مصر
  • 29℃ القاهرة, مصر

رئيس مجلس الإدارة

طارق لطفى

رئيس التحرير

أحمد سليمان

لماذا يخشى الموظف من الذكاء الاصناعى؟

"AI" يثير القلق على المستقبل المهنى.. وخبراء: التكيف الرقمى مفتاح البقاء فى سوق العمل

التكنولوجيا ليست بديل الوظائف.. تعيد تشكيلها بمهارات جديدة

الشهادة الدراسية وحدها لا تكفى.. المرونة والتطوير الذاتى "كلمة السر"


لم يعد القلق من المستقبل المهني مجرد هاجس فردي يراود الشباب والخريجين، بل تحول إلى ظاهرة عالمية تتسع مع التسارع المذهل في تقنيات الذكاء الاصطناعي والأتمتة الرقمية. ففي عالم يتغير بوتيرة غير مسبوقة، أصبحت التكنولوجيا قادرة على تنفيذ مهام كانت حتى وقت قريب حكرًا على الإنسان، بداية من تحليل البيانات وكتابة المحتوى، وصولًا إلى إدارة المؤسسات وصناعة القرار، الأمر الذي أثار تساؤلات واسعة حول مصير الوظائف التقليدية، وحدود الدور البشري في سوق العمل الجديد.

مخاوف من اختفاء مهن

ومع كل طفرة تكنولوجية جديدة، تتزايد المخاوف من اختفاء مهن كاملة، وظهور أنماط عمل مختلفة تفرض مهارات أكثر تعقيدًا ومرونة، وهو ما وضع قطاعات واسعة من العاملين أمام تحدٍ حقيقي يتعلق بقدرتهم على التكيف مع المستقبل. ولم تعد هذه المخاوف قاصرة على الوظائف الروتينية فقط، بل امتدت إلى مجالات إبداعية ومهنية حساسة مثل الإعلام والطب والتعليم، في ظل صعود أدوات الذكاء الاصطناعي القادرة على إنتاج المحتوى وتحليل المعلومات واتخاذ القرارات بسرعة ودقة كبيرة.
ورغم حالة القلق المتنامية، يرى خبراء التكنولوجيا والإعلام وعلم النفس المهني أن الأزمة الحقيقية لا تكمن في وجود التكنولوجيا نفسها، وإنما في كيفية الاستعداد لها، ومدى قدرة الأفراد والمؤسسات التعليمية على مواكبة هذا التحول المتسارع. فالمستقبل – بحسب الخبراء – لن يكون للأكثر خبرة فقط، بل للأكثر قدرة على التعلم المستمر، وتطوير المهارات، والتعامل بوعي مع أدوات العصر الرقمي.
وفي هذا التحقيق، نرصد كيف غيّرت الثورة الرقمية شكل سوق العمل، ولماذا أصبح الذكاء الاصطناعي مصدر قلق مهني عالمي، وما هي المهارات التي يحتاجها الإنسان للحفاظ على مكانه في عالم تزداد فيه المنافسة بين العقل البشري والخوارزميات الذكية.

موجة متزايدة من القلق المهنى

يرى الدكتور عمرو حسن فتوح أستاذ تكنولوجيا المعلومات بجامعة الوادي الجديد أنه مع الانتشار الواسع للذكاء الاصطناعي وتقنيات الأتمتة، لم يعد الحديث عن وظائف المستقبل مجرد توقعات لسيناريوهات بعيدة، بل أصبح واقعًا يفرض نفسه على الموظفين والخريجين وحتى المؤسسات الاقتصادية الكبرى. وبينما تبشر التكنولوجيا بفرص هائلة للنمو والإنتاجية، فإنها في المقابل تثير موجة متزايدة من القلق المهني لدى قطاعات واسعة من العاملين الذين يخشون أن تتحول الآلة من أداة مساعدة إلى بديل مباشر للإنسان.
في السنوات الأخيرة، بدأت مظاهر هذا القلق تتضح بصورة أكبر، خصوصًا مع التطور السريع لتطبيقات الذكاء الاصطناعي القادرة على إنجاز مهام كانت تعد حكرًا على البشر، مثل تحليل البيانات وخدمة العملاء وحتى تصميم المحتوى الرقمي. هذا التحول دفع كثيرًا من الموظفين إلى إعادة التفكير في مستقبلهم المهني ومدى قدرتهم على البقاء في سوق عمل يتغير كل يوم.
ووفق تقرير صادر عن منصة edx عام 2026، فإن نحو 50% من العاملين يرون أن الذكاء الاصطناعي سيؤثر بصورة مباشرة على أهدافهم المهنية، بينما أكد 61% من الموظفين أنهم يفكرون جديًا في إعادة التأهيل المهني أو اكتساب مهارات جديدة نتيجة القلق المتزايد من تأثيرات الذكاء الاصطناعي على الوظائف. وتعكس هذه الأرقام حالة عالمية من الترقب والحذر، خصوصا بين الشباب المقبلين على سوق العمل في ظل تزايد المنافسة الرقمية.
ولا يقتصر الأمر على الوظائف الإدارية أو التقنية فقط، بل امتد إلى قطاعات مهنية حساسة. فقد أشارت دراسة عالمية إلى أن 51.8% من الأطباء المشاركين في الدراسة لديهم مخاوف من إمكانية استبدال بعض الأدوار الطبية بالذكاء الاصطناعي مستقبلًا، وهو ما يكشف اتساع دائرة القلق حتى داخل المهن التي كانت تعد أكثر استقرارًا وأمانًا.
ويرى خبراء الاقتصاد الرقمي أن المشكلة الحقيقية لا تكمن في التكنولوجيا نفسها، بل في سرعة التحول التي قد تتجاوز قدرة بعض المجتمعات والمؤسسات التعليمية على التكيف. ويشير مختصون في سوق العمل إلى أن الكثير من الوظائف التقليدية مرشحة للتراجع خلال السنوات المقبلة، مثل الأعمال الروتينية والإدارية المتكررة، في مقابل صعود وظائف جديدة تعتمد على تحليل البيانات والأمن السيبراني وتطوير الأنظمة الذكية وإدارة المحتوى الرقمي.

الذكاء الاصطناعى لا يقضى على الوظائف
ورغم هذه المخاوف، يؤكد باحثون أن الذكاء الاصطناعي لا يقضي على الوظائف بقدر ما يعيد تشكيلها. فكما اختفت مهن قديمة مع الثورات الصناعية السابقة، ظهرت بالمقابل تخصصات جديدة لم تكن موجودة من قبل. ومن هنا تبدو القدرة على التعلم المستمر واكتساب المهارات الرقمية العامل الأهم في تحديد مستقبل الأفراد المهني خلال المرحلة المقبلة.
وفي خضم هذا المشهد المتغير، لم يعد السؤال المطروح: هل ستغير التكنولوجيا سوق العمل؟ بل أصبح: كيف يمكن للعاملين التكيف مع هذا التغيير؟. فالمستقبل المهني لم يعد قائمًا على الشهادة الجامعية وحدها، وإنما على المرونة، والتطوير الذاتي، والقدرة على مواكبة التحولات التقنية المتلاحقة.
إن التحدي الحقيقي الذي تفرضه الثورة الرقمية لا يتمثل في الخوف من الذكاء الاصطناعي، بل في الاستعداد له. فكلما توسعت مهارات الأفراد الرقمية، زادت قدرتهم على تحويل القلق إلى فرصة، والتغيير إلى مساحة جديدة للنمو المهني والاستقرار الوظيفي.
أوضح الاستاذ الدكتور محمد فتحي الجلاب، وكيل كلية الآداب للدراسات العليا والبحوث جامعة المنيا، أنه إذا تحدثنا عن موضوع القلق المهني المستقبلي فيمكن تحليله لأبعاد مختلفة تساعدنا على تحويله إلي استراتيجية عمل متقنه فبداية أول هذه الأبعاد ماهي مصادر القلق المهني (لماذا نخاف؟) هل الخوف من أن تصبح المهارات البشرية الحالية (مثل الكتابة، البرمجة، أو حتى التحليل المالي) غير ضرورية أمام سرعة ودقة الآلة، أم الخوف من سرعة التغيير: الشعور بالإنهاك من محاولة ملاحقة كل تحديث تكنولوجي جديد، مما يولد شعوراً بـ "التقادم المهني" السريع، أم تغيير طبيعة العمل: أو القلق من التحول نحو "اقتصاد العمل الحر" (Gig Economy) وفقدان الأمان الوظيفي والمزايا التقليدية.
البعد الثاني الوظائف بين "الاستبدال" و"التعزيز ومن المهم هنا التفريق بين نوعين من التأثير التكنولوجي وظائف مهددة بالاستبدال:وهل هي الوظائف ذات المهام المتكررة والروتينية (مثل إدخال البيانات، بعض أعمال المصانع، أو المهام الإدارية البسيطة، ووظائف سيتم تعزيزها: أو هل هي الوظائف التي تعتمد على "الذكاء العاطفي"، "التفكير النقدي"، و"الإبداع" وهنا لا تحل التكنولوجيا محل الإنسان، البعد الثالث وهومهارات "المستقبل" التي لا يمكن أتمتتها وبالتالي يجب التركيز على المهارات التي تفتقر إليها الآلة مثل المرونة الإدراكية وهي القدرة على التبديل بين أنماط تفكير مختلفة وحل المشكلات المعقدة.، الذكاء الاجتماعي والعاطفي:وأيضا القدرة على التفاوض، الإقناع، والقيادة الملهمة، محو الأمية الرقمية، وبالتالي ليس بالضرورة أن تكون مبرمجاً، ولكن يجب أن تعرف كيف "تتعامل" مع التكنولوجيا وتوظفها في مجالك.

الإبداع والتطوير

وباختصار التكنولوجيا لا تريد أن تأخذ مكانك، بل تريد أن تأخذ "المهام المملة" من يومك. وبالتالي أصبحت أمام التحدي الحقيقي هو: ماذا ستفعل بالوقت والمجهود الذي ستوفره لك التكنولوجيا؟ إذا كانت إجابتك هي الإبداع والتطوير، فالمستقبل لك.
ترى الاستاذ الدكتورة سلوى أبوالعلا الشريف، رئيس قسم الإعلام بجامعة المنيا الأهلية وعميد كلية العلاقات العامة بالجامعة، أنه لم يكن القلق من تأثير التكنولوجيا على المهن أمرًا جديدًا، إذ ارتبطت كل طفرة تكنولوجية كبرى بمخاوف من اختفاء وظائف وظهور أخرى جديدة، بدءًا من الطباعة التي أثارت تساؤلات حول دور النُسّاخ اليدوي، مرورًا بالراديو والتلفزيون وما أحدثاه من تحولات في الإعلام، وصولًا إلى الإنترنت الذي أعاد تشكيل المجال بالكامل، واليوم يتجدد هذا القلق مع ظهور تطبيقات الذكاء الاصطناعي بصورة أكثر تعقيدًا، لأنها لا تهدد الوظائف الروتينية فقط، بل يمتد إلى مجالات إبداعية مثل الكتابة وصناعة المحتوى، ويتزايد هذا القلق داخل المجال الإعلامي مع توسع استخدام الذكاء الاصطناعي في الإنتاج الإعلامي، حيث أصبح قادرًا على كتابة الأخبار، وتصميم الوسائط، وإنتاج الصوت والفيديو، وظهور المذيع الافتراضي، ومع ذلك تغيرت متطلبات سوق العمل، وأصبح تحليل البيانات والتعامل مع هذه التقنيات جزءًا أساسيًا من كفاءة الإعلامي، مع تصاعد المنافسة بين الإنسان والخوارزميات في إنتاج المحتوى وتوجيهه.

آثار الذكاء الاصطناعى فى الإعلام

وتتضح آثار الذكاء الاصطناعي في مختلف المجالات الإعلامية؛ ففي الصحافة يُستخدم في كتابة الأخبار والتحقق من المعلومات وتحليل البيانات، وفي العلاقات العامة والإعلان في تحليل الجمهور وإدارة الحملات والتنبؤ بالسلوك، بينما في الإعلام المرئي والمسموع ظهرت تطبيقات مثل المذيعين الافتراضيين والإنتاج شبه الآلي، إضافة إلى اعتماد الإعلام الرقمي على الخوارزميات في التوصية بالمحتوى وتحليل التفاعل.
ويثير هذا التحول جدلًا حول مستقبل الوظائف الإعلامية؛ فهناك من يرى أنه سيقلص الوظائف التقليدية، بينما يرى آخرون أنه سيعيد تشكيلها ويفتح وظائف جديدة مثل تحليل البيانات وإدارة المحتوى الرقمي، وفي المقابل تبقى المهارات الإنسانية مثل الإبداع والحس النقدي واتخاذ القرار الأخلاقي عناصر لا يمكن استبدالها، مما يجعل التحدي الحقيقي هو التكيف وتطوير المهارات.
وقد انعكست هذه التحولات على طلاب الإعلام الذين يعيشون قلقًا متزايدًا بشأن مستقبلهم المهني، بين الخوف من تقلص الفرص وارتباك الهوية المهنية، مع الحاجة إلى مهارات جديدة مثل تحليل البيانات وصناعة المحتوى الرقمي والتعامل مع الذكاء الاصطناعي والتفكير النقدي.
كما أفرزت هذه التحولات تحديات أخلاقية مثل التضليل الإعلامي والأخبار الزائفة والتزييف العميق وانتهاك الخصوصية، مما وسّع مسئولية مهنية وأخلاقية متزايدة للإعلامي لتشمل التحقق من المحتوى وكشف المزيف منه.
وفي ظل ذلك، تبرز الحاجة إلى تطوير مناهج الإعلام، وتحديث التدريب، وتعزيز المهارات الإنسانية، مع دعم الشراكات بين المؤسسات المختلفة، وفي النهاية، يجب التأكيد على أن مستقبل الإعلام لا يرتبط بالتكنولوجيا وحدها، بل بقدرة الإنسان على توظيفها بوعي يوازن بين التقنية والبعد الإنساني، حيث يرتبط القلق المهني بسرعة التحولات أكثر من التكنولوجيا نفسها.
قالت الدكتورة فاطمة طه، رئيس قسم الإعلام بكلية الآداب ومدير البوابة الرقمية بجامعة الوادي الجديد، أن التسارع التكنولوجي الذي نشهده اليوم، خاصة في الذكاء الاصطناعي والأتمتة، لم يعد مجرد أدوات مساعدة في بيئة العمل، بل أصبح قوة بنيوية تعيد تشكيل قواعد الإنتاج الإعلامي نفسه. ومن موقعي الأكاديمي، أرى أن القلق المنتشر في أوساط القوى العاملة مفهوم، لكنه يحتاج إلى تفكيك علمي بعيداً عن التهويل.
جذور هذا القلق ليست تقنية فقط، بل نفسية وثقافية. فحين تعتمد غرفة أخبار كاملة على خوارزمية لتحديد الموضوعات الأكثر رواجاً، يشعر الصحفي أن حسه المهني أصبح هامشياً. هذا ما نسميه "الاغتراب الرقمي". رأيناه بوضوح عندما بدأت وكالة Associated Press تستخدم الذكاء الاصطناعي لكتابة تقارير أرباح الشركات عام 2014. الخوف وقتها لم يكن من الآلة، بل من تهميش دور المحرر البشري. وتغذّي هذا القلق أيضاً الفجوة المهارية. المونتير الذي يتقن برنامج Final Cut فقط سيجد نفسه متأخراً عن زميله الذي يوظف أدوات مثل Runway أو Descript لمونتاج الفيديو بالذكاء الاصطناعي خلال دقائق.
في المقابل، سوق العمل لا تختفي بل تتحور. الخطأ هو اختزال المشهد في وظائف تموت وأخرى تولد. الحقيقة أن طبيعة الوظيفة الإعلامية ذاتها تتغير. مراسل الجزيرة اليوم لا يُستبدل بالذكاء الاصطناعي، لكن المراسل الذي لا يستخدم أدوات التحقق من الصور المفبركة أو تحليل البيانات المفتوحة سيتراجع. ظهرت بالفعل وظائف جديدة داخل المؤسسات الكبرى لم نسمع بها قبل خمس سنوات: "محرر أوامر الذكاء الاصطناعي Prompt Editor" في صحيفة نيويورك تايمز، و"مدقق الحقائق الخوارزمي" في BBC Verify. هذه النماذج تؤكد أن التوجه العالمي يميل لنموذج "الإنسان المعزز"، حيث تصبح الآلة شريكاً في الإنتاج.
المواجهة إذن مسؤولية مركبة. على مستوى الدولة، نحتاج سياسات تعيد تعريف "محو الأمية" لتشمل محو الأمية الخوارزمية. الاستثمار يجب أن يذهب للمهارات التي تجعل الإنسان متفوقاً على الآلة: التفكير النقدي الذي يكشفه مذيع ماهر في حوار، والحكم الأخلاقي عند تغطية الأزمات، والإبداع السردي الذي نشاهده في وثائقيات AJ+، والذكاء العاطفي في برامج التواصل الاجتماعي. وعلى مستوى المؤسسات الإعلامية، التحول الرقمي ثقافة لا قرار. قنوات مثل سكاي نيوز عربية بدأت تدمج أدوات الذكاء الاصطناعي في تدريب محرريها كجزء أساسي من عملهم اليومي، لا كدورة اختيارية. أما على مستوى الفرد، فانتهى زمن الشهادة الواحدة. منصات مثل "إدراك" و"رواق" أتاحت لمعد برامج في قناة محلية أن يتعلم تحليل بيانات الجمهور دون مغادرة مكتبه.
قلق المستقبل المهني حقيقي، لكنه ليس قدراً. دورنا كإعلاميين هو تحويل هذا الخوف من حالة شلل إلى دافع للتكيف الواعي. التكنولوجيا ستغير قواعد اللعبة، لكن الإنسان هو من سيكتب القواعد الجديدة. والمؤسسات الإعلامية التي ستبقى هي التي تستثمر في عقل الصحفي قبل أن تستثمر في ذكاء الآلة.

التكنولوجيا جزء من الحياة اليومية

أكدت الدكتورة أسماء عشري، أستاذ الاعلام بجامعة سوهاج، أن التطور التكنولوجي أصبح جزءًا أساسيًا من حياتنا اليومية في الآونة الأخيرة. ورغم المميزات الكبيرة التي قدمتها التكنولوجيا، إلا أنها في الوقت نفسه خلقت حالة من القلق لدى كثير من الشباب بشأن مستقبلهم المهني، واختفاء بعض الوظائف التقليدية التي يمكنهم ممارستها بسبب اعتماد المؤسسات على التكنولوجيا والبرامج الذكية، والتي ساعدت هذه المؤسسات في إنجاز الأعمال بسرعة أكبر وبتكلفة أقل من خلال الذكاء الاصطناعي. كما زاد الخوف مع انتشار الحديث المستمر عن الوظائف التي قد تختفي مستقبلًا، وظهور وظائف جديدة تحتاج إلى مهارات مختلفة ومتطورة.
ولا يقتصر تأثير هذه المخاوف على الجانب المهني فقط، بل يمتد أيضًا إلى الجانب النفسي، حيث يشعر بعض الشباب بالحيرة وعدم الاستقرار عند التفكير في اختيار التخصص أو العمل المناسب، خوفًا من أن تصبح هذه الوظائف غير مطلوبة مع التطور التكنولوجي السريع. وقد ساهمت مواقع التواصل الاجتماعي في زيادة هذه الحالة من خلال عرض نماذج مستمرة للنجاح السريع والمنافسة الكبيرة في سوق العمل.
ورغم هذه المخاوف، يرى كثير من المتخصصين أن التكنولوجيا ليست تهديدًا كاملًا للإنسان، بل وسيلة تساعد على تطوير العمل وخلق فرص جديدة، فمع اختفاء بعض الوظائف تظهر مجالات أخرى تحتاج إلى مهارات حديثة، مما يجعل التعلم المستمر وتطوير الذات من أهم الأمور المطلوبة حاليًا.
أي أن التكنولوجيا أصبحت واقعًا لا يمكن تجاهله، ولذلك فإن التعامل معها بشكل إيجابي وتطوير المهارات المختلفة قد يكون أفضل وسيلة لمواجهة قلق المستقبل المهني والاستعداد لسوق العمل في السنوات القادمة.
قال الدكتور بهاء حسن، خبير تكنولوجيا المعلومات، إن سوق العمل العالمية تشهد تحولات جذرية فرضتها الثورة الرقمية، وصعود الذكاء الاصطناعي ، واضطراب سلاسل القيمة الاقتصادية، ما أسفر عن حالة من اللايقين المزمن إزاء الملامح المستقبلية للمهن. في هذا المناخ، لم يعد القلق الوظيفي مقتصراً على لحظات انتقالية كالتخرج أو تغيير العمل، بل تحول إلى خبرة وجدانية معممة تُلازم قطاعاً واسعاً من الأفراد، بمن فيهم الموظفون الأكفاء. يُعرِّف الباحثون قلق المستقبل المهني (Future Career Anxiety) بأنه حالة من الاجترار المعرفي والانفعال السلبي المرتبط بتوقع تهديدات محتملة للهوية المهنية أو الاستقرار الوظيفي أو فرص النمو المستقبلية، حتى في غياب خطر آني ملموس. وتكمن أهمية دراسته في كونه يمس الصحة النفسية والإنتاجية والقدرة على اتخاذ القرار المهني السليم، ولا يقف أثر قلق المستقبل المهني عند حدود الانفعال العابر، بل يمتد ليطال منظومة الأداء النفسي والاجتماعي للفرد.
على صعيد اتخاذ القرار: يتسبب القلق المزمن في "شلل القرار المهني"، حيث تتحول عملية الاختيار والتخطيط إلى مهمة مربكة؛ يبالغ الفرد في تحليل الخيارات (Overthinking) خوفاً من الخطأ غير القابل للإصلاح، فيؤجل التخصص، أو تغيير الوظيفة غير المُرضية، أو حتى اكتساب مهارة جديدة، مفضلاً الانسحاب الوقائي.
على صعيد الصحة النفسية: يتزامن قلق المستقبل المهني مع أعراض اكتئابية وإرهاق نفسي، خصوصاً حين يكون مصحوباً بتجارب فشل متكررة في الحصول على عمل لائق. كما يرتبط بظهور "متلازمة المحتال" (Impostor Syndrome) حتى بين الموظفين ذوي الأداء العالي، الذين يعيشون في خوف دائم من أن يُكتشف "جهلهم" مع كل تحول تقني جديد.
على صعيد الهوية: يمكن أن يقوّض القلق المزمن الإحساس بهوية مهنية متماسكة. يتحول الفرد من "صانع مسار" إلى "متفاعل دفاعي"، لا يسترشد في تحركاته برؤية ذاتية بل برد فعل على تهديدات السوق المتخيلة أو الحقيقية، وهو ما تصفه نظرية البناء الوظيفي بفقدان السردية المهنية الداخلية.
كما ان قلق المستقبل المهني ليس وهماً فردياً ولا ترفاً نفسياً، بل هو استجابة مفهومة لعصر تتآكل فيه اليقينيات المهنية. ومع ذلك، تظل هذه الاستجابة قابلة للتعديل. فحين يُترجم القلق – بتدخل علمي رصين – من حالة جمود دفاعي إلى طاقة استباقية للتطوير والاستكشاف، يستطيع الفرد أن يستعيد مركز القيادة في بناء مساره المهني. وكما تقول الحكمة العلمية لعلم النفس المهني المعاصر: "التكيف لا يعني امتلاك خريطة دائمة، بل يعني امتلاك بوصلة داخلية تُحسن قراءة التضاريس المتغيرة".

خارطة طريق لمواجهة قلق المستقبل المهنى

لمواجهة هذا القلق بصورة علمية، يجب تبني استراتيجيات تربوية تركز على "المرونة المعرفية":

 - التعلم مدى الحياة (Lifelong Learning): لم يعد التعليم مرحلة تنتهي بانتهاء الجامعة، بل أصبح ضرورة مستمرة. القدرة على "إعادة التعلم" هي المهارة الأهم.
- تطوير المهارات الناعمة (Soft Skills): كلما زادت أتمتة المهام التقنية، زادت قيمة المهارات الإنسانية مثل حل المشكلات المعقدة والتفاوض والإدارة الوجدانية.
- الثقافة الرقمية الواعية: لا يكفي استخدام التكنولوجيا، بل يجب فهم فلسفتها، وكيفية توظيفها لتعزيز الإنتاجية الشخصية دون الانزلاق في فخ "الاحتراق الرقمي. 




تابع بوابة الجمهورية اون لاين علي

تابع بوابة الجمهورية اون لاين علي جوجل نيوز جوجل نيوز

يمكنك مشاركة الخبر علي صفحات التواصل

اترك تعليق