في ظل استمرار الجهود الحكومية لإغلاق ملف مخالفات البناء، تتزايد التساؤلات حول أسباب بطء الحسم رغم التعديلات التشريعية المتكررة.. فبين تعقيدات الأحوزة العمرانية، وضعف الكوادر الفنية، وتحديات التحول الرقمي، يبدو ملف التصالح في مخالفات البناء أعمق من مجرد نصوص قانونية تحتاج إلى تعديل؛ إذ يرى خبراء الإدارة المحلية أن جوهر المشكلة يكمن في آليات التنفيذ وكفاءة الجهاز الإداري، مؤكدين أن حسم الملف يتطلب إصلاحًا مؤسسيًا شاملًا، وتسريعًا لخطوات الرقمنة، ودعمًا حقيقيًا للإدارة المحلية بوصفها الحلقة الفاصلة بين التشريع والتطبيق على أرض الواقع.
قال د. حمدي عرفة أستاذ الإدارة الحكومية والمحلية، أن ملف التصالح في مخالفات البناء يُعد أحد أكثر الملفات تعقيدًا في الإدارة المحلية خلال العقود الأخيرة، نظرًا لتشابكه مع قضايا التخطيط العمراني، وحقوق الدولة، والامتداد العشوائي، والحوكمة المحلية، مشيرًا إلى أن إدارة الملف تمثل اختبارًا حقيقيًا لقدرة الدولة على إعادة تنظيم المجال العمراني وتحقيق الانضباط داخل المحافظات.
أوضح د.عرفة أن التصالح لا يجب النظر إليه باعتباره مجرد إجراء مالي لتحصيل مستحقات الدولة، بل باعتباره مدخلًا لإعادة بناء قواعد التنمية المحلية وتحقيق الاستقرار العمراني، خاصة أن مصر شهدت خلال السنوات الماضية توسعات عمرانية غير مخططة أثرت على البنية التحتية والخدمات وجودة الحياة داخل المدن والقرى.
أكد أن ملف التصالح يمثل بالفعل خطوة مهمة نحو إعادة ضبط منظومة التخطيط العمراني بالمحافظات، لافتًا إلى أن نجاح الدولة في حصر الكتل المخالفة وتحديث الخرائط العمرانية وإدخال البيانات إلكترونيًا يساعد مستقبلاً في إعداد مخططات أكثر دقة وربط التنمية المحلية بالواقع الفعلي على الأرض، وهو ما يدعم رؤية الدولة في الحد من العشوائيات ومنع تكرار المخالفات.
أضاف أن ميكنة ملف التصالح ستسهم بصورة واضحة في تعزيز الحوكمة داخل المحليات من خلال تقليل التدخل البشري، وتسريع إجراءات الفحص، وإتاحة قواعد بيانات موحدة، فضلًا عن زيادة القدرة على المتابعة والرقابة وتقليل فرص الفساد الإداري، مؤكدًا أن التحول الرقمي أصبح ضرورة أساسية في إدارة المحليات وليس رفاهية إدارية وللأسف التهرب الرقمي ضعيف للغاية ولم يتخط 10%.
أشار د. عرفة إلى أن تدريب نحو 11 ألف موظف يُعد خطوة إيجابية ومهمة، لكنه غير كافٍ وحده لضمان كفاءة التنفيذ على مستوى الجمهورية خاصة أن هناك أكثر من مليون و600 ألف موظف في المحافظات، خاصة في ظل وجود أكثر من 4700 قرية وعشرات المدن والأحياء التي تختلف في قدراتها البشرية والتكنولوجية، موضحًا أن بعض الوحدات المحلية ما زالت تعاني نقصًا في الكوادر الفنية والهندسية وضعف الإمكانيات التكنولوجية والإدارية.
أوضح د. عرفة، أن عددًا من أوجه القصور ظهرت أثناء تطبيق القانون، من بينها بطء بعض الإجراءات، وتفاوت الأداء بين المحافظات، وضعف التنسيق بين الجهات المختلفة، إلى جانب محدودية الخبرات الفنية في بعض المحليات، ووجود ضغط كبير على الإدارات الهندسية نتيجة تراكم الطلبات، فضلًا عن احتياج بعض المناطق الريفية إلى دعم تقني وإداري أكبر.
شدد عرفة على أن غلق ملف التصالح نهائيًا يتطلب رفع الكفاءة المؤسسية للوحدات المحلية، من خلال استكمال التحول الرقمي، وتحديث قواعد البيانات العقارية، وتوفير تدريب مستدام للعاملين، وربط تقييم القيادات المحلية بمعدلات الإنجاز وجودة الخدمات، مع إعادة هيكلة بعض الإدارات الهندسية داخل المحليات.
أضاف أن المرحلة المقبلة يجب أن تتضمن تطويرًا شاملًا للأداء المؤسسي بالمحليات بعد انتهاء ملف التصالح، عبر إنشاء منظومة رقابة عمرانية استباقية تمنع المخالفات قبل وقوعها، مع دعم اللامركزية وتوسيع صلاحيات الإدارة المحلية وربطها بالمحاسبة والشفافية.
اختتم تصريحاته بالتأكيد على أن منظومة الإدارة المحلية في مصر تحتاج بالفعل إلى إصلاح تشريعي وإداري أوسع بالتوازي مع قانون التصالح، يتضمن تحديث قانون الإدارة المحلية، وإعادة تنظيم العلاقة بين المحافظات والوزارات، ومنح المحليات صلاحيات مالية وتنفيذية أكبر، بما يحقق تنمية محلية مستدامة ويعزز قدرة الدولة على إدارة النمو العمراني بصورة أكثر كفاءة وانضباطًا.
يرى د. الحسين حسان خبير التطوير الحضاري والتنمية المستدامة، أن أزمة التصالح ليست في القانون بقدر ما هي في آليات التنفيذ، مؤكدًا أن أي تشريع، مهما بلغت دقته، لن يحقق أهدافه ما لم تتوافر أدوات تطبيق فعالة على أرض الواقع.
أشار د.حسان إلى وجود عجز واضح في عدد المهندسين داخل وحدات الإدارة المحلية، وهو ما ينعكس بشكل مباشر على بطء فحص الطلبات، وتعثر الإجراءات، وتراكم الملفات. ويضيف أن تحميل التشريع مسؤولية التعثر يغفل جانبًا مهمًا يتعلق بضعف الإمكانات البشرية والفنية داخل الجهات المنوط بها التنفيذ؛ فالإدارة المحلية هي حلقة الوصل الحقيقية بين النص القانوني والمواطن، وأي خلل في هذه الحلقة يعني تعطّل المنظومة بأكملها.
ويؤكد خبير التطوير الحضاري أن إصدار قوانين جديدة أو تعديل القائم منها لن يكون كافيًا ما لم يصاحبه تطوير شامل في منظومة العمل، موضحًا أن الحل لا يكمن في مزيد من التشريعات، بل في بناء منظومة متكاملة تقوم على أربعة محاور رئيسية: أولها تشريع واضح وقابل للتطبيق، وثانيها: جهاز تنفيذي مؤهل ومدعوم، وثالثها وجود آليات متابعة ورقابة فعالة أما رابعها فهو وجود نظام مساءلة يضمن الانضباط.
ويرى أن غياب أحد هذه العناصر يضعف المنظومة بأكملها، مهما تكن جودة النص القانوني.
شدد الحسين على أن دعم الإدارة المحلية هو المدخل الحقيقي لنجاح ملف التصالح، من خلال: سد العجز في الكوادر الهندسية وتدريب العاملين ورفع كفاءتهم وتحديث البنية التكنولوجية وتبسيط الإجراءات وتقليل البيروقراطية
أكد د. حسان، أن التنمية الحقيقية لا تتحقق بدون كوادر قادرة على التنفيذ، لأن التنفيذ — لا الرؤية وحدها — هو ما يصنع الفارق على أرض الواقع.
اختتم رؤيته بالتأكيد على أن التصالح ليس مجرد ملف قانوني، بل هو ملف إداري وتنفيذي في المقام الأول، يتطلب إعادة نظر في فلسفة الإدارة المحلية ذاتها، حتى تتحول من جهاز إداري تقليدي إلى ذراع تنموية فعالة قادرة على ترجمة التشريعات إلى نتائج ملموسة مضيفا القوانين تضع الإطار لكن التنفيذ هو الذى يمنحها الحياة.
قال د. علاء الناظر أستاذ الإدارة العامة والمحلية تواجه عملية التصالح فى مخالفات البناء فى مصر تحديات عديدة، ولا يوجد إنجاز حقيقى فى هذا الملف رغم التعديلات التشريعية المتكررة ويرجع ذلك الى وجود معوقات وبيروقراطية فى التنفيذ الفعلى ومن أهم المعوقات فى هذا الملف الأحوزة العمرانية التى تحتاج من الحكومة سرعة التدخل لتحديد الأحوزة التى يمكن التصالح فيها حيث تمثل هذه النقطة المعوق الأكبر فى هذا الملف لإن معظم طلبات التصالح تكون خارج الأحوزة العمرانية؛ وبالتالى فإن تدخل الحكومة سيساعد على إنجاز العديد من الطلبات المعلقة التى تحتاج الى تعديل تشريعى بالتنسيق مع وزارة الزراعة للسماح بالإحلال والتجديد والتعلية والإضافة خارج الحيز العمراني.
أضاف يوجد مشكلة فى استكمال البناء حيث لم يتم الاعتراف بأحقية المواطن الحاصل على "نموذج 8" فى البناء والتعلية؛ إذ تعتبره بعض الجهات أنه لا يغنى عن الرخصة الرسمية، كما أن البيروقراطية الإدارية تلعب دورا كبيرا فى تعطيل وتأخير إنجاز الأعمال حيث يوجد بطء كبير فى إجراءات وخطوات التصالح ، كما يجد المواطن صعوبة بالغة فى تتبع خطوات التصالح الخاصة به لمعرفة الدرجة التى وصل إليها الطلب الخاص به لاستكمال باقى الخطوات وهذه المشكلة تحتاج لإعداد منظومة إلكترونية متكاملة لتساعد على سرعة ودقة الإنجاز واستخدام رسائل SMS لإخطار المواطنين بمختلف المستجدات أولا بأول.
أوضح أن أزمة الجراجات وتقنين أوضاعها تُعدُّ حالة ذات طابع خاص يجب التعامل معا بطريقة مختلفة، ويتم النظر لكل حالة بذاتها حيث توجد مبانٍ بها جراجات ولا تؤثر على حركة وسيولة المرور فى الشارع، وهذه المبانى يمكن التصالح فيها..أما فى حالة الجراجات التى تؤثر على حركة وسيولة المرور فلا يتم التصالح فيها ويمكن الاستفادة من الجراجات التى سيتم التصالح فيها أن يكون بمقابل مادى ورسوم عالية بدلا من المنع المطلق لموضوع التصالح فى الجراجات، وهناك اقتراح بتشكيل لجنة لها صلاحيات واسعة ومرونة كافية لاتخاذ القرار المناسب بالتصالح فى بعض الحالات بمعايير محددة تساعد على سرعة الإنجاز لكل حالة على حدة، ويكون ذلك بدراسة للمعوقات التى أدت إلى تأخر التصالح فى بعض الطلبات خلال الفترات التى تم فيها فتح باب التصالح فى مخالفات البناء وهذا التأخير أدى الى إعراض البعض عن استكمال باقى خطوات التصالح، والخلاصة فإن سرعة الانتهاء من التعديلات القانونية وتبسيط وتسريع الإجراءات دون أية تعقيدات مع عمل حملات توعية وحث المواطنين على استكمال ملفات التصالح التي تقدموا بها أو التقدم بطلبات جديدة للمخالفين ومراعاة مصالح المواطنين فإن ذلك سيؤدى الى تحقيق أعلى نسبة تصالح ممكنة وتخدم المواطن وتحافظ على هيبه الدولة.
جدير بالذكر أن د.مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، عقد اجتماعا؛ الأسبوع الماضي لمتابعة الموقف الحالي لإجراءات التصالح على مخالفات البناء وتقنين أوضاعها؛ وذلك بحضور كل من الدكتورة منال عوض، وزيرة التنمية المحلية والبيئة، والمهندسة راندة المنشاوي، وزيرة الإسكان والمرافق والمجتمعات العمرانية، والمستشار هاني حنا، وزير شئون المجالس النيابية، والمستشار محمود حلمي الشريف، وزير العدل، واللواء محمد الجداوي، مدير إدارة التراخيص بالهيئة الهندسية للقوات المسلحة، وعدد من المسئولين.
وصرح المستشار محمد الحمصاني، المتحدث الرسميّ باسم رئاسة مجلس الوزراء، بأن الاجتماع شهد استعراض التحديات والمشكلات التي ظهرت عند تنفيذ قانون التصالح في مخالفات البناء؛ حيث تم في هذا الصدد طرح عدد من التعديلات القانونية التي يتم التوافق عليها بين الجهات المختلفة، والتي من شأنها أن تسهم في حل هذه المشكلات.
وخلال الاجتماع، تم التنويه إلى عدم جدية عدد من المتقدمين للتصالح، وهو ما أوضحته وزيرة التنمية المحلية بشأن وجود نحو 950 ألف ملف مرفق بها طلبات للتصالح وصورة ضوئية من الرقم القومي للمتقدمين فقط، دون استكمال باقي المستندات والإجراءات الأخرى المطلوبة، ولذا تم إرسال العديد من المراسلات والخطابات لهؤلاء المتقدمين، إلا أنهم لم يبدوا أي استجابة لاستكمال الإجراءات اللازمة.
واستعرضت د. منال عوض ـ خلال الاجتماع ـ جهود الدولة في تنفيذ قانون التصالح رقم 187 لسنة 2023، ولائحته التنفيذية، والتي تضمنت إعداد منظومة إلكترونية بالتنسيق مع وزارة التخطيط والتنمية الاقتصادية واستخدام رسائل SMS لإخطار المواطنين بمختلف المستجدات، وتحديد خرائط سعرية لكل منطقة مع وضع إحداثيات جهات الولاية والحيز العمراني لتحديد قيمة التصالح آلياً حسب المساحة وسعر المتر، بالإضافة إلى ميكنة العمل بالوحدات الإدارية (المدن والأحياء)؛ لضمان الحوكمة واستخدام التابلت لرفع الإحداثيات.
وفي سياق ذلك، أكدت الوزيرة أن المحافظات كثفت حملات التوعية وحث المواطنين على استكمال ملفات التصالح التي تقدموا بها أو التقدم بطلبات جديدة للمخالفين، من خلال الرسائل النصية والخطابات المسجلة وحملات طرق الأبواب والإعلانات بالشوارع، وصولاً لحملات التوعية في جميع المناطق بالمحافظات.
كما أكدت وزيرة التنمية المحلية والبيئة استمرار جهود الدولة لتيسير إجراءات التصالح وتحقيق التوازن بين تطبيق القانون ومراعاة البعد الاجتماعي للمواطنين، بما يسهم في تقنين الأوضاع والحفاظ على التخطيط العمراني ودعم جهود التنمية بالمحافظات.
وفي ختام الاجتماع، وجه رئيس مجلس الوزراء بسرعة الانتهاء من التعديلات التي تسهم في حل هذه المشكلات، وكلّف بتبسيط وتسريع الإجراءات دون أية تعقيدات في هذا الشأن؛ مراعاة لمصالح المواطنين، وبما يسهم في إغلاق هذا الملف.
اترك تعليق