدبيات الإستراتيجية "الحرب الهجينة" أو "الاستنزاف غير المتماثل"، حيث تستخدم إيران عناصر تفوقها الجغرافي من مضيق هرمز إلى مسارات الكابلات البحرية كورقة ضغط تفاوضية إلى جانب الوكلاء الإقليميين والطائرات المسيّرة والصواريخ.
يعتقد الباحث أن الانتقال من التهديد إلى التنفيذ لن يحدث إلا في سيناريو وجودي، كتعرض النظام الإيراني لضربة تهدد بقاءه أو محاولة إسقاطه بالكامل، وهو ما يجعل هذا الخيار أقرب إلى خيار شمشون منه إلى أداة ضغط تقليدية
ويضيف أن طهران تدرك أن أي استهداف واسع للكابلات سيصيب خصومها وحلفاءها معا، بما في ذلك الصين وروسيا، ما يقلل احتمالات وجود تنسيق دولي مسبق حول مثل هذه الخطوة.
كما أن تعطيل البنية الرقمية العابرة للبحر الأحمر لن يقتصر أثره على الاتصالات، بل سيمتد إلى التدفقات المالية والتجارية بين الخليج وآسيا وأوروبا، وهي معاملات تُقاس بتريليونات الدولارات.
ورغم امتلاك إيران القدرات العسكرية اللازمة من الألغام البحرية إلى الغواصات يرى حمدي أن كلفة استخدام هذه الورقة تبقى أعلى من مكاسبها السياسية، لأن أي استهداف مباشر للكابلات سيؤدي على الأرجح إلى رد عسكري سريع من الولايات المتحدة وقوى غربية وآسيوية أخرى، ويمنح خصوم طهران فرصة نادرة لبناء تحالف دولي أوسع ضدها.
تشير د. صحر عبد الرحمن أستاذ هندسة الحاسبات كلية الهندسة جامعة شبرا الى أن شبكة الإنترنت العالمية تعتمد على كابلات ألياف ضوئية بحرية تنقل البيانات بسرعات وسعات تفوق البدائل الفضائية بفارق كبير لا يقبل المقارنة في الاستخدام التجاري الكثيف. وتكمن هشاشة هذه المنظومة لا في ضعفها التقني، بل في تمركزها الجغرافي مشيرة الى ان كميات هائلة من البيانات تُضغط في مسارات محدودة تمر عبر نقاط اختناق لا يمكن تجاوزها جغرافياً.
وعند حدوث انقطاع في أحد المسارات الحيوية، كما في البحر الأحمر، تعيد الشبكات الدولية توزيع الحركة تلقائياً على مسارات بديلة. غير أن هذه العملية لا تجري دون ثمن تصاعد ضغط الحركة على الشبكات الأخرى يُترجَم فوراً إلى تباطؤ ملحوظ في الخدمة وارتفاع حاد في زمن الاستجابة، خاصةً في التطبيقات التي تعتمد على تدفق لحظي متواصل كالأسواق المالية وخدمات البث والبنية السحابية الموزعة.
وتُميّز عبد الرحمن تمييزاً دقيقاً بين نوعين من التأثير الانقطاع الكلي، وهو نادر ومستبعد تقنياً في ظل التعدد الكابلي الراهن، والاضطراب الجزئي المتراكم، وهو الأكثر احتمالاً والأشد خطراً على المدى البعيد.
اشارت الى ان الشبكات المحلية ومراكز البيانات الوطنية تضمن استمرار الخدمات الداخلية الأساسية، لكن جزءاً معتبراً من الاستخدام اليومي من المدفوعات إلى التعليم إلى الاتصالات المؤسسية مرتبط ببنية سحابية خارجية تديرها شركات مثل Google وMicrosoft وAmazon. وهذا الارتباط يجعل الأداء العام عرضةً للتأثر حتى دون انقطاع كامل، مجرد تباطؤ يستمر أياماً يكفي لتعطيل سلاسل التوريد وتأخير المعاملات وزعزعة الثقة في الخدمات الرقمية.
وتُشير إلى أن الكابلات البحرية لم تعد مجرد عنصر تقني خلفي، بل أصبحت جزءاً صريحاً من حسابات الأمن الرقمي للدول. لذلك تتجه الأطراف الفاعلة في السوق العالمية إلى توسيع مسارات الربط وزيادة الاعتماد على مراكز بيانات محلية، إلى جانب تطوير أنظمة مراقبة للكابلات البحرية بهدف تقليص أثر أي اضطراب محتمل قبل وقوعه لا بعده.
وتخلص عبد الرحمن إلى أن البحر الأحمر يمثل نموذجاً مكثفاً لاعتماد الاقتصاد الرقمي على جغرافيا محدودة وحساسة في آنٍ واحد. نقطة اختناق واحدة تستطيع أن تُحدث تأثيراً يتجاوز حدودها الإقليمية ويصل إلى البنية التشغيلية للاقتصاد العالمي بأسره، في ما يمكن تسميته بتأثير الدومينو الرقمي سلسلة ردود أفعال تبدأ تحت الماء وتنتهي في أسواق المال والمستشفيات وغرف التداول حول العالم.
تعيد د.غادة ضاحى أستاذ الذكاء الاصطناعي، كلية الحاسبات، جامعة القاهرة تعريف المشهد من زاويته الاقتصادية سيناريوهات استهداف الكابلات البحرية في مضيق هرمز لا تُفضي إلى توقف الإنترنت عالمياً، بل تُطلق موجة اضطرابات متسلسلة ذات طابع اقتصادي بامتياز.
تبدأ الموجة بتباطؤ في نقل البيانات وارتفاع في زمن الاستجابة، ثم تمتد إلى تعطيل جزئي في الخدمات البنكية والتجارية والمنصات السحابية نتيجة إعادة توجيه الحركة نحو مسارات أقل كفاءة وأكثر ازدحاماً. وهذا التسلسل الزمني للضرر هو ما يُغفله كثير من التحليلات التي تُختزل المسألة في ثنائية "الانقطاع أو عدمه".
وتتباين درجة التأثر الاقتصادي وفقاً لمستوى الاعتماد الجغرافي على هذه المسارات. دول الخليج الأكثر عرضةً للاضطراب المباشر والفوري، إذ يعتمد اقتصادها الرقمي اعتماداً شبه كلي على المسارات العابرة لهرمز، بما فيها منظومات الدفع والمقاصة المالية وحركة بيانات سوق الأسهم.
في المقابل تمتد التأثيرات بصورة غير مباشرة إلى شبكات أوسع في آسيا وأوروبا، حيث يتجلى الأثر في ارتفاع تكاليف المعاملات وتأخر التسويات وزيادة الهامش في تداول العملات والمشتقات المالية.
وتنعكس هذه الاضطرابات على مصر بشكل مزدوج، عبر زيادة ضغط الأحمال على مساراتها الرقمية الحيوية، واحتمال تباطؤ بعض الخدمات المالية والتجارية المرتبطة بالاتصال الدولي، إلى جانب تراجع كفاءة بعض التدفقات الرقمية العابرة التي تمر عبر بنيتها التحتية
وتلفت ضاحي إلى أن نحو 95 إلى 99 بالمئة من حركة البيانات الدولية تمر عبر الكابلات البحرية، مقابل اعتماد محدود على الأقمار الاصطناعية التي تُستخدم كحل احتياطي بسبب ارتفاع تكلفتها وانخفاض سعتها وزمن استجابتها. وهذا الرقم وحده يكفي لفهم الهشاشة الاقتصادية الكامنة: سوق مالي يعالج مليارات الدولارات لحظةً بلحظة، يعتمد على بنية يمكن تعطيل جزء منها بأداة تقنية بسيطة وبضعة كيلومترات من قاع البحر.
وتُقدّر ضاحي أن الاستثمارات الموجهة عالمياً لتعزيز مرونة هذه البنية التحتية بلغت نحو 13 مليار دولار بين عامَي 2025 و2027، وهو رقم يعبر في حد ذاته عن حجم المخاطرة الاقتصادية التي باتت الحكومات والشركات تقر بها صراحةً. غير أن هذا الإنفاق يجري في معظمه على توسيع الشبكات الكابلية ذاتها، أي التوسع في نفس المنطق الهش، لا تجاوزه
وتختم بتحذير يخص بنية الاقتصاد الرقمي في مجمله: الهشاشة ليست في الكابل الواحد، بل في التصميم الهيكلي لشبكة تُمرّر قيمة اقتصادية كونية عبر نقاط جغرافية لا تتجاوز أصابع اليد. وهذا ما يجعل الاضطراب المحدود جغرافياً قادراً على إحداث أثر اقتصادي غير متناسب مع حجمه المادي.
تحدد د. هبة عسكر وكيل كلية الحاسبات والذكاء الاصطناعي للدراسات العليا والبحوث، جامعة مدينة السادات زاوية لم تنلْ حقها في النقاش العام: تأثير انقطاع الكابلات البحرية على منظومات الذكاء الاصطناعي تحديداً، وهو تأثير مختلف نوعياً عن التباطؤ العام في الإنترنت. فالذكاء الاصطناعي في قطاعاته الحيوية من التمويل إلى الرعاية الصحية إلى الملاحة الجوية يعتمد على معالجة فورية لا تتحمل التأخير، ويعمل على بنية سحابية توزع مهام الحوسبة عبر مراكز بيانات منتشرة قارياً. وهذا التوزيع القاري بالضبط هو ما يجعله عرضةً لأي اضطراب في شبكة الكابلات التي تربط هذه المراكز ببعضها.
وتُفصّل عسكر مسار الضرر: انقطاع الكابلات يرفع زمن الاستجابة ويُبطئ معالجة البيانات، مما يُضعف كفاءة التطبيقات التي تتطلب استجابة آنية. في الأسواق المالية، يمكن أن تتحول أجزاء من الثانية إلى فوارق بملايين الدولارات في التداول الخوارزمي عالي التردد. في قطاع الطيران، تأخر أنظمة الملاحة الذكية يخلق حالات عدم يقين تشغيلية. وفي القطاع الصحي، قد يؤدي تعطل أنظمة المراقبة الذكية إلى تأخير في اتخاذ القرار الطبي في الحالات الحرجة التي لا تنتظر.
وتشير عسكر إلى أن الاضطرابات في الخدمات السحابية كـ Azure وGoogle Cloud، التي تُشغّل الجزء الأكبر من تطبيقات الذكاء الاصطناعي التجاري عالمياً، لن تكون انقطاعاً كاملاً بل تدهوراً تدريجياً في الأداء يصعب تحديد مصدره وتشخيصه في الوقت الفعلي، مما يعقد قرارات التشغيل في المؤسسات الحيوية.
وتلفت إلى أن الاستثمارات الموجهة لتعزيز مرونة البنية التحتية الرقمية تقترب من 13 مليار دولار بين 2025 و2027، غير أن جزءاً كبيراً منها يذهب إلى تنويع مسارات الكابلات وليس إلى بناء قدرات معالجة محلية حقيقية تستغني عن الاتصال الدولي اللحظي. بمعنى آخر، العالم يستثمر في تقليل الهشاشة دون أن يُعالج جذرها البنيوي.
وتختم عسكر بأن انقطاع الكابلات البحرية لم يعد حادثاً تقنياً معزولاً، بل أصبح تهديداً مباشراً لاستمرارية منظومات الذكاء الاصطناعي التي باتت تُشغّل صوامع الغلال والمستشفيات ومحطات الطاقة بالقدر ذاته الذي تُشغّل فيه البورصات. وهذا يجعل أمن الكابلات البحرية جزءاً لا يتجزأ من معادلة الأمن التكنولوجي والاقتصادي في العالم المعاصر.
يشير اللواء د. محمد الدسوقى أستاذ الأمن القومى إلى أن التحشيد البحري الإيراني قرب مسارات الكابلات، لا يُقرأ في أي قاموس استراتيجي كتمرين عشوائي بقدر ما تُقرأ كرسائل ردع مقصودة. فالغموض الذي يحيط بتصريحات الحرس الثوري الإيراني بشأن الكابلات ليس نقصًا في الوضوح، بل جزء من آلية الردع نفسها: رفع كلفة التصعيد الغربي دون الاضطرار إلى الانتقال للفعل.
اضاف أن طهران تدرك قاعدة كلاسيكية في نظريات الردع. الورقة الإستراتيجية تفقد جزءًا من قيمتها بمجرد استخدامها. لذلك يبقى التهديد أكثر فاعلية من التنفيذ، ما دام المسار الدبلوماسي لم يغلق بالكامل. غير أن هذه المعادلة قد تتغير في ثلاث حالات. إذا أغلقت الولايات المتحدة منافذ التسوية نهائيا، أو إذا رأت إيران أن كلفة الانتظار أصبحت أعلى من كلفة التصعيد، وهو الاحتمال الأخطر إذا انزلق الطرفان إلى مواجهة غير مقصودة.
ويضيف أن هشاشة الردع الغربي تحت البحر لا ترتبط فقط بالقدرات العسكرية، بل بطبيعة البيئة نفسها. فإثبات المسؤولية القانونية في أعماق البحار معقد، والرد العسكري على استهداف كابل تجاري يفتقر إلى التناسب السياسي، بينما تبقى تغطية حلف شمال الأطلسي محدودة خارج نطاقه الجغرافي التقليدي. ومن هذا المنظور، تبدو حوادث البلطيق بين 2023 و2024 أقرب إلى اختبار لحدود رد الفعل الغربي منها إلى عمليات معزولة بالكامل.
أما مصر، فيراها أمام معادلة جيوسياسية ضيقة: الحياد ممكن سياسيًا، لكنه محدود جغرافيًا. فالكابلات العابرة للمياه الإقليمية المصرية لا تتأثر بالمواقف الدبلوماسية بقدر تأثرها بتوازنات الصراع نفسه. ولهذا تراهن القاهرة على أهم أصولها الإستراتيجية: موقعها كممر آمن ومحايد، وهي ميزة تجعل القوى المتنافسة أكثر حرصًا على تجنب تحويل هذا المسار إلى ساحة مواجهة مباشرة.
اترك تعليق